فهرس الكتاب

الصفحة 1051 من 2431

الجبال

أولًا: المعنى اللغوي:

«الجيم والباء واللّام أصلٌ يطّرد ويقاس، وهو تجمّع الشّيء في ارتفاعٍ؛ فالجبل معروفٌ، والجبل: الجماعة العظيمة الكثيرة، قال 1:

أمّا قريشٌ فإن تلقّاهم أبدًا إلّا وهم خير من يحفى وينتعل

إلّا وهم جبل اللّه الّذي قصرت عنه الجبال فما ساوى به جبل» 2.

وعلى هذا فإن الجبل يعني في اللغة: المرتفع من الأرض ارتفاعًا ملحوظًا يجعله يعظم ويطول على ما حوله من الأرض، فإن انفرد فأكمةٌ أو قنّةٌ، ودونه في الارتفاع التل، ودون التل الربوة أو الرابية، أو النتوء الأرضي، أو الأكمة وجمعها آكام، ودون الأكمة النجد أو الهضبة، ودون الهضبة السهل، ودون السهل المنخفض من تضاريس الأرض.

والجمع: أجبلٌ كأفلسٍ، وجبالٌ بالكسر، وأجبالٌ، والثّاني في القرآن كثيرٌ 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

«الجبل» في الاصطلاح: هو كلّ وتدٍ للأرض، عظم وطال، وقيل: هو منطقة من الأرض ترتفع بشكل مفاجئ عما حولها.

و «السلاسل الجبلية» هي مجموعة كبيرة من الجبال تمتد لآلاف الكيلو مترات وتشكل ما يشبه الأحزمة، مثل سلسلة جبال الهملايا شمال الصين، وسلسلة جبال الألب في قلب أوربا.

وبالنظر إلى هذه التعريفات يتبين أن مصطلح الجبال حمّال لجميع مدلولاتها، وبالتالي فإن هذه الدراسة القرآنية ستركّز على بيان هذه المدلولات، واستخراج ما فيها من نتائج دعوية.

وردت مادة (جبل) في القرآن (41) مرة، والذي يخص موضوع البحث منها (39) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

اسم مفرد ... 6 ... {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف:171]

اسم جمع ... 33 ... {وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74]

وجاءت (الجبال) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو تجمّع الشيء في ارتفاع، فالجبل معروف 5، وهو: ما علا من سطح الأرض واستطال وجاوز التل ارتفاعًا 6.

قال الله تعالى: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37] ، يعني: ولن تساوي الجبال طولًا بفخرك وكبرك 7.

الأوتاد:

الأوتاد لغةً:

ما نزل في الأرض، وأوتاد الأرض الجبال، وأوتاد البلاد رؤساؤها 8.

الأوتاد اصطلاحًا:

ما يثبّت به الجبل في الأرض.

الصلة بين الأوتاد والجبال:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للأوتاد تبين أن الجبال أعم وأشمل منه؛ إذ إن الأوتاد يعني ما يثبّت به الجبل، والجبل يشمله، ويشمل ما فوقه من مرتفع.

العلم:

العلم لغةً:

اسم يطلق على العلامة، والأثر، والجبل، والراية 9.

العلم اصطلاحًا:

الجبل المرتفع الذي تعرف من خلاله الطريق، فهو كالبرق في لمعانه، واهتداء الناس من خلاله في سيرهم.

الصلة بين العلم والجبال:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للعلم تبين أن الجبل أعم منه وأشمل؛ إذ إن العلم يعني ما زاد ارتفاعه بحيث يكون دالًّا على الطريق، والجبل يعني: كل ما ارتفع من الأرض، وكان ثابتًا بوتد.

السهل:

السهل لغةً:

هو «كل شيء يميل إلى اللين وقلة الخشونة» 10.

السهل اصطلاحًا:

«أرض منبسطة لا تبلغ الهضبة» 11.

