فهرس الكتاب

الصفحة 1554 من 2431

ومرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة، فالعدل هنا كلمة مجملة جامعة، وهي بإجمالها مناسبة إلى أحوال المسلمين حين كانوا بمكة، فيصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، فحقوق المسلمين بعضهم على بعض من الأخوة والتناصح، قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية 52.

فنهاهم أولًا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا، ثم استأنف، فذكر لهم وجه الأمر بالعدل، وهو قوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها، أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفًا فيها. وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله، إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين، الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟ 53.

5.العدل صفة الأنبياء والمرسلين.

قال تعالى: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] .

أمر الله نبيه أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة، وأن يعدل بين الناس كلهم، فيعطي كل ذي حق حقه، ويمنع كل مبطل عن باطله؛ فإن القسط والعدل في جميع أمور الدين والدنيا فيما جاء به، وهو المقصود بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] 54.

هذا ولو نظرنا إلى القوانين التي تحكم حياة الناس لوجدنا أن (أعلى القوانين هي الشرائع الإلهية، لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعة الإسلام، لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالة، فإنها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصة، أو بلد خاص، بل تبنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدونون بيان الحقوق؛ حفظًا للعدل بقدر الإمكان وخاصة الشرائع الإلهية، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25] . أي: العدل.

فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية، ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة، فهو مدرج فيها وملحق بها 55.

ثالثًا: الشورى:

الشورى من أسمى مبادئ الإسلام، حيث أمر به القرآن والسنة، وذلك نظرًا لما يحققه من عدالة وتوازن في أمور الحكم والسياسة وغيرهما، وقد عرفها الراغب الأصفهاني بأنها: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض 56.

وقال ابن العربي أنها: الاجتماع على أمرٍ ليستشير كل واحد منهم صاحبه، ويستخرج ما عنده 57.

وعرفها بعض المعاصرين بأنها: تبادل الآراء في أمر من الأمور لمعرفة أصوبها وأصلحها، لأجل اعتماده والعمل به 58.

والمشترك في هذه التعريفات وغيرها، هو دورانها حول معنى تقليب وجهة النظر واستنباط الرأي لتحقيق غايات نافعة للأمة.

وخلاصة القول: إنها استطلاع للرأي من أهل الخبرة فيه، بهدف الوصول لأقرب الأمور للحق.

والشورى مشروعة في الشريعة الإسلامية على جهة الإجمال، في حق الحاكم، وفي حق عامة المسلمين، وهي أصل من أصول الحكم في الشريعة الإسلامية، وركن هام من أركان قيام الدولة الإسلامية، حيث اتفق العلماء على مشروعيتها، استنادًا إلى الأدلة القرآنية، وأدلة السنة النبوية القولية والفعلية، الدالة على مشروعيتها والدائرة بين الوجوب والاستحباب.

وأهم ما يجب على الإمام المشاورة في كل مالا نص فيه عن الله ورسوله، ولا إجماعًا صحيحًا يحتج به، أو ما فيه نص اجتهادي غير قطعي، ولا سيما أمور السياسة والحرب المبنية على أساس المصلحة العامة، وكذا طرق تنفيذ النصوص في هذه الأمور، إذ هي تختلف باختلاف الزمان والمكان. فهو ليس حاكمًا مطلقًا كما يتوهم الكثيرون، بل مقيد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة وبالمشاورة.

ولو لم يرد في الشورى إلا وصف للمؤمنين بقوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .

وقوله لرسوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] لكفى، فكيف وقد ثبتت في الأخبار والآثار قولًا وعملًا 59.

قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه 60.

وفي قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] .

قال القرطبي في هذه الآية: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريجٍ بليغٍ؛ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة؛ فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضًا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلًا للاستشارة في الأمور 61.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38] .

والمشاورة هنا في شؤون الأمة ومصالحها، وقد ذكرها الله تعالى في معرض المدح والثناء، واشترطها في أمر العائلة فقال: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233] .

فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلها: وهي مصالح العائلة، ومصالح القبيلة أو البلد، ومصالح الأمة. وتدل هذه الآية على جلالة موقع المشورة، لذكرها مع الإيمان وإقامة الصلاة، كما تدل على أننا مأمورون بها 62.

والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل: 32] .

لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها أنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها، لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم، كان ذلك عونًا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم 63.

وهذه الآية مكية، وقد نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظامًا سياسيًا للدولة، فهو طابع أساسي للأمة كلها 64.

أسباب الشورى:

يمكن إجمال أسباب الشورى ودوافعها في ما يلي:

1.تطبيق الشورى امتثالا لأمر الله عز وجل.

2.تطبيق الشورى تحقيقا لمصلحة الأمة الإسلامية.

3.تطبيق الشورى للتقريب بينه وبين الصحابة الأجلاء.

4.تطبيق الشورى للكشف عن رجاحة عقل صحابته الأجلاء وإبداء محاسنهم.

5.تطبيق الشورى بهدف تأليف القلوب وغرس الاقتداء في نفوس أتباعه.

6.تطبيق الشورى لاستخراج خبرات الغير في الوقائع المختلفة والاستفادة منها.

وأشير هنا إلى مسألتين من أهم مسائل الشورى بإيجاز:

1.حكم الشورى في حق الحاكم.

اختلف العلماء في حكم الشورى في حق الحاكم، هل هي واجبة عليه أم سنة؟ على قولين:

القول الأول: أن الشورى في حق الحاكم واجبة عليه وجوبًا عينيًا، وقد كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من استغنائه عنها بالوحي.

وهو قول جمهور الفقهاء والأصوليين والمفسرين وغيرهم، ونصوصهم وافرة في هذا الصدد 65.

القول الثاني: أن الشورى في حق النبي فقط صلى الله عليه وسلم واجبة دون غيره من الحكام.

وهو مروي عن الحسن البصري وسفيان الثوري، وعللا ذلك بأنه إنما أمر بها ليقتدي به غيره وتشيع في أمته، وذلك فيما لا وحي فيه 66.

2.حكم الشورى في حق عامة الناس.

لا تخلو أمور الناس من أن تكون أمورًا ذات أهمية كبيرة، أو أمورًا دونها في الأهمية، وعلى كلٍ فقد ذكر الإمام النووي أن التشاور في الامور المهمة مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء 67.

وتختلف أمور الناس حسب درجاتها وأهميتها من شخص لآخر، فقد يستشير المرء في أمور الزواج من حيث الإقدام على التزوج بامرأة معينة، أو تزويج ابنته لشخص معين، ومن ذلك الاستشارة في الإقدام على بعض الأعمال والوظائف، والتجارات ونحوها من أمور الناس.

وهنا يفرق بين أمرين: أولهما: أن طلب المشورة من الغير مستحبة، والثاني: أن تقديم المشورة ممن طلبت منه واجبة، وذلك في تقديري جريًا على أن إلقاء السلام على الغير سنة، ورده فرض، وجريًا على استحباب طلب النصيحة من الغير، ووجوب تقديمها ممن طلبت منه.

ويؤيد هذا ما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا قال: (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه) 68.

رابعًا: الأمانة:

عن أبي هريرة قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ يحدث القوم، جاءه أعرابيٌ فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال:(فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) 69.

قال ابن الجوزي: « (إذا وسد الأمر إلى غير أهله) أي: أسندت الولاية والإمارة» 70.

فيجب على الإمام من النصح لرعيته كالذي يجب عليهم له، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راعٍ فمسئولٌ عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راعٍ وهو مسئولٌ عنهم) 71.

وعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة) 72.

ولا شك أن أمانة الحكم والسياسة من أعظم الأمانات وأهمها، لتعلقها بقيام الدين، وتحكيم شرع الله تعالى وتنفيذه وحراسته، ورفع المظالم ورد الحقوق.

قال تعالى: ( ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 58] .

وقد جمع لفظ الأمانة ليعم به كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه 73. باعتبار تعدد أنواعها وتعدد القائمين بالحفظ تنصيصا على العموم 74.

والأمانة: هي الشيء المؤتمن عليه، ومراعاتها القيام عليها لحفظها إلى أن تؤدى. والأمانة أيضًا المصدر، والمؤدى هو العين المؤتمن عليه، أو القول إن كان المؤتمن عليه لا المصدر 75.

«والأداء: الدفع والتوفية، ورد الشيء أو رد مثله فيما لا تقصد أعيانه، ومنه أداء الأمانة وأداء الدين، أي: عدم جحده» 76.

والأمانات يدخل فيها أشياء كثيرة، من أجلها: الولايات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، الدينية والدنيوية. فقد أمر الله أن تؤدى الأمانات إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكفاء لها، وكل ولاية لها أكفاء مخصوصون. فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإن صلاح الأمور بصلاح المتولين والرؤساء فيها، والمدبرين لها والعاملين عليها، فيجب تولية الأمثل فالأمثل: (ے ے ? ? ? ?) [القصص: 26] .

فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة وضده بضده 77.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 72] .

«ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء، والإشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت، أي: خافت» 78.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ) [الأعراف: 68] .

فالنصح والأمانة متلازمان، والنصح دليل على الأمانة، ولذلك قرنا في أكثر من موضع، منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 11] 79.

خامسًا: الحرية:

الحرية في نظر الإسلام ضرورة من الضرورات الإنسانية، وتكليف شرعي واجب، سواء كانت هذه الحرية متعلقة برق العبودية، أو الاعتقاد والدين، أو غير ذلك. وهذا المبدأ الإسلامي ظاهر في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إلا أن الإسلام قد وضع له ضوابطَ وشروطًا.

والناظر في مفهوم الحرية في الإسلام يجد له وضوحًا وتكاملًا وسماحة، لا تصل إليها مفاهيم الفلسفات التي تصدت للحرية، فالحرية في الإسلام هي: التحرر من قيود الوثنية، واستعباد الإنسان للإنسان، وحرية الكلمة، وحرية الضمير، وهو ما جمعته هذه الآية من القرآن: (? ? ? ) فهي حرية الاعتقاد والقول والتفكير. وكما دعا الإسلام إلى تحرير الفكر دعا إلى تحرير الجسم، وذلك بمحاربة الرق 80.

والإسلام قد ضمن جميع الحريات للإنسان، ففي بقاء اليهود في الدولة الإسلامية إقرار لمبدأ حرية الاعتقاد والدين. والنبي صلى الله عليه وسلم قد جاور اليهود في المدينة وساكنهم وخالطهم وعاملهم، والأدلة على ذلك كثيرة.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 5] دليل على جواز نكاح الكتابية بالشروط المعتبرة، فإن ذلك يتضمن إقرارًا لمبدأ الحرية الدينية.

والإسلام لا يكره أحدًا على عقيدة، قال تعالى: (? ? ? ) [البقرة: 256] .

قال ابن عاشور: «وتعقيب آية الكرسي بهذه الآية، بمناسبة أن ما اشتملت عليه الآية السابقة من دلائل الوحدانية وعظمة الخالق وتنزيهه عن الشوائب ما كفرت به الأمم، من شأنه أن يسوق ذوي العقول إلى قبول هذا الدين الواضح العقيدة، المستقيم الشريعة، باختيارهم دون جبر ولا إكراه، ومن شأنه أن يجعل دوامهم على الشرك بمحل السؤال: أيتركون عليه أم يكرهون على الإسلام، فكانت الجملة استئنافًا بيانيًا» .

«ونفي الإكراه خبر في معنى النهي، والمراد: نفي أسباب الإكراه في حكم الإسلام، أي: لا تكرهوا أحدًا على اتباع الإسلام قسرًا، وجيء بنفي الجنس لقصد العموم نصًا، وهو دليل واضح على إبطال الإكراه على الدين بسائر أنواعه، لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال، والتمكين من النظر، وبالاختيار» 81.

كما أن اجتهاد العلماء واختلافهم على مر العصور، وفي جميع الفنون، ونبذهم للتقليد إقرار لمبدأ الحرية العلمية والفكرية.

والحرية السياسية واحدة من حريات الإسلام، وتقوم على الشورى، غير أن الإسلام يعطي للحرية ضوابطها وتحفظاتها التي تضمن حرية الغير. وحرية العقيدة حيث لا إكراه في الدين، تعني كفالة الإسلام لحرية عقائد أهل الكتاب، وهو بهذا يدعو إلى الحرية من قيود العبودية الفكرية والجسدية.

ويكفل الإسلام لأتباعه الحرية الاقتصادية كحرية التملك، وحرية التنقل (التبادل التجاري أو التجارة الدولية) ، وحرية التعاقد، ولكن شريطة أن لايكون ذلك في شيء محرم، كالربا أو الاحتكار أو بيع الخمور ونحو ذلك.

سادسًا: الطاعة:

قال الراغب الأصفهاني: الطوع: الانقياد، ويضاده الكره، قال تعالى: (? ? ? ?) [فصلت: 11] . (? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 83] . والطاعة مثله، لكن أكثر ما تقال في الائتمار لما أمر، والارتسام فيما رسم، قال: (? ?) [النساء: 81] . (? ? ) [محمد: 21] أي: أطيعوا، وقد طاع له يطوع وأطاعه يطيعه، قال: (? ?) [النور: 56] .وقوله في صفة جبريل عليه السلام: (? ہ ہ) [التكوير: 21] 82.

كما وردت لفظة «الطاعة» مقرونةً بلفظة أخرى هي: «السمع» فيقال: السمع والطاعة، وسمعنا وأطعنا، كقوله تعالى: (ھ ے ے?) [البقرة: 285] 83.

والمراد بالطاعة هنا: الاستجابة والانقياد لما يأمر به وينهى عنه ولي الأمر، وذلك بامتثال الأمر والنهي دون منازعة ومعارضة، سواء أمر بما يوافق الطبع، أو لم يوافقه بشرط أن لا يأمر بمعصية 84.

وقد وردت الآيات الآمرة بطاعة الله ورسوله في أربعة عشر موضعًا، منها ما يلي:

قال تعالى: (? ? ? ? ?) [آل عمران: 132] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [النساء: 59] .

«ولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم» 85.

قال الإمام الطبري: فإذا كان معلوما أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: (? ? ? ? ? ? ) [النساء: 59] 86.

ومن ضوابط الطاعة: الطاعة بالمعروف، قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله» ، وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر، وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: (ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ?) [النور: 63] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.

وعن عدي بن حاتمٍ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 31] . فقلت له: (إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم) 8788.

ذكر الله عز وجل في كتابه المقاصد العامة للسياسة الشرعية، والتي حرص على إيضاحها والعناية بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عليها قوام الشرع والدين، وهي المقاصد التي بعث من أجلها الرسل وأنزلت الكتب، وشرعت الشرائع، ونبين هذه المقاصد في النقاط الآتية:

أولًا: حراسة الدين:

وحراسة الدين تتم بأمرين 89:

الأول: حفظ الدين.

الثاني: تنفيذ أحكام الدين، وإقامة حدوده.

وذلك بغرض قطع الخصام بين المتنازعين، وصون محارم الله تعالى عن الانتهاك، وحفظ حقوق عباده من الإتلافِ والاستهلاك حتى تعم النصفة، فلا يتعدى ظالمٌ، ولا يضعف مظلومٌ.

وأزيد الأمر إيضاحا فأقول: إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا كما ذكره الماوردي 90.

«وحفظ الدين يعني: إبقاء حقائقه ومعانيه ونشرها بين الناس كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليها صحابته الكرام، ونقلوها إلى الناس من بعده، وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبدًا في منع التبديل والتحريف بجحة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد» 91.

وقد أجمع سلف الأمة على وجوب حفظ الدين على أصوله المستقرة، فإن نجم مبتدعٌ، أو زاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسًا من خللٍ، والأمة ممنوعة من زلل 92.

ومن أعظم أصول الشريعة وقواعد الملة: حفظ الدين وصيانته والذب عنه، وسنة الله تعالى الصراع بين الحق والباطل، والإسلام والكفر، والمعروف والمنكر، وقد قيض الله في كل زمان بقايا من أهل العلم، يحيون كتاب الله، ويحمون دينه. وقوام الدين يكون بالعلم والجهاد في سبيل الله.

قال الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 41] .

ونزلت هذه الآية في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وغزوة حنين، أمر بالجهاد لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من البأس، وجدب من البلاد، وشدة من الحر، حين أخرقت النخل، وطابت الثمار، فعظم على الناس غزو الروم، وأحبوا الظلال والمقام في المساكن والمال، وشق عليهم الخروج إلى القتال، فلما كان ذلك من تثاقل الناس، أنزل هذه الآية 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت