فهرس الكتاب

الصفحة 734 من 2431

وقد ورد في أربعة مواضع من القرآن الكريم؛ في: البقرة، وآل عمران في موضعين، والقصص.

الصورة الثانية: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن المسؤول.

نحو قوله تعالى: (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ? أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 286] .

وهو الله سبحانه وتعالى.

وقد وردت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم؛ في: البقرة، والأعراف في موضعين، والمؤمنون، وغافر، والحشر، والممتحنة، والتحريم.

الصورة الثالثة: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن السائل والمسؤول معًا.

وورد في القرآن مرة واحدة.

قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) [المؤمنون: 109] .

فنستخلص مما سبق الآتي:

أولًا: أوقات الاستغفار:

فضل الله الأوقات بعضها على بعض؛ فجعل بعضها نفحات لرحمته وجوده وكرمه، فينبغي للمسلم أن يترصد تلك الأوقات الفاضلة؛ فيستغفر الله فيها؛ فهي أرجى لحصول المغفرة له من غيرها؛ ومن تلك الأوقات:

1.الأسحار.

وقت السحر وقت يكون فيه تمام صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات والملهيات 52، ومدح الله المستغفرين له في هذا الوقت، فقال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: 17] .

وخص وقت السحر بالذكر لأنه وقت الغفلة ولذة النوم؛ ولأنه زمن القبول ووقت إجابة الدعاء 53.

2.يوم الجمعة.

لا شك أن يوم الجمعة خير الأيام على الإطلاق.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها) 54.

وفيه ساعة يستجاب فيها للعبد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه -وأشار بيده يقللها-) 55.

3.ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان.

ليلة القدر ليلة مباركة؛ أنزل الله سبحانه فيها كتابه الكريم، وجعلها خيرًا من ألف شهر.

قال تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ?2?لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [القدر: 2 - 3] .

وليلة القدر ليست مخصوصة بعينها في كل عام؛ بل إنها تتنقل في العشر الأواخر من رمضان.

ثانيًا: أماكن الاستغفار الفاضلة:

لقد اختص الله سبحانه بعض الأماكن بمزيد من الفضل، وجعلها مواطن لنزول الرحمات، واستجابة الدعوات، فمن تلك الأماكن:

1.البلد الحرام 56.

فهو مكان فضله الله، وأقسم به في كتابه العزيز، وما ذاك إلا لفضله، فيستحب للمسلم طلب المغفرة فيه؛ لأن من شرفه شرف ما يعمل فيه من الطاعات، ومنه: الدعاء والاستغفار؛ بل هو غاية الطاعة؛ لما فيه من الافتقار والتذلل بين يدي الله سبحانه وتعالى 57.

ومن أعظم الأماكن فيه:

••المسجد الحرام، بجوار الكعبة المشرفة 58.

••المشاعر المقدسة؛ كعرفة، والمشعر الحرام، ومنى.

2.مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي) 59.

فيستحب للمسلم الصلاة فيها، والإكثار من الدعاء والذكر والاستغفار وقراءة القرآن؛ فإن ذلك كله من الأعمال الصالحة.

ثالثًا: الأحوال التي يستغفر فيها:

1.الاستغفار بعد الذنب.

حث الله سبحانه في كتابه الكريم عباده على المبادرة إلى طلب مغفرته عند الوقوع في الذنوب.

قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 110] .

فالاستغفار من الذنوب ينفع العاصين 60؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له) 61. ثم قرأ هذه الآية: (الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) [آل عمران:135] .

2.الاستغفار عند الصباح والمساء.

يستحب للمسلم كلما أصبح أو أمسى أن يتوجه إلى ربه بطلب مغفرته وعفوه، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في ذلك، وبين لهم جزاء من يحافظ على ذلك؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) 62.

••بين الوحي الإلهي دواعي الاستغفار، وسوف نبينها فيما يأتي:

أولًا: الاستغفار من أجل الذنوب والمعاصي:

1.الاستغفار من فعل يقتضي الذم والعقاب.

شرع الله سبحانه الاستغفار لعباده رحمة بهم، وجعله سببًا لحصول مغفرته، ودخول جنته.

وتفصيل ذلك ما يلي:

••الاستغفار من ترك الواجبات في حال العلم.

حث الله سبحانه عباده في كثير من آياته على الاستغفار من ظلمهم لأنفسهم، ووعدهم على ذلك بالمغفرة والرحمة.

قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 110] .

وظلم الإنسان لنفسه يكون بترك الواجبات؛ كما يكون بفعل المحرمات، فكلاهما من السيئات والخطايا والذنوب التي يجب على العبد الاستغفار والتوبة إلى الله منها، فهما متلازمان، فكل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل ضده 63، ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده 64.

••الاستغفار من فعل المحرمات في حال العلم.

إن الوقوع في المحرمات -سواء كانت من الكبائر أم من الصغائر- مما يوجب على العبد الاستغفار والتوبة إلى الله منها، وعدم الإصرار عليها 65، فيجب على المسلم صادق الإيمان أن يجتنب ويبتعد أشد البعد عن الكبائر والموبقات، ويحذر من الصغائر، ومحقرات الذنوب؛ فإنها تهلك صاحبها، فالصغيرة مع الإصرار عليها والاستهانة بها تصبح كبيرة؛ كما قال ابن عباس: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار» 66.

وعليه فإن الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات أمر واجب، من اقتصر عليه كان من الأبرار المقتصدين، ومن تركه كان من الظالمين الفاسقين.

قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: 11] .

••الاستغفار من فعل ما كان سببًا للذم والعقاب لكن متوقف على الشرط.

هناك أفعال إذا فعلها المسلم كانت سببًا من الأسباب المفضية إلى ذمه وعقابه من الله - سبحانه؛ ولكن العقوبة عليها متوقفة على قيام الحجة عليه.

قال تعالى: (مَنِ اهْتَدَى? فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ? وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ? وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى? ? وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى? نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] .

قال ابن تيمية: «وقيام الحجة إنما تقوم بشيئين:

••بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله.

••والقدرة على العمل به.

فلا يكلف العاجز عن العلم والعمل ما هو عاجز عنه» 67.

ولا شك أن الجاهل والمخطئ والناسي ممن عجزوا عن العلم، والمكره ممن عجز عن العمل، فلا إثم عليهم فيما يتركون من واجب أو يفعلون من محرم، وكذلك فإنهم لا قصد لهم ولا نية، والإثم مرتب على المقاصد والنيات؛ لكن يشرع لهم الاستغفار مما فعلوه في حال الجهل والخطأ والنسيان والإكراه؛ لأنه مما يفضي إلى ذم الله وعقابه.

ويمكن تقسيم الأفعال التي يستحب أن يستغفر منها لأنها سبب للذم والعقاب إلى ما يلي:

••الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الجهل.

••الاستغفار من الهم والعزم على فعل المحرمات مع عدم التمكن منها.

••الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الخطأ والنسيان.

••الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الإكراه.

••الاستغفار مما يدور في النفس من الخواطر والأحاديث التي لو قالها أو فعلها عذب.

••الاستغفار من فعل ما يخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب.

هناك أفعال إذا فعلها العبد فإنه يخشى أن تكون سببًا لذمه وعقابه؛ وهي الوقوع في المشتبهات مع علمه بأنها مشتبهات، وكونها مشتبهات عنده فهي مما ينبغي للمسلم أن يتجنب الوقوع فيها والابتعاد عنها، وأن يبادر إلى الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه إذا وقع في شيء منها؛ تحقيقًا لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] .

ويمكن تقسيم المشتبهات التي يستغفر فيها، ويخشى أن تكون سببًا للذم والعقاب إلى قسمين:

••الاستغفار من ترك المشتبهات بالواجب.

••الاستغفار من فعل المشتبهات بالمحرم.

وتفصيل ذلك ما يلي:

1.الاستغفار من ترك المشتبهات بالواجب.

وهي ما تردد الحكم فيها بين الوجوب والاستحباب، فهذا القسم من المشتبهات مما ينبغي للمسلم فعله والمحافظة عليه، ويستحب الاستغفار والتوبة إلى الله عند تركه؛ لأن تركه مما يخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب.

ومثال ذلك: الوتر، فقد ذهب الحنفية 68 إلى وجوبه، وذهب الحنابلة إلى أنه سنة مؤكدة، فالورع فعله، ولا ينبغي للمسلم تركه، وإذا تركه فعليه التوبة والاستغفار من ذلك.

2.الاستغفار من فعل المشتبهات بالمحرم.

وهي ما تردد الحكم فيها بين التحريم والكراهة، فهذا القسم من المشتبهات مما ينبغي للمسلم تركه، واستغفار الله سبحانه عند الوقوع فيه؛ لأنه مما يخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب.

ومثال ذلك: نتف شعر الوجه بالنسبة للمرأة؛ فإن العلماء -رحمهم الله- اختلفوا: هل هو داخل ضمن النمص فيحرم 69 أم لا يشمله ذلك 70؟ فالورع تركه واستغفار الله عند الوقوع فيه.

ثانيًا: الاستغفار من فعل ما كان سببًا للنقص في الطاعات:

يمكن تقسيم الأفعال التي يستغفر منها -لأنها سببٌ للنقص- إلى ما يلي:

••الاستغفار من ترك المستحبات المتفق على استحبابها.

••الاستغفار من فعل المكروهات المتفق على كراهتها.

••الاستغفار من الاشتغال بفضول المباحات.

1.الاستغفار من ترك المستحبات المتفق عليها.

هناك كثير من المستحبات التي ندب الشارع إليها، ورتب على فعلها الأجر العظيم؛ فمن ذلك:

••السنن الراتبة، فهي مما ينبغي للمسلم المحافظة عليها بعد الفرائض، جبرًا لما يحصل فيها من الخلل والنقص.

••قيام الليل المشروع، فهو من أفضل الصلوات بعد المكتوبة، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر.

فهذا كله مما يستحب للمسلم فعله، والمواظبة عليه، وإذا ترك شيئًا منه يستحب له الاستغفار إلى الله من تركه؛ لأن تركه سبب لنقص درجته وحرمانه من الخير الذي يحصل لمن حافظ عليه.

2.الاستغفار من فعل المكروهات المتفق عليها.

المكروهات عقبة بين العبد والحرام، ومن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام؛ ومن ذلك:

••كراهية الالتفات في الصلاة بغير عذر.

••كراهية تخصيص يوم الجمعة بصيام.

فيستحب للمسلم الابتعاد عن هذه المكروهات وغيرها؛ ليحصل له موجبها من الثواب ورفعة الدرجات، وأن يستغفر الله سبحانه إذا وقع في شيء منها.

3.الاستغفار من الاشتغال بفضول المباحات.

لا شك أن الاشتغال بفضول المباحات كالإكثار من المأكل والمشرب والخلطة وغير ذلك؛ يوجب قسوة القلب، وقلة الفهم، ويضعف صاحبه عن العبادة، فيستحب للمسلم استغفار الله من الانشغال بها، وأن يتقلل منها ويزهد فيها.

فنستنتج مما سبق أن الاستغفار من ترك المستحبات، وفعل المكروهات، وفضول المباحات، أمر مستحب، فمن اقتصر على الاستغفار الواجب من ترك مأمور أو فعل محظور كان من الأبرار المقتصدين، ومن جمع بين الاستغفار الواجب والمستحب كان من السابقين المقربين.

ويشرع للمسلم أن يستغفر الله من كل فعل يخشى أن يكون سببًا لنقصان درجته عند الله؛ سواء مما قد يحصل من التقصير في كمال العبادة، أو الخوف من تقصيره فيها وفي شكر الله عليها، فالمسلم الحق هو الذي يعمل بطاعة الله سبحانه مخلصًا لله في عمله، متبعًا لشرعه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، راجيًا بذلك رحمة ربه، خائفًا من تقصيره في فعله، فمهما بذل المسلم من العبادة والطاعة؛ فلن يوفيها حقها، وما ينبغي من شكر الله تعالى عليها، فكان في الاستغفار مندوحة وفرصة أتيحت له ليجبر به تقصيره فيما لا يمكنه القيام به، من حسن الأداء في الطاعة والتعظيم والشكر لله، وفي الاستغفار أبلغ اعتذار عن التقصير في ذلك؛ لهذا نجد أن الله سبحانه كثيرًا ما يأمر باستغفاره بعد قضاء العبادات.

قال تعالى (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?199?) [البقرة: 199] .

ثالثًا: الاستغفار من أجل حصول مرغوب فيه أو دفع مكروه:

لم يشرع الاستغفار من أجل الذنوب والمعاصي فقط وما يتبعها من الأفعال التي تنقص الأجر والثواب؛ بل شرع الاستغفار أيضًا لاستجلاب كل خيرٍ للعبد، ودفع كل شرٍ عنه، فما استجلب كل مرغوب، وما دفع كل مكروه بمثل التقرب إلى الله بكثرة الاستغفار والتضرع بين يديه طلبًا لمغفرته، وتوسلًا بها لتحقيق ما يرجوه منه جل وعلا.

فمن أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.

قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى? فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87] .

والاستغفار يمنع نزول العذاب على الأمة في الدنيا، ويوجب النجاة من العذاب في الآخرة.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ? وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال: 33] .

••عرض القرآن أصناف المستغفرين؛ لنقتدي بهم، وسوف نتناولهم بالبيان فيما يأتي:

أولًا: استغفار الملائكة والأنبياء:

1.استغفار الملائكة:

أخبر الله سبحانه في موضعين من كتابه الكريم بخبر يتضمن تشريف المؤمنين، ويعظم الرجاء لهم، وهو أنه سبحانه وتعالى سخر ملائكته -وهم أفضل خلقه- للاستغفار للمؤمنين 71:

الموضع الأول: قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر: 7] .

تضمنت الآية الكريمة السابقة أمرين:

••الإخبار عن تسبيح وإيمان الملائكة من حملة العرش، ومن حوله، واستغفارهم للمؤمنين.

••ذكر الصيغة التي توجهوا إلى الله بها في استغفارهم للمؤمنين.

بعد أن أخبر سبحانه عن استغفار ملائكته للمؤمنين ذكر صيغة استغفارهم: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) فابتدؤوا استغفارهم بالنداء: (رَبَّنَا) لأنه أبلغ في التصريح، وأرجى لحصول الإجابة، ثم توسلوا إليه سبحانه بالثناء عليه بسعة الرحمة والعلم لتحقيق مطلبهم 72.

الموضع الثاني: قوله تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ? وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ ? أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الشورى: 5] .

تضمنت هذه الآية الكريمة: إخبار الله عن الملائكة بأنهم يستغفرون لمن في الأرض.

واختلف في عموم هذه الآية: هل هي باقية على عمومها، أو يخصص هذا العموم بقوله تعالى: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) [غافر:7] .

على قولين:

القول الأول: أن هذه الآية باقية على عمومها، وعلى هذا يكون المراد بالملائكة عمومهم، وأن استغفارهم يعم المؤمن والكافر، ويكون المراد باستغفارهم للكفار هنا: السعي فيما يستدعي المغفرة لهم، وتأخير عقوبتهم؛ طمعًا في إيمان الكافر وتوبة الفاسق 73، وعلى هذا القول يدخل المؤمنون فيه دخولًا أوليًا 74.

وقد رجح هذا القول: ابن عطية والقرطبي والألوسي.

القول الثاني: أن هذا العموم مخصص بقوله تعالى في سورة غافر: (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) وعلى هذا القول يكون المراد بالملائكة: حملة العرش، وأن استغفارهم يخص المؤمنين فقط؛ فيكون الاستغفار حينئذٍ بمعنى طلب المغفرة لخطايا المؤمنين وذنوبهم 75؛ وذلك مصداقًا لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ? وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ?43?) [الأحزاب: 43] .

وقد رجح هذا القول: ابن جرير والبغوي وأبو حيان وابن كثير والشنقيطي.

والذي يظهر رجحان القول الثاني؛ وذلك لأن الاستغفار للكفار أمر محرم.

كثر ذكر استغفار الأنبياء والرسل عليهم السلام في القرآن الكريم، ومسارعتهم إلى طلب مغفرة الله، واستجابة الله لهم، وعدد الذين ورد استغفارهم في القرآن وصل إلى عشرة أنبياء؛ وهم:

••آدم عليه السلام.

••نوح عليه السلام.

••إبراهيم عليه السلام.

••يعقوب عليه السلام.

••يوسف عليه السلام.

••موسى عليه السلام.

••داود عليه السلام.

••سليمان عليه السلام.

••يونس عليه السلام.

••محمد-عليه الصلاة والسلام-.

وسأتطرق إلى ذكر بعض استغفارات هؤلاء الأنبياء:

••استغفار آدم عليه السلام.

إن آدم وزوجه حواء عليهما السلام طلبا المغفرة والرحمة منه -جلا وعلا-.

قال تعالى: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23] .

ففي هذه الآية أمران:

••الاعتراف بالذنب.

سارع آدم عليه السلام وزوجه بعد وقوعهما في معصية الله إلى طلب مغفرة الله ورحمته؛ متوسلين إليه سبحانه بربوبيته، ثم بالاعتراف بذنبهما 76، والإقرار بظلمهما لأنفسهما.

••سؤال المغفرة والرحمة.

وبعد الاعتراف بظلمهما لأنفسهما طلبا المغفرة والرحمة من الله سبحانه بقولهما: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ?23?) [لأعراف: 23] .

وهذا خبر يتضمن طلب المغفرة والرحمة، فهما لم يسألا الله المغفرة والرحمة مباشرة؛ وإنما أخبرا أنه إن لم يغفر لهما ذنبهما ويرحمهما خسرا وهلكا، وهذا أبلغ من جهة العلم والبيان.

••استغفار نوح عليه السلام.

جاء الاستغفار الصادر من نوح عليه السلام في موضعين من القرآن الكريم، وبمناسبتين مختلفتين؛ وهما ما يلي:

الموضع الأول: استغفاره بمناسبة سؤال الله ما ليس له به علم واتعاظه بوعظ الله:

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ? وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ?47?) [هود: 47] .

سارع نوح عليه السلام في هذه الآية بإجابة كلام ربه بما يدل على التنصل مما سأل، فاستعاذ بما لقنه به ربه مبالغة في التوبة، وإظهارًا للرغبة والنشاط فيها 77.

قال تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) [هود: 47] .

وهذا اعتراف منه عليه السلام بذنبه، ثم اشتغل بالاعتذار عما مضى، فقال: (وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وهذا خبر منه عليه السلام بأن الله إن لم يغفر له ويرحمه خسر، وهو يتضمن سؤال المغفرة والرحمة، وهو أبلغ من جهة العلم والبيان.

الموضع الثاني: استغفاره بمناسبة وحي الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن:

قال تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) [نوح: 28] .

بعدما دعا نوح عليه السلام على الكفار بالهلاك توجه إلى الله سبحانه بطلب المغفرة لنفسه.

قال تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي) أي: استر على ذنوبي، وتجاوز عني، ولا تؤاخذني بها، ثم ثنى بالدعاء بطلب المغفرة لأقرب الناس إليه وأحقهم بدعائه، وهما والداه وكانا مؤمنين 78، ثم دعا بالمغفرة لكل من دخل منزله وهو مؤمن، ثم عمم الدعوة لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث؛ وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، وقد شمل دعاؤه هذا كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين بالهلاك والخسران في الدنيا والآخرة، واستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالكلية 79.

••استغفار إبراهيم عليه السلام.

ورد استغفار إبراهيم عليه السلام في ثلاثة مواضع من القرآن؛ وذلك في مناسبتين مختلفتين.

أولًا: استغفاره بمناسبة قدومه إلى مكة وإسكان ذريته فيها:

قال تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم: 41] .

ابتدأ إبراهيم عليه السلام استغفاره بالتوسل إلى الله سبحانه بربوبيته سبحانه وتعالى قائلًا: (رَبَّنَا) ثم طلب المغفرة لنفسه، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره، وهما والداه، وطلبه الغفران لأبيه هنا كان قبل أن يتبرأ منه لما تبين له عدوانه لله، ثم أتبعه بطلب المغفرة للمؤمنين بالله ممن اتبعه على الدين الذي هو عليه؛ فأطاع الله في أمره ونهيه؛ وذلك يوم يحاسب الله عباده؛ فيجازيهم على أعمالهم 80، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

ثانيًا: استغفاره بمناسبة رفض أبيه وقومه لدعوة التوحيد التي دعاهم إليها:

ورد استغفار إبراهيم عليه السلام بهذه المناسبة في موضعين من القرآن الكريم؛ وهما ما يلي:

أولًا: قوله تعالى: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء: 82] .

ثانيًا: قوله سبحانه: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الممتحنة: 5] .

صيغة الاستغفار الأول عبارة عن إخباره عليه السلام بالطمع والرجاء في مغفرة الله، وكان جازمًا في ذلك عليه السلام 81.

وهذا الخبر يتضمن طلب المغفرة من الله سبحانه.

وكذلك دعا بطلب المغفرة، هو ومن آمن معه بقولهم: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الممتحنة: 5] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت