فهرس الكتاب

الصفحة 764 من 2431

أو بما يستجدّ من وسائل كما في عصرنا الحاضر، من النقل المباشر وغير المباشر للحج، وما يعلن فيه من بيان للقضايا التي تهم الأمة كلها، وهو ما يتضح في خطبة عرفة، تلك الخطبة التي كانت السياسة من أهم موضوعاتها في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلك الخطبة التي شملت الحديث عن جملٍ من السياسة الداخلية والخارجية، وبيانٍ للحقوق والواجبات للفرد في الإسلام.

وتتجلى ناحية سياسية أخرى وذلك في: تحديد حرمة المكان، وبيان عمقه الاستراتيجي الذي يشرع لمن يدين بالدين أن تطأ قدمه المدينة المحرمة المقدسة، فيأتي الحاج المسلم مبتهجًا مسرورًا، يأوي إلى البيت الحرام، بشعور الانتماء العظيم للأمة، كما لو كان البيت بيته، بينما تتمنع قداستها وحرمتها عن قبول من لا يدين بدين أهلها، ولا ينتمي لولائها الديني زمانًا ومكانًا وأمةً أن يطأها بقدمه، ولمّا يؤمن بقدسيتها وحرمتها واجبًا من واجبات إسلامه، لا وسيلة لتحقيق أغراضه، ومن هنا تتجلى خطورة أهمية بقاء هذه الولاية في أيادي سنيّة أمينة، كما تتجلى خطورة أي دعوة تسعى إلى تدويل الحرمين مهما كانت حججها.

ومن فوائد الحج السياسية اليوم: إثبات صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، فكم من زائر للبيت الحرام قد شوّهت عنده صورة بلاد الإسلام، ومنطلق العقيدة والشريعة قبل وصوله، فلما دخل بلاد الحرمين، وزار البيت الحرام رأى عدم تعارض الشريعة مع الأخذ بالوسائل العصرية، والتفوق في الأمور الدنيوية، وتوظيف الدنيا للدين، وقد رأينا وسمعنا شهادات كثيرة وتعبيرات عن المشاعر تغيّرت فيها النظرة التي أوجدها التشويه الإعلامي للإسلام وأهله، حتى ظن بعض الناس من أبناء المسلمين البعيدين أن الدين لا يتوافق مع العلم.

فيجب على المسلمين أن يستغلوا هذا المؤتمر العالمي غير المسبوق ولا الملحوق في معالجة ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم، فلا يجوز أن تترك هذه الحشود الهائلة يوم الحج الأكبر دون توجيه جامع، تلقى به خصومها، صحيح أنهم في محاريب ذكر، وساحات تسبيح وتحميد، وأوقات تبتّل إلى الله ونشدان لرضاه، لكن من قال: إن كسر العدو ليس عبادة؟ والسهر على هزيمتهم ليس تهجدًا؟ إن صيحة (الله أكبر) تفتتح بها الصلاة لينأى بها المؤمنون عن مشاغل الدنيا، ويفتتح بها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولتجف دموع البائسين وآلام المستضعفين، ومن هنا نفهم قول الله سبحانه للمحتشدين في عرفات، ولمن وراءهم من جماهير المؤمنين في كل مكان: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 14 - 15] 245.

وبهذه الإطلالة يتبين أن منافع الحج السياسية باب واسع من أبواب حكمه، يمكن العمل لتحقيق أكبر قدر منها بتوظيف هذه الشعيرة توظيفًا شرعيًّا، يتفق مع أهداف الحج، ويحقق منافعه، من خلال ضبط إداري وسياسي وتراتيب دعوية راقية، تعمل من أجل وحدة الأمة على منهاج النبوة، فيعود منها المسلم وقد ارتوى من معين العبادة، وتشبّع بروح الوحدة، وآب مستشعرًا وظيفته الدعوية في كل فج أتى منه.

3 المنافع العلمية الدعوية في الحج:

الحج مؤتمر يمكن استغلاله لتبادل المعارف، والتجارب، والعلوم المختلفة، عن طريق إقامة الندوات، والمحاضرات، والمشاورات والمؤتمرات الإسلامية المصاحبة للحج، التي تجمع علماء المسلمين في العالم الإسلامي، وفي مواطن الأقليات الإسلامية.