الصلة بين السهل والجبل:

السهل هو الأرض المنبسطة التي هي غير مرتفعة أبدًا، وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى وتد وما شابه، كما أن مناخه وطبيعة منافعه تختلف عمّا يرتفع على الأرض، وأما الجبل فإنه يحتاج إلى وتدٍ إضافة إلى خاصية منافعه، إضافة إلى أن كليهما دالٌّ على قدرة الله تعالى وعظمته.

الرّابية:

الرّابية لغةً:

وهي «ما ارتفع من الأرض» 12.

الرّابية اصطلاحًا:

كل شيء ارتفع عن الأرض، سواء أكان جبلًا، أم غير ذلك.

الصلة بين الرابية والجبل:

الرابية أعمّ وأشمل من الجبل، من كون الرابية تعني كل ما ارتفع عن الأرض، وهي بذلك تعني الجبل والهضبة والتل وغير ذلك؛ غير أن الجبل أوضح دلالة، وأعظم اعتبارًا في المدلول الدعوي.

الوادي:

الوادي لغةً:

هو ما كان في المنخفض من الأرض، وجمعه أودية 13.

الوادي اصطلاحًا:

هو سيل الماء الواقع في منخفض بين جبلين.

الصلة بين الوادي والجبل:

الوادي منخفض عن سطح الأرض، والجبل مرتفع مثبّت بوتد.

اقترن ذكر الجبال بالأرض في القرآن؛ وذلك لعلاقتهما اللازمة؛ حيث حاجة الأرض إلى التثبيت وعدم الاضطراب، وسوف نوضح ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الجبال وخلق الأرض:

هناك مجموعة من الآيات تتحدث عن عملية تكوين الجبال وأصل نشأتها.

يقول تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [ق: 7] .

ويقول تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر: 19] .

ويقول تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [لقمان: 10] .

وقوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ} [النحل: 15 - 16] .

قال الطاهر ابن عاشور في تفسير هذه الآية: «انتقال إلى الاستدلال والامتنان بما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف بالإنسان، وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض وموضوعة على ظاهر سطحها عبّر عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض؛ ولعل خلقها كان متأخرًا عن خلق الأرض؛ إذ لعل الجبال انبثقت باضطرابات أرضية كالزلزال العظيم، ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار، وأما السّبل والعلامات فتأخّر وجودها ظاهر، فصار خلق هذه الأربعة شبيهًا بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه.

ولعل أصل تكوين الجبال كان من شظايا رمت بها الكواكب فصادفت سطح الأرض، كما أن الأمطار تهاطلت فكوّنت الأنهار، فيكون تشبيه حصول هذين بالإلقاء بيّنًا، وإطلاقه على وضع السّبل والعلامات تغليب، ومن إطلاق الإلقاء على الإعطاء، ورواسي جمع راسٍ، وهو الثبات والتمكن في المكان.

قال تعالى: {وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] .

ويطلق على الجبل رأس بمنزلة الوصف الغالب.

وقوله تعالى: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] .

تعليلٌ لإلقاء الرواسي في الأرض، والميد: الاضطراب، وضمير تميد عائد إلى الأرض بقرينة قرنه بقوله تعالى: {بِكُمْ} ؛ لأن الميد إذا عدي بالباء علم أن المجرور بالباء هو الشيء المستقر في الظرف المائد، والاضطراب يعطّل مصالح الناس، ويلحق بهم آلامًا.

ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعه.

ولعل الله جعل نتوء الجبال على سطح الأرض معدلًا لكرويتها، بحيث لا تكون بحدٍّ من الملاسة يخفّف حركتها في الفضاء تخفيفًا يوجب شدة اضطرابها» 14.

ثانيًا: الجبال والتوازن:

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

قال ابن كثير: « {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ} أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون؛ ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح من كل زوجين اثنين، أي: من كل شكل صنفان.

{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} أي: جعل كلًّا منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضًا في الزمان، كما يتصرف في المكان والسكان، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: في آلاء الله وحكمه ودلائله» 15.

والنظرة العلمية: في طيات هذه الآية الكريمة ثلاث حقائق أيّدها العلم بدلائل قوية، وهي:

أولًا: أن الله مدّ الأرض، وجعل فيها رواسي، ومدّ الأرض، أي: بسطها أينما سار الإنسان عليها.

ثانيًا: أنه سبحانه جعل في الأرض رواسي، أي: جبالًا لتحفظ التوازن اللازم للكرة الأرضية التي تتكون من منخفضات عميقة في البحار والمحيطات ومرتفعات شامخة من الجبال والهضاب، وأنه لابد في هذه الحالة من استقرار للأرض، واتزان لانتظام حركتها مع ثباتها.

ثالثًا: أنه سبحانه جعل من كل الثمرات زوجين اثنين، أي: جعل في الأشجار التي تحمل الثمار نوعي الذكر والأنثى حتى يتم تلقيح الأعضاء الأنثية بطريق حبوب اللقاح الموجودة بالأعضاء الذكرية، وبذلك تتوالد الأنواع وتتكاثر 16.

وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6 - 7] .

قال ابن كثير: « {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} أي: جعلها لها أوتادًا أرساها بها، وثبّتها وقرّرها حتّى سكنت، ولم تضطرب بمن عليها» 17.

والنظرة العلمية: تمكّن الإنسان بوسائله العلمية المختلفة أن يثبت أن الجزء الصلب من القشرة الأرضية يبلغ سمكه (60) كيلومترًا، وأن بعض هذه القشرة يرتفع مكوّنًا الجبال وينخفض بعضها؛ ليكون قيعان البحار والمحيطات، وأن وجود الجبال على سطح الكرة الأرضية موزعة بدقة وحكمة يساعد على التوازن بين المرتفعات والمنخفضات، بحيث لا تميد الأرض ولا تضطرب، فكأن هذه الجبال تعمل عمل الأوتاد التي تحفظ توازن الخيمة واستقرارها.

وهناك حقيقة علمية أخرى وصل إليها البحث العلمي في توزيع الجبال واليابس والماء على سطح الأرض بنسب أحجامها الحالية، علاوة على التوازن بحيث لا تميد الأرض ولا تحيد عن موضعها، وهي أنه لو كانت الأرض بحجمها الحالي مكوّنة من الماء بنسبة أكبر لبلغ وزنها أقل مما هي عليه الآن؛ ولما تمكّنت من حفظ نسبة بعدها عن الشمس، بل لانجذبت إليها واحترقت، ولو كان أكثرها مكوّنًا من اليابس لزاد وزنها عما هي عليه الآن؛ ولبعدت عن الشمس البعد الذي لا تتحقق معه الحياة؛ لأنها في هذه الحالة تتجمد من شدة البرودة 18.

ثالثًا: الجبال والأنهار:

فضلًا عما تحتويه المناطق الجبلية من قدر كبير من التنوع الإحيائي العالمي، فإنها تقوم بوظيفة أخرى هامة جدًّا؛ إذ تعتبر مستجمعات لمعظم الموارد المائية في العالم، فهناك مجموعة من الآيات تصف الارتباط والعلاقة بين الجبال والماء والأنهار.

قال الرازي: من الاستدلال بأحوال الجبال أنّ بسببها تتولّد الأنهار على وجه الأرض؛ وذلك أنّ الحجر جسمٌ صلبٌ فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل احتبست هناك، فلا تزال تتكامل، فيحصل تحت الجبل مياهٌ عظيمةٌ، ثمّ إنّها لكثرتها وقوّتها تثقب وتخرج وتسيل على وجه الأرض، فمنفعة الجبال في تولّد الأنهار هو من هذا الوجه؛ ولهذا السّبب ففي أكثر الأمر أينما ذكر اللّه الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل ما في هذه الآية، أي: قوله: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

ومثل قوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27] 19.

وقال أبو حيان: «ومن جهة تولّد الأنهار منها، قيل: وذلك لأنّ الجبل جسمٌ صلبٌ، ويتصاعد بخاره من قعر الأرض إليه ويحتبس هناك، فلا يزال يتكامل فيه فيحصل بسببه مياهٌ كثيرةٌ، فلقوّتها تشقّ وتخرج وتسيل على وجه الأرض، ولهذا في أكثر الأمر إذا ذكر الله تعالى الجبال ذكر الأنهار كهذه الآية: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

وكقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27] .

{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا} [النحل: 15] .

فقال المفسّرون: الأنهار المياه الجارية في الأرض، وقال الكرمانيّ: مسيل الماء» 20.

وقال النيسابوري: «من الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك إنما يتكوّن في الجبال؛ فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيرًا؛ كقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} [المرسلات: 27] » 21.

رابعًا: ألوان الجبال:

ورد اختلاف الألوان الجبال في آية كريمة تحدثت عن ألوان صخور الجبال، وأثر الماء في تعدد هذه الألوان وعلاقته به، وهي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] .

وقد يعجب الإنسان من علاقة إنزال الماء من السماء باختلاف ألوان الجبال، ففي بحثٍ مطوّلٍ ومعقّدٍ جدًّا ملخّصه أنّ الماء هذا العنصر الحيويّ، والذي يعدّ من أعلى العناصر المذيبة والفعّالة، تبيّن أنه هو العامل الحاسم في تلوين الجبال، التي تأخذ ألوانها من ألوان معادنها التي تشترك في بنيتها، والمعادن تتلوّن بقدر أكسدتها، حيث إنّ الماء له علاقةٌ بهذه الأكسدة؛ لذلك تجد أنّ أحد عوامل تلوينها واختلاف ألوانها من جبالٍ كالغرابيب السود، وجبالٍ جددٍ بيضٍ، وحمرٍ مختلفٍ ألوانها يعود إلى الماء؛ لذلك قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] .

فكل ما تقدّم العلم كشف عن جانب من إعجاز القرآن الكريم العلميّ من أجل أن نعلم علم اليقين أنّ الذي أنزل هذا القرآن هو الذي خلق الأكوان، وأنّ هذا التوافق بين معطيات العلم ومعطيات الوحي هو منطقيٌّ إلى درجةٍ قطعيةٍ؛ لأنّ الوحي كلام الله؛ ولأنّ الكون خلق الله، واتّحاد المصدر يعني اتّحاد الفروع، فلابدّ من تطابق العلم الحقيقيّ مع النقل الصحيح ... ، فلابد أن نعلم علم اليقين أنّ الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] . وهنا عطفٌ.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] .

فقوله تبارك وتعالى: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} أي: وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضًا من بيضٍ وحمرٍ، وفي بعضها طرائق، وهي الجدد، جمع جدّة، مختلفة الألوان أيضًا، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: الجدد: الطرائق 22. والغرابيب: الجبال الطوال السود.

وقال ابن جريرٍ: «والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا: أسود غربيب، إذا وصفوه بشدّة السّواد، وجعل السّواد ها هنا صفةً للغرابيب» 23.

فما أعظم كمال وقدرة المولى سبحانه وتعالى في وصف بديع خلقه، فقد خلق الله الجبال مختلفة الألوان من بيضٍ وحمرٍ وأسود غرابيب أي: شديد السواد، فوضع لنا القرآن بإعجازه العلمي سرًّا من أسرار علوم الجيولوجيا، وأطلعنا على أنواع الجبال، ومهّد لنا مجال البحث في هذا العلم، حيث يقوم علماء الجيولوجيا بتصنيف الجبال تبعًا للصخور التي تغلب على تركيبها إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

1.جبال رسوبية طبقية.

وهي المشار إليها في الآية بـ {جُدَدٌ بِيضٌ} [فاطر: 27] .

فـ «الجدد البيض» هي صفة للجبال الرسوبية التي تكونت بفعل ترسيب الطبقات.

فمن المعاني اللفظية لكلمة {جُدَدٌ} الوارد ذكرها في الآية الكريمة معنى الشيء المتجدد، ويستدل العلماء على هذا الرأي بأن جبال الجليد الهائلة المتجمدة منذ ملايين السنيين تشكّل 90? من الماء المخزون في كوكب الأرض.

وأيضًا «الجدد» بمعنى الغنى، ويفسّر العلماء هذا بأن جبال المعادن النفيسة والرخام والأحجار الكريمة ذات الألوان المختلفة تعدّ من مصادر الثروة للبشر.

ويقول علماء الجيولوجيا: إنها تتجدد ببطء مع مرور الزمن على الرغم مما يؤخذ منها عن طريق العوامل الطبيعية، أو ما تأخذه أيدي الإنسان، فكلما استنزفت قمم هذه الجبال ترتفع جذورها من الأعماق فتعوّض، أي: تجدد ما استنزف منها، وهي (بيض) ؛ لأن اللون الغالب على هذه الجبال هو الأبيض حيث أن صخورها تنتمي إلى عائلة الصخور الجرانيتية التي تتكون أساسًا من معادن المرو الأبيض اللون، ومعادن أخرى مختلفة في ألوانها ودرجاتها مثل الفلسبار البوتاسي المقارب إلى اللون الأحمر، والبايوتايت الذي يتراوح بين الأصفر والبني المائل إلى الحمرة والعسلي؛ لذا نجد اختلاف الألوان ودرجاتها في الجبل.

2.جبال قاعدية متبلورة.

وهي المشار إليها في الآية بـ {وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا} [فاطر: 27] .

ويفسّر العلماء اللون الأحمر لهذه الجبال التي ورد ذكرها في الآية الكريمة نتيجة لشيوع عنصر الحديد فيها، وهو الذي يتأكسد فيظهر الصخر بلون أحمر، ويصاحب الحديد معادن أخرى كالنحاس والرصاص، وتختلف نسبة وجود هذه المعادن؛ لذلك يظهر اللون الأحمر بدرجات متفاوتة.

3.جبال بركانية نارية.

وهي المشار إليها في الآية بـ {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} [فاطر: 27] .

و «الغرابيب السود» هي الجبال النارية البركانية غير المتبلورة، حيث يشيع اللون الأسود عليها؛ لأن البازلت وهو صخر ناري أسود اللون يغلب على تكوين هذه الجبال ويتكون بفعل تجمد الأفا.

وهي المادة المنصهرة التي تخرج من فواهات البراكين، ربط الله سبحانه وتعالى بين اختلاف ألوان الثمار واختلاف ألوان الجبال في الآية الكريمة، ورغم غرابة هذا الارتباط إلا أنه يبدو طبيعيًّا من جانب الدراسة العلمية للألوان، فسبحان الله الذي أبدع كل شيء بكلمات موجزة معبّرة عن المعجزات خلق الله، وصف الله الجبال بمعنى آخر هو: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6 - 7] 24.

وقال تعالى أيضًا عن نزول الأمطار: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43] .

قال أبو السعود: « {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ} من الغمام، فإن كلّ ما علاك سماءٌ {مِنْ جِبَالٍ فِيهَا} أي: من قطعٍ عظامٍ تشبه الجبال في العظم كائنة فيها، وقوله تعالى: {مِنْ بَرَدٍ} مفعول ينزل، على أنّ {مِنْ} تبعيضيّةٌ، والأوليان لابتداء الغاية على أنّ الثّانية بدل اشتمالٍ من الأولى بإعادة الجار أن ينزل مبتدئًا من السماء من جبال فيها بعض برد» 25.

وقال الشوكاني والبيضاوي بمثل ما قال أبو السعود إلا أنهما اعتبرا {مِنْ} الثالثة بيانية، فقال: {مِنْ بَرَدٍ} بيان للجبال والمفعول محذوف؛ أي: ينزل مبتدئًا من السماء من جبال فيها من برد 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت