فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 2431

اليأس

أولًا: المعنى اللغوي

اليأس مصدر فعله يئس، قال ابن فارس: «الياء والهمزة والسين، كلمتان: إحداهما اليأس: قطع الرجاء، ويقال: إنه ليست ياء في صدر كلمة بعدها همزة إلا هذه، يقال منه: يئس ييأس وييئس، على يفعل ويفعل، والكلمة الأخرى: ألم تيأس، أي: ألم تعلم، أي: أفلم يعلم» 1.

واليأس: القنوط، وهو قطع الأمل عن الشيء، وقد يئس من الشيء ييأس من باب فهم، وفيه لغة أخرى: أيس يأيس، والتأييس: الاستقلال، يقال: ما أيسنا فلانا خيرًا، أي: ما استقللنا منه خيرا، أي: أردته لأستخرج منه شيئا فما قدرت عليه 2.

وذكر ابن منظور في اللسان: أن مصدرها اليأس واليآسة واليأس، وقد استيأس وأيأسته، والجمع يؤوس، ويقال: يئست المرأة إذا عقمت فهي يائسٌ كما يقال: حائضٌ وطامثٌ فإن لم يذكر الموصوف قلت: يائسةٌ وأيئسها الله إياسًا 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

قال ابن الجوزي: هو «القطع على أن المطلوب لا يتحصل لتحقيق فواته» 4، وأيضًا من خلال المعنى اللغوي السابق، ومعاني الآيات التي وردت فيها لفظة اليأس يمكن الخروج بتعريف اصطلاحي لكلمة اليأس وهو: قنوطٌ وإحباط يصيب الإنسان، فيفقد الأمل في إمكان تغير ما حوله.

وردت مادة (يأس) في القرآن الكريم (13) مرة 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 7 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) } [الممتحنة:13]

الفعل المضارع ... 3 ... {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [يوسف:87]

صيغة المبالغة ... 3 ... {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) } [الإسراء:83]

وجاء اليأس في القرآن على وجهين 6:

الأول: القنوط، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [يوسف:87] . يعني: لا تقنطوا.

الثاني: العلم، ومنه قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد:31] . أي: أفلم يعلم.

القنوط:

القنوط لغةً:

«القاف والنون والطاء كلمة صحيحة تدل على اليأس من الشيء» 7.

وقيل: القنوط: الإياس من الخير، ويقال: شر الناس الذين يقنطون الناس من رحمة الله، أي: يؤيسونهم 8.

القنوط اصطلاحًا:

«اليأس من الرحمة» 9.

الصلة بين اليأس والقنوط:

اليأس: انقطاع الطمع من الشيء، والقنوط: أخص منه، فهو أشد اليأس 10.

وقال الراغب الأصفهاني القنوط: اليأس، وقيل هو من الخير، فهو أخص من مطلق اليأس 11.

الخيبة:

الخيبة لغة:

الخاء والياء والباء أصل واحد يدل على عدم فائدة وحرمان، وقالوا: سعى في أمر فخاب، وذلك إذا حرم فلم يفد خيرًا 12.

وقال ابن منظور: والخيبة بمعنى: الخسران والكفر، أي: خاب إذا خسر، وخاب إذا كفر 13.

الخيبة اصطلاحًا:

قال الراغب الأصفهاني الخيبة معناها: «فوت الطلب» 14.

وقال أبو هلال العسكري إنها: «المنقطع عما أمل» 15.

الصلة بين اليأس و الخيبة:

اليأس: قد يكون قبل الأمل وقد يكون بعده، أما الخيبة: فلا تكون إلا بعد الأمل، لأنها امتناع نيل ما أمل 16.

الحزن:

الحزن لغة:

بضم الحاء المهملة وسكون الزاي كما ذكر ابن فارس - الحاء والزاء والنون أصل واحد، وهو خشونة الشيء وشدةٌ فيه 17.

والحزن - بضم الحاء وسكون الزاء - والحزن - بفتح الحاء والزاء: خلاف السرور، الواحدة حزنة 18.

الحزن اصطلاحًا:

«عبارة عما يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب في الماضي» 19.

وقيل: انكسار الفؤاد لفوات المراد، وقيل: زوال قوة القلب لدوام وارد الكرب 20.

الصلة بين اليأس والحزن:

اليأس: وجود الغم والهم بشكل كبير في اليائس، الحزن: وجود الغم والهم ليس بكثرة ما هو موجود في اليأس، وذهابه أسرع مما لو كان في اليأس.

الأمل:

الأمل لغة:

الهمزة والميم واللام أصلان: الأول التثبت والانتظار، والثاني الحبل من الرمل، والأمل: الرجاء 21.

الأمل اصطلاحًا:

ذكر المناوي أنه: «توقع حصول الشيء، وأكثر ما يستعمل فيما يبعد حصوله» 22.

وقيل: «الأمل بفتح الميم هو ما يحدث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه» 23.

الصلة بين اليأس والأمل:

اليأس: من كل شيء سواء أكان خيرًا أم شرًا، ويستبعد حصوله بالكلية، والأمل: ما يكون في الخير، وقد يحصل ما تأملناه، وقد لا يحصل.

اليأس في النساء أمر قدره الله سبحانه وتعالى على بنات حواء، وذلك يحصل عندما تصل المرأة إلى مرحلة تنقطع فيها الدورة الشهرية عنها، وتلك ظاهرة طبيعية تحدث لدى كل النساء عندما تصل في الغالب إلى عمر يتجاوز الأربعين سنة، وهن القواعد اللاتي لا يرجى حيضهن، أي ييأسن من المحيض، ولا ينتظرونه بعد طول انقطاع، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه العزيز لما يترتب عليه من أحكام لا بد من معرفتها؛ لتجنب الوقوع في المحذور الذي نهى الله عنه.

قال تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) } [الطلاق:4] .

قال مقاتلٌ: لما نزلت: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} [البقرة:228] .

قال خلاد بن النعمان بن قيسٍ الأنصاري: يا رسول الله فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وفي رواية أخرى أخبرنا أبو إسحاق المقرئ، عن أبي عثمان عمرو بن سالمٍ قال: (لما نزلت عدة النساء في سورة البقرة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعبٍ: يا رسول الله، إن نساءً من أهل المدينة يقلن قد بقي من النساء من لم يذكر فيها شيءٌ، قال:(ما هو؟) قال: الصغار والكبار وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} إلى آخرها 24.

والمعنى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} أي: بلغن سن اليأس وذلك بأن تبلغ المرأة ستين سنة، ويقال خمسين، وقد ثبت إياسها وتيقن ذلك منها من دون شكٍ في إياسها، وقوله: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} أي: إن شككتم في عدتهن، {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} ، فقام رجل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو كانت صغيرة، كيف عدتها؟

وقام آخر وقال: لو كانت حاملًا، كيف عدتها؟ فنزل قوله: {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} يعني: المرأة التي لم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة، وقوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} يعني: عدتهن أن يضعن حملهن وقال عمر رضي الله عنه: لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره، قبل أن يدفن في حفرته، لانقضت عدتها وحلت للأزواج، وروى الزهري، عن عبد الله، عن أبيه: (أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يومًا، فمر بها السنابل بن بعكك، فقال لها: أتريدين أن نتزوج؟ فقالت: نعم، قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: قد حللت للزواج يعني: انقضت عدتك) 25.

وذكر الجصاص في أحكام القرآن: أن معنى قوله: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} لا يخلو من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ:

الوجه الأول: إما أن يكون المراد الارتياب في أنها آيسةٌ وليست بآيسةٍ.

الوجه الثاني: الارتياب في أنها حاملٌ أو غير حاملٍ.

الوجه الثالث: ارتياب المخاطبين في عدة الآيسة والصغيرة.

أما بالنسبة للوجه الأول فهو غير جائزٍ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أثبت من جعل الشهور عدتها أنها آيسةٌ، والمشكوك فيها لا تكون آيسةً لاستحالة مجامعة اليأس الرجاء إذ هما ضدان لا يجوز اجتماعهما 26.

وذكر في كتاب تأويلات أهل السنة: أنهم اختلفوا في قوله: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} أي أنه أريد به إن ارتبتم في حيضهن أو في عدتهن، والصحيح الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن، لقال الله عز وجل: (إن ارتبتن) أو يقول: (واللائي ارتبن) ليكون منسق مع قوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} فلما قال: {ارْتَبْتُمْ} ثبت أن المراد: إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم، فيكون عدتهما بالأشهر 27.

وذكر الطبري في قوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ} «اليائسة من المحيض هي التي لا ترجو محيضًا للكبر، ومحال أن يقال: واللائي يئسن، ثم يقال: ارتبتم بيأسهن، لأن اليأس: هو انقطاع الرجاء والمرتاب بيأسها مرجو لها، وغير جائز ارتفاع الرجاء ووجوده في وقت واحد، فإذا كان الصواب من القول في ذلك ما قلنا، فبين أن تأويل الآية: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم بالحكم فيهن، وفي عددهن، فلم تدروا ما هن، فإن حكم عددهن إذا طلقن، وهن ممن دخل بهن أزواجهن، فعدتهن ثلاثة أشهر، {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} يقول: وكذلك عدد اللائي لم يحضن من الجواري لصغر إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول» 28.

وقوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في انقضاء عدتهن أن يضعن حملهن، وذلك إجماع من جميع أهل العلم في المطلقة الحامل، فأما في المتوفى عنها ففيها اختلاف بين أهل العلم، وتم الإشارة إليه من قبل.

ذكر من قال: حكم قوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} عام في المطلقات والمتوفى عنهن.

قال ابن مسعود: من شاء لاعنته، ما نزلت: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، وإذا وضعت المتوفي عنها فقد حلت؛ يريد بآية المتوفى عنها {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] .

قال الشعبي: من شاء حالفته لأنزلت النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر والعشر التي في سورة البقرة.

قال علي رضي الله عنه في قوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} المطلقات، ثم قال الشعبي: إن عليًا وعبد الله رضي الله عنهما كانا يقولان في الطلاق بحلول أجلها إذا وضعت حملها.

وعن أبي بن كعب، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال: قلت: يا رسول الله، المتوفى عنها زوجها والمطلقة، قال: (نعم) .

عن السدي، قوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} قال: للمرأة الحبلى التي يطلقها زوجها وهي حامل، فعدتها أن تضع حملها.

وقال آخرون: ذلك خاص في المطلقات، وأما المتوفى عنها فإن عدتها آخر الأجلين، وذلك قول مروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما.

والصواب من القول في ذلك: أنه عام في المطلقات والمتوفى عنهن؛ لأن الله عز وجل عم ذلك بقوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ولم يخصص في هذه الآية مطلقةً ولا متوفى عنها بل شمل كل أولات الأحمال، فإن ظن ظان أن قوله: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفى عنهن، فالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهن، وعن المتوفى عنهن، فإن الأمر بخلاف ما ظن، وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عنهن، بل هو خبر مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهن وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض، فهو على عمومه 29.

وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ} يعني: يصبر على طاعة الله تعالى، {يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} يعني: ييسر له أمره، ويوفقه لطاعته ويعصمه عن معاصيه، ثم قال الله عز وجل: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ} يعني: هذا الذي ذكر حكم الله وفريضته، {أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ} يعني: أنزله في القرآن على نبيكم، ومن يتق الله ويعمل بأحكامه وفريضته، يكفر عنه سيئاته في الدنيا، ويعظم له أجرًا يعني: ثوابًا في الجنة 30.

صور اليأس متعددة، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، للوقوف عليها لفهمها ومعرفتها، وبالتالي تجنب الوقوع فيها؛ لنهي الله عنها وتحريمها، وفي المقابل دعا إلى الأمل والتفاؤل والثقة بالله عز وجل.

أولًا: اليأس من نصر الله:

نجد في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى قد وعد عباده المؤمنين بالنصر والنجاة والدفاع والولاية على وجه العموم، لقوله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47] .

وقوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غافر:51] .

وقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) } [يونس:103] .

وقوله تعالى أيضًا: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38] .

عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر) 31، والمسلمون مهما حل بهم من الضيق فإنهم يبقون المخاطبين بقول الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [آل عمران:139] .

ولكن ما يراه المسلمون من انتشار الباطل والبطش بهم، وسيطرة وتحكم أعداء الدين في كثير من أمور الاسلام والمسلمين، قد توجد مكانًا لليأس والقنوط و الحزن في نفوسهم من نصر الله عز وجل لهم على أعدائهم، وبيان ذلك على النحو الآتي:

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) } [يوسف:110] .

المعنى: «استيأس الرسل: أي: يئسوا من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كذبوا أي: ظن الأمم المرسل إليهم أن الرسل قد أخلفوا ما وعدوا به من النصر، ولا يرد بأسنا أي: عذابنا الشديد، عن القوم المجرمين أي: الذين أجرموا على أنفسهم بالشرك والمعاصي وأجرموا على غيرهم بصرفهم عن الإيمان» 32.

وقرئ: (فننجي) ، بالتخفيف والتشديد، من أنجاه ونجاه، على لفظ الماضي المبنى للمفعول.

وقرأ ابن محيصن: فنجا، والمراد فننجي من نشاء أي: المؤمنون؛ لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم. وقد بين ذلك بقوله {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} 33.

«يبشر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالنصر ويخبره بسنة إلهية دائمة: وهي مجيء النصر الإلهي للرسل عليهم السلام، عند اشتداد الأزمة وانتظار الفرج الرباني، وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم تكذيبًا لا إيمان بعده، وصمموا على ذلك، ولا انحراف عنه، وتكون العاقبة هي الإتيان بنصر الله فجأة، فينجي الله من يشاء، وهم النبي والمؤمنون معه، ويحل العقاب بالمكذبين الكافرين، ولا يرد بأس الله، أي: لا يمنع عقاب الله وبطشه عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله، وكذبوا رسله.

وفي هذا تهديد ووعيد لكفار قريش وأمثالهم، لإعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وبدعوته، وبما أنزل الله من القرآن المجيد لأن في قوله تعالى: {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا} أي: عذابنا وعيدًا بينا، وتهديدًا صريحًا لمعاصري محمد عليه الصلاة والسلام» 34.

وذكر محمد حجازي أن معنى الآية هو: ظن القوم أن الرسل قد كذبوا فيما جاءوا به من الوعد والوعيد، حتى إذا يئسوا وظنوا الظنون جاءهم نصرنا وأمرنا، ولا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه، فنجا المؤمنون الذين أراد الله لهم النجاة فآمنوا، أما الكافرون فحاق بهم البأس والعذاب من كل جانب، ولا يرد بأس الله عن القوم المجرمين 35.

ومنطلقًا من ذلك ينبغي أن لا نجعل اليأس يتغلغل في أنفسنا، وإنما علينا أن نتذكر أمرًا مهمًا وهو أنه بين لنا في كتابه العزيز أيضًا كيد أعداء الإسلام ومكرهم وعمق حقدهم وبطشهم بالمسلمين لأخذ الحيطة والحذر منهم، لقوله تعالى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) } [إبراهيم:46] .

أي: «مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم وعند الله مكرهم لا يخلوا إما أن يكون مضافا إلى الفاعل على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافا إلى المفعول على معنى: وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون، {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلًا لتفاقمه وشدته» 36.

وأعقب ذلك مباشرةً بوعده لأوليائه المؤمنين، بالنصر والعلو والظهور عليهم: لقوله تعالى: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) } [إبراهيم:47] .

أي: « {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ} يا محمد {مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} ما وعدهم من الفتح والنصر {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} منيع {ذُو انْتِقَامٍ} من الكفار يجازيهم بما كان من سيئاتهم» 37.

فكيف إذًا نتذكر كيد العدو وبطشه فنخشاه، وننسى أو نهمل وعد الله لنا بالعز والنصر والتمكين؟

ويستفاد من ذلك: أن المؤمنين حقًا هم الذين لا يجعلون لليأس مكان في قلوبهم مهما حصل معهم في المعارك، وما رأوه على أرض الواقع، وإنما يستفيدون من ذلك، ويتخذون الأسباب المؤدية بهم إلى النصر والفتح والظهور على الدين كله، من تربيةٍ وإعدادٍ، وأخوةٍ إيمانيةٍ، وصفٍ موحدٍ بينهم، مع الثقة الكبيرة بنصر الله سبحانه وتعالى لهم، وإلا فإن نصر الله للمسلمين وهم على ما هم عليه من الفرقة والشتات والرخاوة والضعف، لن يتحقق فيضيعون بذلك، ويضيعون معهم الأمة، ويقضى على الإسلام، والله المستعان.

ثانيًا: اليأس من رحمة الله:

قد يعتري الإنسان جهلٌ بربه سبحانه وتعالى وبحقيقة سننه في تعامله مع عباده، القائمة على أساس الرحمة والعفو والتسامح، وفتح باب التوبة والإنابة إليه، وجهله بذلك يجعله يسيء الظن بربه.

وقد ذكر الله ذلك في كتابه، في قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] .

كيف وإن وجدت أسباب تدفعه للوصول إلى مرحلة اليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى؟ وتلك الأسباب هي:

حينما يدرك الانسان أن ذنوبه كثيرة، كما يقال مثل زبد البحر، نتيجة فعله المعاصي والآثام والإكثار منها، فيصل إلى مرحلة يظن فيها أن الله سبحانه وتعالى لن يسامحه ولن يكفر عنه ذنوبه، وبالتالي لن يرحمه دنيا وآخرة، وهذا غير صحيح بدليل قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى? أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53] .

قال ابن عباسٍ: نزلت في أهل مكة قالوا: يزعم محمدٌ أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله إلهًا آخر وقتلنا النفس التي حرم الله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت