والحكمة من ذلك: أن الكلمة الطيبة للسائل، والعفو عنه فيما صدر منه كل ذلك يؤدي إلى رفع الدرجات عند الله، وإلى تهذيب النفوس، وتأليف القلوب، وحفظ كرامة أولئك الذين مدوا أيديهم بالسؤال، أما الصدقة التي يتبعها الأذى فإن إيتاءها بتلك الطريقة يؤدي إلى ذهاب ثوابها، وإلى زيادة الآلام عند السائلين، ولا سيما الذين يحرصون على حفظ كرامتهم، وعلى صيانة ماء وجوههم، فإن ألم الحرمان عند بعض الناس أقل أثرًا في نفوسهم من آلام الصدقة المصحوبة بالأذى؛ لأن ألم الحرمان يخففه الصبر الذي وراءه الفرج، أما آلام الصدقة المصحوبة بالأذى لهم فإنها تصيب النفوس الكريمة بالجراح التي من العسير التئامها وشفاؤها.
وفي الآية دليل على أن الأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2] .
فكما أن الحسنات يذهبن السيئات، فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .
حث على تكميل الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها؛ لئلا يضيع العمل سدى 138.
والمقصود أن لقبول الصدقة شروطًا سابقة، ومبطلات لاحقة؛ أما الشروط السابقة فالإخلاص لله والمتابعة، وأما المبطلات اللاحقة فالمن والأذى، وقد امتدح الله في الآيات السابقة الذين ينفقون في سبيله، ولا يتبعون ما أنفقوا منًا على من أعطوه لا بقول ولا بفعل، ولا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا، يحبط به إحسانهم، ووعدهم تعالى جزيل الثواب على ذلك، ثم بين أن ترك المن والأذى بنفسه خير من الإنفاق، وأن الواجب رد السائل ردًا جميلًا، وهو المعروف، وعفوه أن صدر منه ما يثقل عليه، وينال مغفرة الله بسبب ذلك.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم إنفاق السر وإنفاق العلانية، وجعل كليهما سلوكًا عامًا للمؤمنين، ومدح كلا النوعين في سياق واحد، فقال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] .
وقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 22] .
وقال تعالى: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ} [إبراهيم: 31] .
وقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 7] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29] .
وقال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] .
فهذه الآيات الكريمة تفيد أن الإنفاق في كلا الحالين في السر وفي العلانية مشروع ومحمود، وأن الصدقات في كل أحوالها خيرٌ محضٌ، ما دام المنفق قد خلص من الرياء، وجانب المن والأذى، وإذا كان ثمة تفاوت فهو في حال النفس، والاحتياط للرياء، وسد مداخله.
إلا أن هناك تفصيلًا من ناحية أفضلية أيِ منهما في أحوالٍ وظروفٍ معينة، ومنطلق العلماء في مسألة تفضيل الإنفاق سرًا على الإنفاق علانية أو العكس هو قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] .
فذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، فالإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها؛ لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات، قال الحسن: «إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوع أفضل؛ لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده» 139. ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا» 140.
قال ابن العربي: «أما صدقة الفرض فلا خلاف أن إظهارها أفضل، كصلاة الفرض، وسائر فرائض الشريعة؛ لأن المرء يحرز بها إسلامه، ويعصم ماله» ثم قال في مسألة صدقة النفل: «والتحقيق فيها: أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها، والمعطى إياها، والناس الشاهدين لها، أما المعطي فله فائدة إظهار السنة وثواب القدوة، وآفتها الرياء والمن والأذى، وأما المعطى إياها فإن السر أسلم له من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها، وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء، وعلى الآخذ لها بالاستثناء؛ ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل» 141.
وبعض العلماء يرى أن أفضلية إخفاء الصدقة مقيدة بإيتاء الفقراء خاصةً لا في كل الصدقات؛ تماشيًا مع منطوق الآية، يقول ابن القيم: «تأمل تقييده تعالى الإخفاء بإيتاء الفقراء خاصة، ولم يقل: وإن تخفوها فهو خيرٌ لكم، فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش، وبناء قنطرة، وإجراء نهر، أو غير ذلك» 142.
والمقصود أن أكثر العلماء يرون أن الأفضل في الصدقات الواجبة الإظهار، وأما في سائر الصدقات المندوبة والمستحبة فالأفضل فيها الإخفاء والإسرار، وهذا في الأحوال العادية، أما في أحوالٍ أخرى استثنائيةٍ، فيمكن النظر في المصلحة المتحققة بين إخفاء أو إسرار الصدقة الواجبة أو النافلة.
رابعًا: أن يكون المال المنفق منه من الطيب:
ومن آداب الإنفاق في سبيل الله أن يكون الإنفاق من الطيب، وقد حث القرآن الكريم على الإنفاق مما يحبه الإنسان، فقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92] .
فقوله: {لَنْ تَنَالُوا} أي: تدركوا، وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات، وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق، وبر قلوبكم، ويقين تقواكم، فيدخل في ذلك إنفاق نفائس الأموال، والإنفاق في حال حاجة المنفق إلى ما أنفقه، والإنفاق في حال الصحة، ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك 143.
ولم يبين في الآية المنفق وإنما أبهمه، فقال: {مِمَّا تُحِبُّونَ} وسوغ هذا الإبهام هنا وجود {تُنْفِقُوا} إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ... ، والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدقين، ورغباتهم، وسعة ثرواتهم، والإنفاق منه، فيكون التصدق من النفيس والذي يحب دليل على سخاء لوجه الله تعالى، وفي ذلك تزكية للنفس، وتنقية لها مما فيها من الشح، قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
وفي ذلك أيضًا صلاح عظيم للأمة؛ إذ يجود أغنياؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال، فتشتد بذلك أواصر الأخوة، ويهنأ عيش الجميع.
و (ما) في قوله: {مِمَّا تُحِبُّونَ} للتبعيض ... ، والظاهر: أن المحبة هنا هو ميل النفس، وتعلقها التعلق التام بالمنفق، فيكون إخراجه على النفس أشق وأصعب من إخراج ما لا تتعلق به النفس ذلك التعلق؛ ولذلك فسره الحسن والضحاك: بأنه محبوب المال، كقوله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الإنسان: 8] .
وقد روي عن جماعة أنهم لهذه الآية تصدقوا بأحب شيء إليهم، فتصدق أبو طلحة ببيرحاء، وتصدق زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها، وابن عمر بالسكر واللوز؛ لأنه كان يحبه، وأبو ذر بفحل خير إبله، وببرنس 144 على مقرور 145، وتلا الآية، والربيع بن خيثم بالسكر لحبه له، وأعتق عمر جارية أعجبته، وابنه عبد الله جارية كانت أعجب شيء إليه.
وقيل: معنى {مِمَّا تُحِبُّونَ} ما يكون محتاجًا إليه. وقيل: كل شيء ينفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله 146.
والإنفاق من المحبوب يدخل فيه المال وغيره، كبذل الجاه في معاونة الناس، إن صحبه الإخلاص، وكبذل البدن في طاعة الله، وبذلك المهج في سبيل الله.
وإذا تأملت جميع الطاعات وجدتها إنفاقًا مما يحب الإنسان، إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دعته وترفهه، وهذه كلها محبوبات 147.
ولما كان الإنفاق على أي وجه كان مثابًا عليه العبد، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، محبوبًا للنفس أم لا، وكان قوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه.
الإنفاق من الطيب:
وأمر الله تعالى بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وخبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] .
وهو المعبر عنه بـ (الحسن) في قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] .
فقوله: {أَنْفِقُوا} يشمل النفقة الواجبة والمستحبة، أما الواجبة وهي الزكاة، فيحمل الأمر على الوجوب؛ إذ لا يصح دفع الرديء فيها، وأما التطوع فعلى سبيل الكمال.
وقوله: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} أي: من جيد ما كسبتم ومختاره، كذا قال الجمهور، وقال جماعة: إن معنى الطيبات هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين جميعًا؛ لأن جيد الكسب ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع، وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالًا كان أو حرامًا، فالحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية 148.
وأضاف سبحانه الكسب إليهم فقال: {مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} وإن كان هو الخالق لأفعالهم؛ لأنه فعلهم القائم بهم، وأسند الإخراج إليه فقال: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ} لأنه ليس فعلًا لهم ولا هو مقدور لهم، فأضاف مقدورهم إليهم، وأضاف مفعوله الذي لا قدرة لهم عليه إليه، ففي ضمنه الرد على من سوى بين النوعين، وسلب قدرة العبد وفعله، وتأثيره عنها بالكلية 149.
وقوله: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} معطوف على ما قبله، أي: أنفقوا من طيبات أموالكم التي اكتسبتموها، ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب والثمار والزروع وغيرها، وترك سبحانه ذكر كلمة الطيبات في هذه الجملة لسبق ذكرها في الجملة التي قبلها.
وخص سبحانه هذين النوعين، وهما الخارج من الأرض، والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشي وغيرها، إما بحسب الواقع، فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب، والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع، فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما، وعموم وجودهما، وإما لأنهما أصول الأموال، وما عداهما فعنهما يكون، ومنهما ينشأ، فإن الكسب تدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة، وسائر ما تتعلق به التجارة، والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض، فكان ذكرهما أهم 150.
وقد أكد الله تعالى هذا الأمر بجملتين كريمتين، فقال: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} فقوله: {وَلَا تَيَمَّمُوا} أي: ولا تقصدوا وتتعمدوا، يقال: تيممت الشيء ويممته إذا قصدته، ويقال: يممت جهة كذا إذا قصدته، ومنه الإمام؛ لأنه المقصود المعتمد، وأصل تيمموا، فحذفت إحداهما تخفيفًا.
والخبيث: هو الرديء من كل شيء، وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير؛ لأنه ينفى الرديء، ويطلق الخبيث على الشيء الحرام والمستقذر.
والمراد: لا تنفقوا من الأشياء التي لا فائدة فيها، أو مضرة، مثل الملابس الخلقة، أو الفواكه والمأكولات الفاسدة، وما شابه ذلك، بل مما يحبه الإنسان، والذي هو أهل لأن يعطى بيد الله، فإن غير ذلك ليس أهلًا لوضعه بيد الله، فالإنفاق بالأكل ينبغي أن يكون من النوع الذي يحبه المنفق له ولعياله، وفي الملابس من النوع الذي يحب لبسه المنفق وأهل بيته، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربى أحدكم فلوه -أي: المهر الصغير- حتى تكون مثل الجبل) 151.
والإغماض في اللغة -كما يقول الرازي-: غض النظر، وإطباق جفن على جفن، وأصله من الغموض، وهو الخفاء 152، والمراد بالإغماض ها هنا: المساهلة؛ وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عنه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضًا.
والمعنى: أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها، ولا تتحروا وتقصدوا أن يكون انفاقكم من الخبيث الرديء، والحال أنكم لا تأخذونه إن أعطي لكم هبة أو شراء أو غير ذلك، إلا أن تتساهلوا في قبوله، وتغضوا الطرف عن رداءته، إذا كان هذا شأنكم في قبول ما هو رديء، فكيف تقدمونها لغيركم؟ فإن الله ينهاكم عن ذلك؛ لأن من شأن المؤمن الصادق في إيمانه ألا يفعل لغيره إلا ما يجب أن يفعله لنفسه، ولا يعطي من شيء إلا ما بجب أن يعطى إليه 153.
والله غني عن الخبيث الذي تقصدون إليه، فتخرجون منه صدقاتكم! بينما هو سبحانه يحمد لكم الطيب حين تخرجونه، ويجزيكم عليه جزاء الراضي الشاكر، وهو الله الرازق الوهاب، يجزيكم عليه جزاء الحمد، وهو الذي أعطاكم إياه من قبل! فأي إيحاء! وأي إغراء! وأي تربية للقلوب بهذا الأسلوب العجيب!
والحكمة من النهي عن التصدق بالرديء والخبيث إضافة إلى ما سبق: أن الإنفاق لما كان تضميدًا لجراح الفقير، ومواساة له في محنته، فإن الخلق الرفيع يقتضي أن تكون هذه المواساة على النحو الأحسن؛ لتثمر وتؤثر أثرها الطيب في نفوس الضعفاء والمحرومين؛ ليشعر كل فرد منهم بالعطف، والمشاركة لهم في الطيب من العيش، لا للتخلص من هذا الذي قدم لهم. فشعور الفقير بأن ما دفعه إليه المحسن من النوع الرديء إنما كان للتخلص من رداءته يترك في نفسه الأثر السيئ إزاء المنفق الذي أخرج الرديء من المال.
ولما كان الكف عن الإنفاق أو التقدم بالرديء الخبيث إنما ينشأ عن دوافع السوء، وعن تزعزع اليقين فيما عند الله، وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفسًا تتصل بالله، وتعتمد عليه، وتدرك أن مرد ما عندها إليه، كشف الله للذين آمنوا عن هذه الدوافع لتبدو لهم عارية، وليعرفوا من أين تنبت النفوس؟ وما الذي يثيرها في القلوب؟ إنه الشيطان 154.
وتقوم الآيات بإجراء مقارنة بين وعدين، أحدهما صادر من الشيطان، والآخر من الله سبحانه، وكم بين الوعدين من الفرق {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .
فهذا البخل، واختيار الرديء للصدقة من الشيطان الذي يخوفكم الفقر، ويغريكم بالبخل، ويأمركم بالمعاصي، ومخالفة الله تعالى، والله سبحانه وتعالى يعدكم على إنفاقكم غفرانًا لذنوبكم، ورزقًا واسعًا، والله واسع الفضل، عليم بالأعمال والنيات.
ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فغناه وحمده يأبى قبول الرديء، فإن قبل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه؛ لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله 155.
والمقصود أن الآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يلتزموا في نفقتهم المال الطيب في كل وجه من وجوهه، بأن يكون جيدًا نفيسًا في صنفه، وحلالًا مشروعًا في أصله.
خامسًا: أن تطيب نفس المنفق بالنفقة:
ومن آداب الإنفاق أن تطيب نفس المنفق بالنفقة، قال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} [البقرة: 265] .
فمعنى: {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس، سخية به، لا على وجه التردد، وضعف النفس في إخراجها؛ وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان: إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم، وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين، فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتًا من أنفسهم 156.
فقوله تعالى: {وَتَثْبِيتًا} معطوفة على {ابْتِغَاءَ} ، وقوله تعالى: {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} {مِنْ} ابتدائية؛ يعني: تثبيتًا كائنًا في أنفسهم لم يحملهم عليه أحد، ومعنى يثبتونها: يجعلونها تثبت، وتطمئن، أي: لا تتردد في الإنفاق، ولا تشك في الثواب؛ وهذا يدل على أنهم ينفقون طيبة نفوسهم بالنفقة 157.
فالإنفاق على وجه التثبيت من النفس له فضل عند الله؛ لأنه يندفع بدافع نفسي، لا بتوصية من أحد أو نصيحة، بل هم على يقين بالثواب، وتصديق بوعد الله، ويعلمون أن ما أخرجوا خير لهم مما تركوا، والإنسان الذي لا يعمل إلا كارهًا فيه خصلة من خصال المنافقين، كما قال تعالى: {وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة: 54] .
وجاء في تفسير ابن عبد السلام في قوله: {قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] .
«أي: طيبةً بها نفسه، أو محتسبًا لها عند الله، وسمي حسنًا لصرفه في وجوه حسنة، أو لأنه لا من فيه ولا أذى، فيضاعف القرض الحسنة بعشر، أو الثواب تفضلًا بما لا نهاية له» 158.
وقال البقاعي في {قَرْضًا حَسَنًا} : «أي: طيبًا خالصًا فيه، متحريًا به أفضل الوجوه، طيبة به النفس، من غير من، ولا كدر بتسويف ونحوه» 159.
وقال ابن القيم: «وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسنًا؛ وذلك يجمع أمورًا ثلاثة، أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثه، الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله، ابتغاء مرضاة الله، الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذي، فالأول يتعلق بالمال، والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه وبين الآخذ» 160.