أولًا: المعنى اللغوي:
كسب: الكاف والسين والباء: أصلٌ صحيحٌ، وهو يدل على ابتغاءٍ وطلبٍ وإصابةٍ. ويقال: كسب أهله خيرًا، وكسبت الرجل مالًا فكسبه. وهذا مما جاء على فعلته ففعل 1. والكسب: ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع، وتحصيل حظ، ككسب المال، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به مضرة. والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره 2، وكسب: أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد 3، وتكسب، واكتسب: طلب الرزق، وأصله الجمع 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: «الكسب: هو المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولا يوصف فعل الله بأنه كسب؛ لكونه منزهًا عن جلب نفع أو دفع ضرر» 5.
وقال أبو حيان: «والكسب: أصله اجتلاب النفع، وقد جاء في اجتلاب الضر» 6، وقال الطبري: «وأصل الكسب: العمل. فكل عامل عملًا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل» 7.
وبهذا يظهر أن الكسب هو جلب النفع، وقد يستخدم في الشر، وفي هذه الحالة يكون من باب التحقير والسخرية والاستهزاء، كما قال تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81] .
والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفاده لنفسه. وكل اكتساب كسب، وليس كل كسب اكتسابًا 8.
وردت مادة (كسب) في القرآن الكريم (67) مرة 9.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 43 ... {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) } [المسد:2]
الفعل المضارع ... 24 ... {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء:111]
وجاء الكسب في القرآن على أربعة أوجه 10:
أحدها: الرشوة: ومنه قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] . يعني: يرتشون.
الثاني: الولد: ومنه قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} [المسد: 2] . يعني: وما ولد؛ قاله مجاهد.
الثالث: الجمع: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267] . أي: مما جمعتم.
الرابع: العمل: ومنه قوله تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] . أي: عملت.
الكدح:
الكدح لغةً:
(كدح) الكاف والدال والحاء: أصلٌ صحيحٌ يدل على تأثيرٍ في شيءٍ. يقال: كَدَحَهُ وكَدِحَهُ: إذا خدشه. ومن هذا القياس كدح إذا كسب، يَكْدَحُ كَدْحًا فهو كادحٌ 11، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر. ويكدح لنفسه، أي: يسعى 12.
الكَدْحُ اصطلاحًا:
سعي الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يؤثر فيه 13.
الصلة بين الكسب والكدح:
الكسب يكون بجهد وبغير جهد، وأما الكدح فلا يكون إلا بجهد 14.
الخسران:
الخسران لغة:
خسر: الخَسْرُ: النقصان، والخُسْراِنُ كذلك، والفعل: خَسِرَ يَخْسَرُ خسرانًا، والخاسر: الذي وضع في تجارته، ومصدره: الخَسارَةُ والخَسْرُ. كِلْتُهُ ووَزَنْتُهُ فَأَخْسَرْتُهُ، أي: نقصته، وقوله عز وجل: {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [الطلاق: 9] .
أي: نقصًا. وصفقة خاسرةٌ، أي: غير مربحة 15.
الخسران اصطلاحًا:
هو فقدان الأعمال والأموال والأهل والأجر والثواب في الدنيا والآخرة، بسبب ضلال السعي والانحراف عن دين الله.
الصلة بين الكسب والخسران:
الكسب في الأصل يكون بالزيادة، والخسران بالنقص.
الإضاعة:
الإضاعة لغة:
(ضيع) الضاد والياء والعين: أصلٌ صحيحٌ يدل على فوت الشيء وذهابه وهلاكه، يقال: ضاع الشيء يَضِيُع ضياعًا وضيعةً، وأضعته أنا إضاعةً 16.
الإضاعة اصطلاحًا:
الإهمال، تقول: أضعت الشيء، أي: أهملته فلم أحفظه 17.
الصلة بين الكسب والإضاعة:
الكسب يقوم على الحصول على الشيء، والاضاعة على إتلافه.
إن علم الله عز وجل محيط بكل شيء، لا يخفى عليه شيء؛ فهو عالم بما كان وما يكون، وما لو كان كيف يكون، ومن هذا العلم كسب الإنسان خيرًا كان أم شرًّا، فجاء هذا البحث يتحدث حول مدى علم الله وإحاطته بكسب العباد من خير وشر.
أولًا: علم الله بكسب العباد من خير وشر:
قال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] .
يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره، المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم من سواه، هو الله الذي هو في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، فلا يخفى عليه شيء 18، فالله هو المألوه المعبود في السموات وفي الأرض، فأهل السماء والأرض متعبدون لربهم، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزه وجلاله، والملائكة المقربون، والأنبياء والمرسلون، والصديقون، والشهداء والصالحون 19.
وقد ذكر المولى عز وجل في هذه الآية وصفين جليلين فيهما تذكير وتبشير وإنذار:
أولهما: أنه {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} فإنه يعلم ما تظهره الجوارح وما تخفيه السرائر، يعلم ما يجري على الإنسان وما تخفي الصدور، فإن حاسب على ما يفعلون، فحسابه حساب اللطيف الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أنى يكون، وهو مجاز على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ، وهو من بَعْدُ الغفور الرحيم.
الوصف الثاني: أنه {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} من خير أو شرٍّ، ولكل ذلك حسابه من هنا إلى يوم القيامة 20.
يستفاد من الآية إثبات صفة العلم لله تعالى، وأنه تعالى: {لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5] .
{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] .
فالحذر الحذر من مخالفته وعصيان أمره!!
وفي آية ثانية يذكر المولى - سبحانه وتعالى القديم الأزلي بمكر الماكرين وتآمر المتأمرين- مبينًا لنبيه صلى الله عليه وسلم أنَّ مكر هؤلاء هو يبور، فقال تعالى: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 42] .
أي: قد مكر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريشٍ من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورسله، فلله أسباب المكر جميعًا، وبيده وإليه، لا يضر مكر من مكر منهم أحدًا إلا من أراد ضُرَّهُ به، يقول: فلم يضر الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضره ذلك، وإنما ضروا به أنفسهم؛ لأنهم أسخطوا ربهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم، ونَجَّى رسله، فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يمكرون بك، يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحقٌ ضَرَّ مكرهم بهم دونك، فإن ربك يا محمد يعلم ما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلق كلهم، لا يخفى عليه شيء منها، وسيعلمون إذا قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون بالله ورسوله الجنة 21.
وهذا وعيد شديد وتهديد لكل كافر ماكر، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم 22.
ثانيًا: كسب العباد في المستقبل غيب لا يعلمه إلا الله:
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] .
هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] .
وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا {تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} في دنياها وأخراها، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس: مفاتيح الغيب 23.
ولما خصص هذه الأشياء، عمم علمه بجميع الأشياء فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} ، محيط بالظواهر والبواطن، والخفايا والخبايا، والسرائر، ومن حكمته التامة، أن أخفى علم هذه الخمسة عن العباد؛ لأن في ذلك من المصالح ما لا يخفى على من تدبر ذلك 24.
وفي آية ثانية بين المولى عز وجل علمه المطلق الشامل لعظائم الأشياء ودقيقها، فقال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .
هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها ويشتمل عليه ماؤها. {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ} من أشجار البر والبحر، {إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق وغيرها من أصناف النباتات إلا في اللوح المحفوظ 25.
يستفاد من الآية: أن كل مدَّعٍ لمعرفة الغيب من الجن والإنس فهو طاغوت يجب لعنه ومعاداته، وأما من ادعى اليوم من أنه بواسطة الآلات الحديثة قد عرف ما في رحم المرأة فهذه المعرفة ليست داخلة في معنى الآية؛ لأنها بمثابة من فتح البطن ونظر ما فيه فقال: هو كذا، وذلك لوجود أشعة عاكسة، أما المنفي عن كل أحد إلا الله أن يقول المرء: إن في بطن امرأة فلان ذكرًا أو أنثى، ولا يقرب منها ولا يجربها في ولادتها السابقة، ولا يحاول أن يعرف ما في بطنها بأية محاولة 26.
جاء في الصحيح: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مفتاح الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر) 27.
لاشك أن أنواع الكسب كثيرة ومتعددة، وسيتم الاختصار في هذه السطور على صور من أنواع الكسب في القرآن الكريم من خلال كسب الصالحات، وكسب السيئات وكسب الأموال.
أولًا: كسب الصالحات:
قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] .
يبين المولى عز وجل في هذه الآية أن كسب الصالحات متحقق ومقبول قبل طلوع الشمس من مغربها، أما بعد ذلك تصبح الأعمال اضطرارية لا اختيارية، فلا قيمة لها، حيث بين المولى عز وجل أنه في هذا اليوم يبطل التكليف الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنها حالة لا تمتنع نفسٌ من الإقرار بالله، لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحكم إيمانهم، كحكم إيمانهم عند قيام الساعة، وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله؛ لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار، ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدقًا، ولفرائض الله مضيعًا، غير مكتسب بجوارحه لله طاعة؛ إذا هي طلعت من مغربها أعماله إن عمل، وكسبه إن اكتسب؛ لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك 28.
يستفاد من هذه الآية: أن على الإنسان أن يبادر بالأعمال الصالحة والتوبة النصوحة قبل أن يفجأه الموت أو أن يُغْلَقَ بابُ التوبة.
جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} ) 29.
وفي آية أخرى يبين المولى عز وجل حال المؤمن الذي يبتغي بعمله وجه الله، ويسعى لمرضات الله، فقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [البقرة: 201 - 202] .
أي: ومنهم من يطلب خير الدنيا والآخرة جميعًا، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت كالفريق الأول.
وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية، أو الكفاف، أو المرأة الصالحة، أو الأولاد الأبرار، أو المال الصالح، أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة؟
والظاهر أن {حَسَنَةً} وصفٌ لمحذوف أي: حياة حسنة، وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدًا في الدنيا، فمن دعا الله تعالى دعاء إجماليًّا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة فيهما يكن مهتديا بالآية. ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة فهو مهتد بها، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضًا فقيل: الجنة، وقيل: الرؤية، واختلفوا في عذاب النار، وقد بينت الآية صريحًا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص في معنى الدعاء، وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقًا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب، والسعي في الطرق التي مضت سنة الله تعالى؛ ولهذا قال: {مِمَّا كَسَبُوا} ولم يقل: لهم ما طلبوا. والمعنى: أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره 30.
يستفاد من الآية أن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب ولا ينافي ذلك التوكل على الله؛ لأن التوكل الحقيقي على الله يكون بالأخذ بالأسباب مع التوكل على مسبب الأسباب وهو الله تعالى، وأن الاعتماد على الأسباب بالكلية قدح في الشرع، كما أن ترك الأسباب بالكلية قدح في العقل، والأخذ بالأسباب جزء من حقيقة التوكل على الله.
جاء في الصحيح عن أنسٍ، قال: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار) 31.
ثانيًا: كسب السيئات:
قال تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] .
في هذه الآية يبين لنا المولى سبحانه وتعالى صورة من صور كسب السيئات، وهو الشرك بالله تعالى، حيث ذكر الكسب وهو جلب النفع، واستعماله هنا في السيئة هو من باب التهكم، وأنسب الأقوال في تفسير السيئة هنا هو الشرك؛ لأنه إذا أحاط بالإنسان فإنه يهلكه ولا مغفرة فيه، فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط، ولكنهم كانوا كافرين مشركين. والدليل هو قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار؛ ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار 32.
ومن صور كسب السيئات اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، والاغترار بالدنيا الفانية، فقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [الأنعام: 70] .
حيث بينت الآية الكريمة كيف أن الله تعالى سيحاسب المقصرين واللاهين المفتونين بالدنيا وزينتها بالافتضاح والمؤاخذة، والحبس يوم القيامة، حيث يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَذَرِ} هؤلاء {الَّذِينَ اتَّخَذُوا} دين الله وطاعتهم إياه {لَعِبًا وَلَهْوًا} ، فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته، واللهو والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم، فأعرض عنهم، فإني لهم بالمرصاد، وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا، ونسيانهم المعاد إلى الله تعالى ذكره، والمصير إليه بعد الممات 33.
يستفاد من الآية وجوب الإعراض عن المستهزئين المغرورين بالدنيا، والتحذير من مجالستهم والركون إليهم.
ومن صور كسب السيئات الغلول من الغنيمة فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] .
القراءات: « (يغل) فقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وعاصمٌ بفتح الياء وضم الغين. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين» 34، «ومعنى القراءة بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أصحابه ويأخذ من الغنيمة خفية، وعلى القراءة الأخرى بضم الياء وفتح الغين يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخون فيتهم بالخيانة» 35.
ففي هذه الآية ينفي المولى عز وجل عن أنبيائه صفة الغلول، وهي من الكبائر التي نهى الله عنها، وتوعد فاعلها بالعذاب الأليم، ثم ذكر تعالى جزاء وعقوبة من يفعل ذلك فأخبرهم تعالى أن من أغل شيئًا يأت به يوم القيامة يحمله حتى البقرة والشاة، ثم يحاسب عليه كغيره ويجزى به، كما تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر ولا تظلم نفس شيئًا لغنى الرب تعالى عن الظلم وعدله 36.
يستفاد من الآية: عصمة النبي من الصغائر والكبائر، ووجوب الدفاع عنه أمام الذين يسيئون إليه بأي شكل من الأشكال، وخاصة في زماننا من أعداء الإسلام الذين ينشرون الرسوم المسيئة له، فداك يا رسول الله بأبي وأمي!
جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه قال: (لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعيرٌ له رغاءٌ، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك) 37.
ومن صور كسب السيئات التولي يوم الزحف، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] .
تتحدث الآية عن الصحابة الكرام، الذين انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل منهم، وقد حملهم الشيطان على الزلل، وهي الخطيئة بشؤم ذنوبهم بتركهم مركزهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم مغادرته، أو بقبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة 38.
ويعتبر التولي يوم الزحف من الكبائر بل هو من الموبقات السبع التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) 39.