ويمكن مخاطبة الكافة، ممن يحضرون الحج، وممن لا يحضرونه، بما ينقل لهم عن طريق الأشخاص، ليعلموه، ويبلّغوا من وراءهم، أو بما يستجد من وسائل، كما في عصرنا الحاضر، من النقل المباشر، وغير المباشر للحج، وما يعلن فيه من بيان للقضايا التي تهم الأمة كلها، وما يبثّ في الحج من خطب ودروس وندوات.

4 المنافع التربوية في الحج:

ومن منافع الحج أنه يعوّدنا على بعض السلوكيات التربوية، والأخلاق والعادات الحسنة، ومنها:

-التعود على النظام والانضباط: فللحجّ مواقيت مكانيّة وزمانية يجب التقيّد بها، وعدم الإخلال بها، أو التّساهل فيها، وله أركانٌ وواجبات يجب الإتيان بها كما هي، من غير زيادة أو نقصان، وله محظورات يحرم اقترافها.

-إنجاز الأعمال أولًا بأول، وعدم تأخيرها: يتّضح ذلك من خلال قيام الحجّاج بإنجاز الأعمال أولًا بأول، وعدم تأخيرها؛ عملًا بقاعدة: «لا تؤخّر عمل اليوم إلى الغد» ففي كلّ يومٍ من أيام الحجّ يعملون أعمالًا تختلف عن اليوم الذي قبله، ولا يؤخّرون عمل يومٍ ليوم آخر، بل هم في حركةٍ مستمرّة، وعملٍ دءوب، فينجزون أعمالًا كثيرة في أيام قليلة.

-فقه التعامل مع الخلاف والمخالف: فعندما نتأمّل في مناسك الحجّ نجد أنّ لها أشكالًا مختلفة، فمن الحجّاج من يحجّ مفردًا، ومنهم من يحجّ قارنًا، ومنهم من يحج متمتّعًا، وذلك أفضل، ونجد أنّ الحجاج يختلفون في أعمال يوم النّحر، فمنهم من يحلق، وذاك أفضل، ومنهم من يقصّر، ومنهم من يقدّم الهدي على الرّمي، ومنهم يفعل العكس، ولا حرج عليهم في ذلك، ويختلفون في مغادرة مكّة والخروج منها، فمنهم المتعجّل، ومنهم المتأخر: (پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ) [البقرة: 203] . ومع اختلافهم في ذلك نجد أنهم إخوة متحابّون في الله، ولم يحصل بينهم شجارٌ ولا خصام، ولا تدابر، ولا تقاطع، كما أنه لم يحصل قبل ذلك بين الصحابة رضوان الله عليهم.

-والحج أيضًا ثقة في الله وتوكل عليه: فالتوكل شعور نفيس غريب، وهو أغلى من أن يخامر أي قلب، إنه ما يستطيعه إلا امرؤ وثيق العلاقة بالله، حساس بالاستناد إليه والاستمداد منه، وعندما ينقطع عون البشر، وتتلاشى الأسباب المرجوة، وتغزو الوحشة أقطار النفس، فلا يردها إلا هذا الأمل الباقي في جنب الله، عندئذ ينهض التوكل يرد الوساوس، وتسكن الهواجس 246.

وإن أبرز شيء في الحج نأخذ منه هذا الدرس هي قصة هاجر زوج إبراهيم وأم إسماعيل حيث قالت لزوجها: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذن لا يضيعنا 247.

والحج يجمع بين العقل والعاطفة: وهذه ليس صفة خاصة بالحج فقط، إنما يستمدها الحج من المنهج الشامل للإسلام ذاته، الذي يجمع بين الجسم والروح في نظام الإنسان، وبين السماء والأرض في نظام الكون، وبين الدنيا والآخرة في نظام الدين، ويسلك بها جميعًا طريقًا واحدًا، ويصبغها صبغة واحدة: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138] .

فكما أن الإسلام منهج عقلاني عاطفي، فهو نظام مثالي واقعي ونظري تطبيقي سواء بسواء.

إن مناسك الحج تنمية لعواطف المسلمين نحو ربهم ودينهم، وماضيهم وحاضرهم، ويكفي أنها تجمعهم من أطراف الأرض شعثًا غبرًا، لا تفريق بين ملك وسوقة، ولا بين جنس وجنس، ليقفوا في ساحة عرفة في تظاهرة هائلةٍ، الهتاف فيها لله وحده، والرجاء في ذاته، والتكبير لاسمه، والضراعة بين يديه، فقر العبودية ظاهر، وغنى الربوبية باهر، ومن قبل الشروق إلى ما بعد الغروب، لا ذكر إلا لله، ولا طلب إلا منه سبحانه 248.

والمقصود من هذه الرحلة أمور عقلية وعاطفية معًا، فإن الإنسان لا يعيش بالفكر النظري وحده، ولكن مشاعره وعواطفه شديدة السيطرة عليه، والإسلام يجتهد في تحويل الإيمان من صورة عقلية تسكن الرأس إلى معانٍ عاطفية، تغمر القلب، وتتشبث بالفؤاد، وينفعل الإنسان بها، ويحيا طول عمره وفقها.

وإذا كان القرآن قد بيّن العلة من فريضة الحج، فقال: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 27] .

وقد جاءت كلمة (منافع) منكرة لتفيد العموم والشمول، سواء كانت منافع مادية أو معنوية، فإن الجانب الروحي في الحج ظاهر كل الظهور في شعائر كثيرة من شعائره؛ ولهذا فإن إثراء الجانب الروحي هدف ظاهر من أعمال الحج وأقواله حتى تعود وفود الرحمن جياشة العواطف بحب الله وخشيته، متواصية على تنفيذ وصاياه وإعظام حقوقه.

فالحج ليس رحلة ميتة، إن ناسًا يذهبون إلى الحج الآن ثم يعودون مكتفين بأن حملوا لقبًا، هل درست قضاياهم؟ لا، هل عادوا من موسم الحج بتحالف على محاربة الفساد الداخلي والغزو الخارجي؟ لا، إن الحج ليس عبادة فردية، لا في ديننا ولا في تاريخنا، فيجب أن نعلم ديننا، وكفانا جهلًا حتى لا نستيقظ على الويل والثبور، وعظائم الأمور 249.

ثانيًا: الثمرات الأخروية للحج:

1.ذكر الله وشكره.

ذكر الله تعالى مقصد مؤكد في كل مناسك الحج؛ وذلك أن أي منسك في المناسك لا يخلو من ذكر، ولم لا والحج كله تلبية لأمر الله، وترك لكل شيء فرارًا إلى الله تعالى؟!

حتى جعل الله الذكر من علل الحج، فقال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} [الحج: 27 - 28] .

وإذا تأملنا بعض آيات القرآن التي تتحدث عن الحج أدركنا هذه الحقيقة، وعلمنا أن ذكر الله هو أساس شعائر الحج.

قال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 198 - 202] .

ومن الملاحظ أن التعبير عن مناسك الحج في الآيات السابقة أخذ كلمة (الذكر) دائمًا، حتى رمي الجمرات أسماه القرآن ذكرًا: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203] .

وهي أيام التشريق، ورمي جمرة العقبة في العيد، فكأن المقصود من الموضوع هو الذكر الجهير لله تعالى، وما رمي الجمرات إلا رمز.

ثم قال جل ذكره: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 34 - 36] .

والحق أن الحج كله هو هذا الهدير الموصول بذكر الله من أمواج بشرية متصلة، لا شغل لها إلا الجؤار بالتلبية والهتاف بالتسبيح.

وهناك العديد من أعمال الآخرة في الحج غير الذكر، ومنها: التفقه في الدين، والاهتمام بشؤون المسلمين عمومًا، والتعاون على البر والتقوى، والدعوة إلى الله سبحانه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والاستكثار من الصلاة، والطواف، والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم.

2.الفوز بما وعد الله به الحجاج من تكفير السيئات والفوز بالجنة.

من المنافع الأخروية للحج الحصول على الأجر والثواب والرضوان من الله عز وجل، وتكفير الذنوب والمعاصي، فيرجع الحاج من حجه كيوم ولدته أمه.

كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه) 250.

قال في المنتقى: «يريد -والله أعلم- أنه لا ذنب له؛ لأن ما أتى به من العمل قد كفّر سائر ذنوبه، فصار كيوم ولدته أمه، لا ذنب له» 251. وقال السندي: «وعلى هذا فهذا الحديث من أدلة أن الحج يغفر به الكبائر أيضًا، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما تقدم من الذنوب وما تأخر» 252. وقال القرطبي: «وهذا يتضمن غفران الصغائر والكبائر والتبعات» 253. وهذا الأجر العظيم للحج بسبب أنه من أفضل الأعمال عند الله، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله) . قيل: ثم ماذا؟ قال: (جهاد في سبيل الله) . قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور) 254 والمبرور: المقبول، وهو الذي لا خلل فيه.

والمبرور أيضًا الذي لا يخالطه شيء من المأثم، وهو من البر، وهو اسم جامع للخير 255.

قال الحسن البصري: «هو أن يرجع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في العقبى» 256.

ويرى بعض العلماء: أن بر الحج إنما هو: إيفاء أركانه وواجباته، أي: الإتيان به على الوجه الأكمل. ويرى البعض أن الحج المبرور ما قام فيه الحاج بإطعام الطعام، وإفشاء السلام، ولين الكلام مع رفقائه، وهو راجع إلى الوجه الأول أيضًا؛ لأن من تمام الحج الرفق بالمسلمين، وكما جاء عنه صلى الله عليه وسلم قوله: (وتعين الرجل على دابته تحمله عليها، أو ترفع له متاعه عليها صدقة) 257.

وهكذا في الحج، ولما كان هذا الجمع من كل قطر على اختلاف العادات والبيئات، فتختلف طبائع المجتمعات عن بعضها، جاءت آداب الحج في كتاب الله لتقضي على كل تلك الفوارق، وتمنع كل أسباب النزاع؛ ليظل الحجيج متآلفين متآخين، فقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] .

لأن هذه الثلاثة تؤدي إلى الفرقة، وإلى النزاع والشقاق، وهم إنما جاءوا ليشهدوا منافع لهم، ولا يتم شهود المنافع مع وجود النزاع والخصومات، ومع وجود الرفث.

وبعضهم قال: هناك ميزان للحج المبرور، وهو أن ننظر إلى الحاج حينما خرج من بلده وجاء إلى الأراضي المقدسة، وأدى المناسك ... الخ، ثم عاد إلى بلده كيف صارت حالته؟! نزن الحالة الأولى مع الحالة الثانية، هل هو أحسن حالًا في سلوكه، ومنهجه، وأمانته، ومعاملاته، ومحافظته على العبادات، وفي وفائه للحقوق أهو خير مما ذهب، أو هو كما ذهب رجع؟ فإذا كان خيرًا مما ذهب فيكون قد استفاد من رحلة الحج؛ لأن رحلة الحج فيها تهذيب للنفس.

يقول الشيخ ابن عثيمين: «فالحج المبرور هو الذي اجتمعت فيه أمور:

الأمر الأول: أن يكون خالصًا لله، بأن لا يحمل الإنسان على الحج إلا ابتغاء رضوان الله، والتقرب إليه سبحانه وتعالى، لا يريد رياءً ولا سمعة، ولا أن يقول الناس: فلان حج، وإنما يريد وجه الله.

الثاني: أن يكون الحج على صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أن يتبع الإنسان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ما استطاع.

الثالث: أن يكون من مال مباح ليس حرامًا، بأن لا يكون ربا، ولا من غش، ولا من ميسر، ولا غير ذلك من أنواع المفاسد المحرمة، بل يكون من مال حلال.

الرابع: أن يجتنب فيه الرفث والفسوق والجدال؛ لقول الله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197] » 258.

وقوله: (ليس له جزاء إلا الجنة) أعظم بهذا الجزاء! يخرج المسلم في رحلة أيامًا وأسابيع أو أشهرًا فيعود بهذا الجزاء، وهو الجنة، ومعنى ذلك: أنه يستحق عند الله -عطاءً منه- أن يدخله الجنة، إذن: عليه أن يحافظ على تلك النعمة وعلى هذا العطاء، وأن لا يحرم نفسه منه، أي: بما يضاد موجباتها. قال في فيض القدير: «وقوله: (ليس له جزاء إلا الجنة) أي: إلا الحكم له بدخول الجنة، فلا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لابد أن يدخلها، أي: مع السابقين، أو بغير عذاب، وإلا فكل مؤمن يدخلها وإن لم يحج» 259.

ويالها من جائزة! غفران الذنوب جميعها، فيرجع المسلم بعد أداء حجه على الوجه الذي يحبه الله ورسوله وما عليه خطيئة، ويرجع إلى داره بعدما هاجر وجاهد وتبرأ من المشركين، وعطف على الفقير والمسكين، وحاله من البعد عن الذنوب والآثام كحاله يوم ولدته أمه، صفحة بيضاء نقية، لم تكدّرها أو تشبها شائبة.

3.تزكية النفوس وتطهيرها بالإحسان إلى الفقراء.

حضّت الشريعة المسلم على تزكية نفسه، وتطهيرها، وتحريرها من شحّ النفس وبخلها، فأمرت بإعطاء الفقراء والمساكين حقهم من الزكوات، وحثّت على الإنفاق عليهم والإحسان إليهم، ووعدت على ذلك الأجر الجزيل، وفي الحج يحتاج الناس إلى الزاد الذي به قيام النفوس، وفي هذا الموقف يأمر الله الحجاج أن يخرجوا من أموالهم وأزوادهم ما يطعمون به الفقير من النّسك الذي ذبحوه تقربًا إلى الله تعالى، فقال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28] .

فيفعل الحاج من ذلك ما يفعل طعمةً للفقراء والمساكين، وتقوى لله عز وجل.

قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج: 37] .

وقد أكد الرسول صلى الله عليه وسلم أمر النفقة في الحج، فقال صلى الله عليه وسلم: (النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف) 260.

وهذا الدرس لم يفهمه من يبخل على قريبه، أو جاره الفقير من المسلمين، فيمنع عنهم ما ينفعهم أخذه، ولا يضره عطاؤه، ولم يفهمه أيضًا من يقدّم في نسكه العجفاء أو العرجاء أو ذات العيب، فإنما ذلك شيء يقرّبه الإنسان لربه، والإنسان عندما يقرّب لحبيب أو يهدي لصديق فإنه يختار من الأشياء الجيد النفيس. والله أعلم.

موضوعات ذات صلة:

الزكاة، الصلاة، الصيام، العبادة، مكة

1 لسان العرب، 2/ 778.

2 انظر: الصحاح، الجوهري 1/ 303.

3 جامع البيان 6/ 46.

4 انظر: تاج العروس، الزبيدي 5/ 459.

5 المطلع على ألفاظ المقنع، البعلي ص 196.

6 انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص 126.

7 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 82، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص 76.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 193 - 194.

9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 218.

10 تاج العروس، الزبيدي 13/ 130.

11 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 3/ 297.

12 انظر: معاني القرآن، الزجاج 1/ 267.

13 انظر: لسان العرب، ابن منظور 4/ 2722.

14 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 311.

15 انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف الكويتية 17/ 49.

16 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ، 6/ 27، رقم 4520.

17 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب مررت ليلة أسري بي على موسى بن عمران، عليه السلام، رقم 241.

18 التحرير والتنوير 1/ 547.

19 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 243.

20 أضواء البيان، الشنقيطي 4/ 299.

21 انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/ 112، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 11/ 409.

22 معالم التنزيل، البغوي 5/ 379.

23 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 243.

24 انظر: أضواء البيان 4/ 300.

25 انظر: الكشاف، الزمخشري 4/ 285.

26 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 243.

27 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 5/ 414.

28 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 244.

29 الكشاف، الزمخشري 4/ 285.

30 النكت والعيون، الماوردي 3/ 112.

31 التحرير والتنوير، ابن عاشور 17/ 244.

32 روح المعاني، الألوسي 2/ 9.

33 النكت والعيون، الماوردي 1/ 94.

34 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 2/ 109.

35 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 413.

36 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 66.

37 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 443.

38 انظر: نظم الدرر، البقاعي 1/ 183.

39 انظر: تفسير القرآن الكريم، الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين 3/ 52.

40 أخرجه الطبري في تفسيره 3/ 76.

41 جامع البيان، الطبري 12/ 389.

42 أضواء البيان 4/ 401.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت