فهرس الكتاب

الصفحة 1671 من 2431

البركة

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل البرك صدر البعير وإن استعمل في غيره، ويقال له: بركة، وبرك البعير: يبرك بروكًا ألقى بركه، واعتبر منه معنى اللزوم، فقيل: ابتركوا في الحرب، أي: ثبتوا ولازموا موضع الحرب، وبراكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال، وابتركت الدابة: وقفت وقوفًا كالبروك، وسمي محبس الماء بركة 1، والباء والراء والكاف أصلٌ واحدٌ من برك، ويعني: ثبات الشيء، والبركة تعني الزيادة والنماء، والتبريك: أن تدعو بالبركة، والتبرك: طلب البركة من الزيادة في الخير والأجر، والبركة: السعادة 2.

ومن خلال ما سبق تبين أن البركة يتمركز معناها اللغوي حول الثبات، والزيادة والنماء، والسعادة.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: «البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء» 3.

وعرف الكفوي البركة بقوله: «النماء والزيادة، حسية كانت أو معنوية، وثبوت الخير الإلهي في الشيء وداومه» 4.

والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما؛ حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وهذا مرتبط بمعنى البركة في اللغة التي هي الثبوت والرسوخ والسعادة من جهة، والنماء والزيادة المرتبطة بقاعدة الاستقامة في الدين من جهة أخرى، والتي يترتب عليها سعادة في الدنيا، ووفرة ثواب في الآخرة.

وردت مادة (بر ك) في القرآن الكريم (32) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 17 ... {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا} [فصلت:10]

المصدر ... 3 ... {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:96]

اسم المفعول ... 12 ... {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} [الأنعام:92]

وجاءت البركة في القرآن بمعناها في اللغة وهو: ثبوت الخير الإلهي في الشيء 6.

الثبات:

الثبات لغة:

ثبت الشيء يثبت ثباتًا وثبوتًا فهو ثابتٌ، والثبات ضد الزوال 7.

الثبات اصطلاحًا:

التمكن في الموضع الذي شأنه الاستنزال 8.

الصلة بين البركة والثبات:

الثبات من الألفاظ المقاربة لمعاني البركة، ولكن البركة أعم وأشمل من الثبات، ويستعمل الثبات في الأجسام والأعراض 9.

الزيادة:

الزيادة لغة:

الزاء والياء والدال أصلٌ يدل على الفضل، يقولون: زاد الشيء يزيد، فهو زائدٌ 10.

الزيادة اصطلاحًا:

أن ينضم إلى ما عليه الشيء في نفسه شيء آخر، يقال: زدته فازداد 11.

الصلة بين البركة والزيادة:

البركة: هي الزيادة والنماء، ويوصف بها كل شيء لزمه وثبت فيه خير إلهي، والزيادة من معاني البركة، فإذن كل بركة زيادة، وليس كل زيادة بركة 12.

النماء:

النماء لغة:

النون والميم والحرف المعتل أصلٌ واحدٌ، يدل على ارتفاعٍ وزيادةٍ 13.

النماء اصطلاحًا:

لا يخرج عن المعنى اللغوي، فهو الزيادة سواء أكانت حقيقية أم تقديرية.

وقيل: «ازدياد حجم الجسم، بما ينضم إليه ويداخله في جميع الأقطار، بنسبة طبيعية» 14.

الصلة بين البركة والنماء:

نماء الشيء يفيد زيادة من نفسه، وقولك: زاد، لا يفيد ذلك، ألا ترى أنه يقال: زاد مال فلان بما ورثه عن والده، ولا يقال: نما ماله بما ورثه، والبركة تكون من الله وليس من غيره، فالبركة أعم وأشمل من النماء 15.

القحط:

القحط لغة:

(قحط) القاف والحاء والطاء أصلٌ صحيحٌ يدل على احتباس الخير، و (أقحط) القوم أصابهم القحط، و (القحط) الجدب 16.

القحط اصطلاحًا:

«انقطاع المطر» 17.

الصلة بين البركة والقحط:

البركة تعني ثبوت الخير الإلهي في الشيء 18، أما القحط فهو من الألفاظ المقابلة الذي يعني قلة الخير والجدب، وقلة الأمطار والريع في الزراعات، والربح في التجارات، ووقوع الموت في الناس والدواب، وكثرة الحرق، والغرق، ومحق البركات من كل شيء 19.

تنوعت الأساليب القرآنية في الحديث عن البركة، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: إسناد البركة إلى ذات الله تعالى وأسمائه:

من تأمل أساليب القرآن الكريم في تناول البركة لفظًا، وجد أنه سبحانه ذكرها مجموعة لا مفردة، وأنها جاءت مسندة إلى الله تعالى، أو إلى اسمه سبحانه مع شفع ذلك الوصف بأمور منها:

-أنه سبحانه رب العالمين.

قال عز من قائل: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ? أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ? تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف:54] .

-وأنه سبحانه منزل القرآن الكريم، ذلك الفرقان المعجز.

قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان:1] .

-وأنه سبحانه الذي أنعم علينا بالشمس والقمر؛ لأنه بيده ملكوت كل شيء.

قال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا) [الفرقان:61] .

وقال تعالى أيضًا: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?1?) [الملك:1] .

وقال أيضًا: (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?85?) [الزخرف:85] .

-وقد صورنا فأحسن صورنا، بعد أن جمعنا في بطون أمهاتنا، وركب فينا السمع والبصر والأفئدة.

قال تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14] .

وقال أيضًا: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَ?لِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًاے) [غافر: 64] .

-وأنه قادر سبحانه على أن يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم خيرًا مما طلبه الكفار على سبيل التحدي، فيجعل له في الدنيا حدائق كثيرة تتخللها الأنهار، ويجعل له قصورًا عظيمة.

قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10] .

هذا وقد أسندت البركة لاسمه تعالى فقال سبحانه: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 78] .

والآيات السابقة أتت بصيغة تفاعل من البركة التي يقول عنها علامة الزيتونة ابن عاشور -عليه سحائب الرضوان-: «وفعل تبارك في صورة اشتقاقه يؤذن بإظهار الوصف على صاحبه المتصف به مثل: تثاقل: أظهر الثقل في العمل، وتعالل، أي: أظهر العلة، وتعاظم: أظهر العظمة، وقد يستعمل بمعنى ظهور الفعل على المتصف به ظهورًا بينًا حتى كأن صاحبه يظهره.

ومنه: {تَعَالَى اللَّهُ} [النمل: 63] .أي: ظهر علوه، أي: شرفه على الموجودات كلها.

ومنه {تَبَارَكَ} أي: ظهرت بركته، والبركة: شدة الخير.

فبركة الله الموصوف بها هي مجده ونزاهته وقدسه، وذلك جامعٌ صفات الكمال، ومن ذلك أن له الخلق والأمر، واتباع اسم الجلالة بالوصف -كرب العالمين ونحوه- في معنى البيان لاستحقاقه البركة والمجد؛ لأنه مفيض خيرات الإيجاد والإمداد، ومدبر أحوال الموجودات، بوصف كونه رب أنواع المخلوقات» 20.

ثانيًا: وصف المقدسات بالبركة:

وصف القرآن الكريم عددًا من المقدسات بالبركة، ومن ذلك:

1.القرآن.

قال تعالى: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا) [الأنعام: 92] .

وقوله تعالى أيضًا: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?155?ہ) [الأنعام: 155] .

وقوله تعالى أيضًا: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص: 29] .

وقوله تعالى أيضًا: (وَهَ?ذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ? أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) [الأنبياء: 50] .

2.البيت الحرام.

قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) [آل عمران: 96] .

3.بلاد الشام.

قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف: 137] .

وقال تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ?71?) [الأنبياء: 71] .

أي: «ونجينا إبراهيم ولوطًا الذي آمن به من العراق، وأخرجناهما إلى أرض الشام التي باركنا فيها بكثرة الخيرات، وفيها أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» 21.

وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ? سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) [سبأ: 18] .

4.بيت المقدس.

قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ?81?) [الأنبياء: 81] .

5.حول المسجد الأقصى.

قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: 1] .

6.البقعة المباركة في سيناء.

قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] .

وصيغة {مُبَارَكًا} التي وردت في الآيات المذكورة: اسم مفعولٍ من بارك الشيء إذا جعل له بركةً، وهي زيادةٌ في الخير 22.

وسيتم الحديث عن هذه الآيات بما يتناسب مع ورودها في مواضعها اللاحقة من هذا البحث المبارك -إن شاء الله تعالى-.

ثالثًا: الدعاء للصالحين بالبركة عليهم وعلى ذرياتهم:

من المناسبات التي تحدث القرآن الكريم فيها عن البركة: الدعاء للصالحين بالبركة عليهم، وعلى ذرياتهم.

هذا ما جاء على لسان الخليل عليه السلام في قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 100 - 113] .

فقوله تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ} [الصافات: 113] .

معناه: أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا، وبأن أخرجنا أنبياء بني إسرائيل من صلبه 23.

والآيات تثبت مطلب الخليل عليه السلام وأنه طلب أن يهبه الله من الصالحين، فكان أن أعطاه الله الذرية الصالحة، ومن عين الصلاح: البركة في الذرية، وفي حديث أبي سعيدٍ الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك فكيف نصلي؟ قال: (قولوا: اللهم صل على محمدٍ عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) 24.

ويدخل في هذا المقام دعاء الصالحين لأنفسهم:

كدعاء نبي الله نوح عليه السلام؛ وذلك بتوجيه من الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29] .

أي: «أنزلني إنزالًا فيه خير ونماء وبركة، بأن يثبت الله تعالى قلوب الذين آمنوا على الحق، وقد رأوا بأعينهم عاقبة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومعاندة الحق، وقد بارك سبحانه من معه، فجعل منهم ذرية الخليقة، فكان بحق الأب الثاني للإنسانية، وقد أثنى على ربه بما هو حقه {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} أي: أنت الذي تنزل منازل أعلى ما يكون الإنزال المبارك ... ، ثم عقب ذلك بقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون: 30] .

وكانت الآية الأخيرة: أن الله تعالى أغرقهم، وقطع دابر الذين ظلموا، وفيه آية سامية في علوها وهي أن الزلفى عند الله بالحق والإيمان به، لا بالقرابة» 25.

ومما حمل على الدعاء مباركة موسى عليه السلام في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 7 - 8] .

فقد حمل أبو السعود قوله تعالى: {نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} على الدعاء، ونصه: « {أَنْ بُورِكَ} معناه أي: بورك على {أَنْ} مفسرة لما في النداء من معنى القول أو بـ {أَنْ بُورِكَ} على أنها مصدرية حذف عنها الجار جريًا على القاعدة المستمرة -نزع الخافض- وقيل: مخففةٌ من الثقيلة، ولا ضير في فقدان التعويض بـ (لا أوقد) أو السين أو سوف لما أن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام» 26.

وحمل هذه الآية على الدعاء أيضًا الطاهر ابن عاشور ونصه: «وقيل: إن قوله: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} إنشاء تحيةٍ من الله تعالى إلى موسى عليه السلام كما كانت تحية الملائكة لإبراهيم: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73] .

أي: أهل هذا البيت الذي نحن فيه» 27.

والمراد بالبركة في الآية الكريمة: النماء والزيادة والخير لكليم الله تعالى موسى عليه السلام لذاته؛ ولملابسة المكان بالملائكة الأطهار، ولطهر البقعة المقدسة التي كانت مكان تكليم موسى عليه السلام، كما صرح سبحانه بذلك في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] .

ومما يدخل في الدعاء بالبركة قوله تعالى: {قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 72 ـ 73] .

والمراد بالرحمة والبركة هنا: الرحمة التي وسعت كل شيء، واستتبعت كل خير، والبركة: الخيرات النامية المتكاثرة في كل بابٍ التي من جملتها هبة الأولاد، وقيل: الرحمة: النبوة، والبركات: الأسباط من بني إسرائيل؛ لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأهل البيت هنا هم أهل بيت خليل الرحمن -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-28.

وما سبق من الآيات يبرهن على أن الدعاء والتضرع إلى الله، واستحضار خفض الجناح لله عز وجل من أبرز أسباب استحضار البركة، والدعاء هو العبادة ومخها وخالصها، والمسلم إذا سأل فإنه يسأل الله، فهو وحده الذي عنده خيري الدنيا والآخرة، وهو سبحانه وحده من يمد بهما من يشاء {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] .

رابعًا: وصف النعم وأسباب السعادة بالبركة:

مما لا يرتاب فيه عاقل أن الله تعالى بارك نعمه كلها على اعتبار صدورها منه سبحانه، وهو عز وجل واهب البركة ومصدرها في السماوات والأرض، لكن هذه البركة بدت لمن أخذ بأسبابها، وعزت على من تنكب طريق الوهاب سبحانه، كما أن الله تعالى أفرد بعض النعم بصريح البركة ليوقظ إحساس العبد تجاه ما لم يشعر به تبلدًا منه أو تلهيًا عنه سبحانه، وهذه النعم التي لفت أنظارنا إليها لنتفكرها، ونتدبر حكمتها منها ما هو حسي، ومنها ما هو معنوي.

فمن النعم الحسية التي وصفها الله تعالى بالبركة:

1.الماء النازل والمستقر.

قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ?9?) [ق: 9] .

وقد حفل القرآن الكريم بذكر بركات الماء المتمثلة في:

قال تعالى: (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [البقرة:164] .

قال تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ?) [البقرة: 22] .

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) [الأنعام: 99] .

قال تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ) [إبراهيم:32] .

قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ? أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30] .

وقال أيضًا: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ?) [النور:45] .

قال عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [المائدة 6:] .

وكما حدث يوم بدر: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى? قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ?11?) [الأنفال:11] .

قال تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر:22] .

قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ? وَإِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون:18] .

كما حدث مع قوم نوح وموسى عليهما السلام من إغراق.

قال تعالى: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ) [الفرقان: 37] .

وفي قوم موسى عليه السلام قال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) [البقرة:50] .

وقد حدث ذلك أيضًا مع أهل سبأ، فقال تعالى: (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) [سبأ:16] .

يقول الفخر فيما يخص بركة المطر: «وصف الله تعالى المطر بالبركة ... ، لما فيه من المنافع» 29 ولنا أن نذهب النفس كل مذهب في منافع المطر التي تمت معرفتها، وما سيكتشفه العلم منها إلى قيام الساعة، وأنه بركة من بركات السماء على أهل الأرض يجب على المسلمين اكتنازها وادخارها لوقت الحاجة إليها.

2.شجرة الزيتون.

قال تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ? الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ? الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ? نُورٌ عَلَى? نُورٍ ? يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?35?) [النور:35] .

وهي الشجرة التي تخرج من طور سيناء، قال تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ) [المؤمنون:20] .

وهي التي أقسم الله بها في سورة التين، فقال تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ?1?وَطُورِ سِينِينَ ?2?وَهَ?ذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ?3?لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ?4?) [التين:1 - 4] .

يقول الفخر: «وصف الله تعالى شجرة الزيتون بالبركة لكثرة منافعها» 30.

فهي شجرة تشرب الماء وتخرج الزيت، جعل الله عز وجل في هذه الشجرة أدمًا ودهنًا، وهي صبغٍ للآكلين.

3.ليلة القدر، ليلة إنزال القرآن الكريم.

قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر:1] .

وهي الليلة المباركة التي أخبر الله عنها في قوله تعالى: (حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ? إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ) [الدخان:1 - 3] .

«ووصفها بالبركة لما أن نزول القرآن مستتبعٌ للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل الأقضية، وفضيلة العبادة، وإعطاء تمام الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم» 31.

والمقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريفٌ آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره، تنبيهًا على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتًا شريفًا مباركًا؛ لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه أفضل الأوقات والأمكنة، فاختيار أفضل الأوقات لابتداء إنزاله ينبئ عن علو قدره عند الله تعالى كقوله: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة (79) ] 32.

وسمى ليلة القدر مباركةً إذ القرآن ذكرٌ مباركٌ، أنزله ملكٌ مباركٌ، في ليلةٍ مباركةٍ، على نبي مبارك، لأمة مباركة 33.

قال تعالى: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا ? وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ? وَهُمْ عَلَى? صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ(92 ) ) [الأنعام:92] .

وبركة هذه النعمة لا يستطيع أحد مهما أوتي من علم أن يحدها بحد، أو يحصرها بحصر، بل يعجز الإنسان عن بيان نعمة القرآن على الكون وما حواه من منافع دنيوية أو أخروية، وصدق الله العظيم: (إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء:9] .

يقول الشيخ الشنقيطي: «وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدى إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة» 34.

من النعم المعنوية الموصوفة في القرآن الكريم بالبركة تحية الإسلام السلام عليكم؛ لقوله سبحانه: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [النور:61] .

سمى الله تعالى السلام تحية من عنده سبحانه، وهذه التحية من جوامع الكلم؛ لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل بتأمينه إن كان لا يعرفه وباللطف له إن كان معروفًا ... ، والمباركة أي: المجعولة فيها البركة، والبركة: وفرة الخير، وإنما كانت هذه التحية مباركةً لما فيها من نية المسالمة، وحسن اللقاء والمخالطة؛ وذلك يوفر خير الأخوة الإسلامية، والطيبة: ذات الطيب، وهو بمعنى النزاهة والقبول في نفوس الناس، ووجه طيب التحية أنها دعاءٌ بالسلامة، وإيذانٌ بالمسالمة والمصافاة 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت