فهرس الكتاب

الصفحة 1449 من 2431

-البيوت الخربة التي لا يذكر الله عز وجل فيها، ولا تتلى فيها آياته، ولا تقام فيها الصلوات، ويعصى الله فيها جهارًا نهارًا، فيكون أصحابها كالأموات، وقد أوصانا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قائلًا: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) 41. والمؤمن إذا رجع لبيته وذكر اسم الله وسلم على أهله، حضرت الملائكة وتنحى الشيطان، وأما المفرط إذا دخل بيته ولم يذكر الله وغنى وطرب، فقد آوى إلى بيته الخبث كله من الشياطين، وأصبح هذا المكان خبيثًا، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء) 42. وكل مكان يجتمع فيه شياطين الإنس والجن للفسوق والفجور من الملاهي الليلية وأماكن الرقص وشرب الخمر ولعب الميسر هي أماكن خبيثة.

-أماكن قضاء الحاجة، ولما كانت الشياطين خبيثة فإنها تألف مثل هذه الأماكن الخبيثة، قال تعالى: (? ? ? ) [النور: 26] . ولذلك تحضر الشياطين الأماكن التي يقضي فيها الإنسان حاجته، وتريد إتباع الأذية والضرر به.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) 43.

وفائدة هذه الاستعاذة: الالتجاء إلى الله عز وجل من الخبث والخبائث؛ لأن مثل هذه الأماكن خبيثة، والخبيث مأوى الخبثاء فهو مأوى للشياطين، فإذا أراد الشخص دخول الخلاء قال: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث) حتى لا يصيبه الخبث وهو الشر، ولا الخبائث وهي النفوس الشريرة 44.

خامسًا: الخبث في المطعومات والمشروبات:

لقد أحل القرآن الكريم أصنافًا من الأطعمة والأشربة ووصفها بالطيبة، كما حرم أصنافًا أخرى ووصفها بالخبث، وقد أثبت العلم الحديث أن كل الأطعمة والأشربة التي أحلها القرآن الكريم، واعتبرها رزقًا طيبًا، مفيدة للإنسان جسدًا وروحًا، وأن الأطعمة التي حرمها مضرة للإنسان جسدًا وروحًا كذلك.

قال تعالى: (چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ * ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ) [البقرة: 172 - 173] .

فالله جل جلاله أمرنا بأكل الحلال الطيب الذي تستطيبه النفس من حلال الرزق الذي أحله الله لنا، وشكره والثناء عليه على النعم التي أنعم بها علينا منقادين لأمره سامعين مطيعين، فلا نحرم ما أحل الله ولا نحلل ما حرم عز وجل، وقد كان الناس في الجاهلية يحرمون بعض المطاعم طاعة منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر بالله من الآباء والأسلاف. 45

ثم بين لهم سبحانه وتعالى ما حرم عليهم، وفصله لهم، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ) [المائدة: 3] .

أحلّ الله الطّيبات النافعة غير المحرّمات العشر المستخبثات وهي:

الميتة: وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه، من غير ذبح ولا اصطياد، ما عدا ميتة السمك والجراد

الدّم: وهو الدّم المسفوح السائل، لا الجامد كالكبد والطحال.

لحم الخنزير وشحمه وجلده وعظمه: وتحريمه لأنه حيوان قذر لا يأكل إلا القاذورات والفضلات العفنة.

ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله عز وجل.

المنخنقة: وهي التي تموت خنقًا، وهو حبس النّفس في الحلقوم، فهي نوع من الميتة.

الموقوذة: وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد كالعصا أو الحجر أو الحصاة حتى تموت بلا ذكاة شرعية.

المتردّية: هي ما سقطت من مكان عال كجبل أو سطح، أو الهاوية في بئر.

النّطيحة: وهي التي نطحتها بهيمة أخرى، فماتت، وهي حرام كالميتة.

ما أكل السّبع: وهي التي افترسها حيوان كالذئب والنّمر والسّبع، فتموت، فلا تؤكل لأنها ميتة، وتأنفها الطّباع.

ما ذبح على النّصب: أي الحجارة التي كانت حول الكعبة لا يؤكل؛ لأنه مما ذكر اسم غير الله عليه 46.

فهذه الأطعمة خبيثة محرمة لا يجوز للمؤمن أكلها إلا إذا كان مضطرًّا لذلك، قال تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [النحل: 114 - 115] .

قال تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ) [الأعراف: 157] .

من رحمات الله عز وجل بعباده الرحمة التي وعد في إحلال الطيبات التي حرمت عليهم بشؤم ظلمهم، ويحرم عليهم الخبائث كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة، ويخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة التي هي من قبيل ما كتب عليهم حينئذ 47.

فثبت أن الله جل جلاله أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبًا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا فعند تأمل هذا الموضع حق التأمل نجد أسرار الشريعة، ونرى محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها 48.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 90] .

الخمر هو المتّخذ من ماء العنب النّيء، وتشمل كل شراب مسكر خامر العقل وغطّاه، ووصف الله عز وجل هذا النوع من المشروبات بالرجس، ويقال للنتن والعذرة والأقذار: رجس، يحمله الشيطان ويزينه للعباد؛ لتضليلهم وجرهم إلى ما حرم سبحانه وتعالى، فأمرنا باجتنابه وإبعاده وجعله في منأى عنا، واقترنت صيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر، وقد مرّ تحريم الخمر للتّرويض وبالتدريج في مراحل أربع، ولا خلاف بين علماء المسلمين أن هذه الآية نزلت بتحريم الخمر بشكل قاطع 49.

وهذه الآية جمعت أسباب تحريم الخمر وكذلك الميسر والأزلام وهي:

-وصفت بكونها رجسًا، أي: قذرًا، حسًّا ومعنى، عقلًا وشرعًا.

-أنها من عمل الشيطان وذلك غاية القبح.

-أمر الله سبحانه وتعالى باجتنابها، والأمر بالاجتناب أشدّ تنفيرًا من مجرد النّهي عنها أو القول بأنها حرام، فهو يفيد الحرمة وزيادة وهو التنفير.

-جعل الله جل جلاله اجتنابها سببًا للفرح والفوز والنجاة في الآخرة 50.

اقتضت حكمة الله جل جلاله البالغة أن لا يجعل أمر هذا الدّين إلا في أيدي صفوته من عباده، وأمر هذا الدّين هو أخذه بحقه، ولوكره الكافرون.

وحتّى يكون هذا كان لا بدّ من سنة ربانية لا تتخلّف، وهي سنّة التمييز والتمايز، فالله سبحانه وتعالى هو العليم بعباده وما في قلوبهم، هو الخبير بمن خلق، ولكن تحقّق سنة التمايز التي لا تظهر للناس إلا في حال الابتلاء والمحن، فيظهر وقتها المعدن الحقيقي للأشياء من حولنا.

أولًا: تمييز الخبيث من الطيب:

لا بد أن يعقد الله سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179] .

يقول الطبري رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: إن الله ما كان ليدع المؤمنين على ما هم من التباس المؤمن منهم بالمنافق، فلا يعرف هذا المنافق المستتر بالكفر من المؤمن المخلص الصادق الإيمان إلا بالمحن والاختبار، كما ميز بينهم يوم أحد عند لقاء العدو عند خروجهم إليهم يوم أحد، فبالمحن والابتلاء ظهر المؤمنون بإيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله وظهر المنافقون بمخالفتهم ونكوثهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله 51.

إنّ هناك الطيب من الأفعال وخبيثها، ومن البشر كذلك قد يكون ظاهرًا وقد يكون مستترًا، وليس من سنة الله في أرضه أن تكون ظاهر الأعمال في كلّ الأحوال محل تعمية على الناس، فلا يستطيعون معها التفريق بين مؤمن ومنافق وبين طائعٍ وعاصٍ 52.

فالله يمحص ويبتلي عباده لتكون راية الحق خفاقة بأيدي طاهرة نقية ولا يصل إلى ذلك المبتغى إلا من نقّاهم الله سبحانه من الخبث وتوطّدت نفوسهم على الطيّب فقط، وصدّق ذلك كلّه أفعالهم ومواقفهم في عسرهم ويسرهم، في راحتهم كما في أزماتهم، في صغائر أمورهم وعظائمها.

ومعنى التمييز هو التفريق بين المتشابهات في بعض المظاهر ولكنها مختلفة في الحقيقة، فقد يكون الحق متلبسًا بالباطل والعكس صحيح، فيأتي الابتلاء والتمحيص مرة أخرى، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} [آل عمران:166 - 167] .

ففي هذ الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ومواساة لهم فيما أصابهم، فالمؤمن يرضى ويسلم بما قضاه الله وقدره.

فهذا البلاء من القتل والجرح والهزيمة ما كان إلا ليظهر المؤمن الصادق من غيره بثبوتهم في القتال والصد في سبيل الله، وليميز الله الخبيث من الطيب فأظهر الحق سبحانه الغير الصادقين في الإيمان، وذلك بإظهارهم الشماتة، فقد كشفهم الله في هذه الموقعة، وميز الصف الإسلامي منهم وقرر حقيقة موقفهم يومذاك، فقال الحق سبحانه: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 167] 53.

فأصبح من الواضح أن من لوازم التمايز في الجماعة الابتلاء، فإن التمايز هنا تحقيق لسنة الخالق استخراجًا للخبيث من بين الطيّب لينبذه لتعود الصحّة والعافية للجماعة على وجه أفضل وأسلم مما كانت عليه.

وهنا وقف المسلمون موقفا عظيمًا تشيب من هوله الولدان، وتتحطّم فيه الرجولة الزائفة وينكشف عوارها، كان موقفًا لا يصمد فيه إلا من أخلص لله وباع نفسه فيه لله.

يصف الله سبحانه وتعالى ذاك الموقف العظيم في كتابه العظيم فيقول: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 10 - 12] .

لقد اختبر المؤمنون بالحصر والقتال ليتبين المخلصون من المنافقين وبين الله موقف المنافقين وتربصهم الدوائر بالمسلمين، وانتحالهم الأعذار، واختلاق المبررات للتراجع والفرار، في انتظار النتيجة التي يتوقعون أن تكون على المسلمين لا لهم، فابتلي المؤمنون بهذه الفتنة العظيمة بالخوف والقلق، والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون، هذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر 54.

فهو امتحان عظيم، وابتلاء عزّ نظيره، غير أنه سنّة من ربّ العباد ليصفّي من خلاله أهل دينه من كلّ خبثٍ وخبيث، وليحصل التمييز عند المسلمين وعند الناس بين عباد الله الذين استقاموا على أمره، وبين من كان ثبوتهم على أمر الله مجرّد زعمٍ وادّعاء لم يجاوز حلاقيمهم فيفضحهم الله عز وجل في كتابه العزيز بقولهم: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12] .

وموقفهم هذا فيه ما فيه من الخبث الكامن في نفوسهم، وتخذيل المسلمين في هذا الموقف الحرج العصيب، غير أن حالهم هذا لم يكن له أثر في قلوبٍ آمنت بربها، فقال عنهم ربّ العالمين على لسانهم: {قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [الأحزاب:22] 55.

لقد كثرت الفتن، وذلك لكثرة مدعي الإيمان المنطوين تحت لواء الإسلام، وهم كغثاء السيل في الكثرة ولكنهم قلة في نصرة دينه وإعلاء كلمته والجهاد في مرضاته، فيأبى الله إلا أن يظهر الحقائق ويبتلي السرائر ويميز الخبيث من الطيب.

قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3] .

قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره: المراد: قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم بسبب إسلامهم، كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين 56.

قال مجاهد رحمه الله وغيره: نزلت هذه الآية مسلية ومعلمة لهم أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارًا وتمحيصًا للمؤمنين 57.

فسنّة الله في أي دعوة صادقة خالصة أن يتعرض أصحابها للمحن والابتلاءات لكي تنقى من خبثها ولا يبقى فيها إلا الطيب، إن هذا شأن السالكين إلى الله في كل زمان ومكان فلابد في هذا الطريق أن يصقله الابتلاء وأن تظهر معدنه المحنة.

وعن هذا يقول سيد قطب رحمه الله: «إن ذهاب الباطل ناجيًا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشًا فترة من الزمان، ليس معناه أن الله تاركه، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب، أو بحيث يضر الحق ضررًا باقيًا قاضيًا، وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان، ليس معناه أن الله مجافيه أو ناسيه! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه، كلا إنما هي حكمة وتدبير هنا وهناك يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق وليرتكب أبشع الآثام، وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق! ويبتلى الحق، ليميز الخبيث من الطيب، ويعظم الأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت، فهو الكسب للحق والخسار للباطل، مضاعفًا هذا وذاك! هنا وهناك!» 58.

ثانيًا: الخلط بين الخبيث والطيب:

إن الطيب والخبيث وإن كانا في بعض الأوقات غير معروفين وغير ظاهرين، ولكن في الكثير من الأوقات يكون أحدهما معروفًا يمكن التمييز بينهما، فالحرام بيّن والحلال بيّن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه) 59.

في الحديث دلالة على أن الأشياء من حيث الحكم ثلاثة أقسام:

1.حلال خالص لا شبهة فيه، كالملابس والمطاعم والمراكب المباحة.

2.حرام خالص لا شبهة فيه، كشرب الخمر والربا والزنا وأكل مال اليتيم ونحوها مما نص الشرع على تحريمه.

3.مشتبه بين الحلال والحرام، كالمعاملات والمطاعم التي يترد الناس في حكمها ويختلط الأمر عليهم.

وقد نهانا الله عن استبدال وخلط أموال اليتامى، فقال تعالى: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ?) [النساء: 2] .

فقد كانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فيأخذون أموال اليتامى ويبدلونها بأموالهم، ويقولون: اسم باسم ورأس برأس، مثل أن يكون لليتيم مائة شاة جياد فيبدلونها بمائة شاة هزلى لهم، ويقولون: مائة بمائة؛ فنهاهم الله عنها 60.

فالآية الكريمة تحذر من جمع وضم وخلط أموال اليتامى مع أموال الوصي عليهم، وعدم استبدال الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالهم الخاص فيأكلوها جميعًا فهذا ذنبٌ عظيم، فإن اليتيم بحاجة إلى رعاية وحماية؛ لأنه ضعيف، وظلم الضعيف ذنب عظيم عند الله 61.

قال سعيد بن جبير: «لا تبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام» 62.

قال تعالى: (? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ?) [التوبة: 102] .

لقد كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع طبقات:

الأولى: المؤمنون من الأنصار والمهاجرين الذين أخلصوا لله عز وجل.

الثانية: الكفار الذين أبوا إلا الكفر والعناد.

الثالثة: المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والحقد على المسلمين.

الرابعة: وآخرون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تمامًا.

وتقرر الآية الكريمة كيفية التعامل في المجتمع المسلم، وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلص من المسلمين إلى طريقة التعامل مع كل منهم 63.

وتبين الآيات أن الأشقياء نوعان: كفار ومنافقون.

فذكر الكفار بقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ٹ) [الحديد: 19] .

وذكر المنافقين بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 145] .

أما المخلط فليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار، واقف بين الوعد والوعيد، كل منهما يدعوه إلى موجبه، لأنه أتى بسببه، فعسى الله أن يتوب عليهم 64.

وقال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآية: هي في الأعراب، وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة، فهي آية ترج على هذا 65.

فقد يخلط المرء بين الحرام والحلال وبين الصاح والطالح وبين الخبيث والطيب، ولكن ما يلبث الحق أن ينير بصيرة المؤمن ويوجهه إلى الصواب إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

ثالثًا: نفي المساواة بين الخبيث والطيب:

قال تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [المائدة: 100] .

هذه الآية حكم عام في نفي المساواة عند الله عز وجل بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وبين جيّدها، قصد به الترغيب في جيد كل منها والتحذير عن الرديء منها 66.

فهذه الآية خطاب الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، آمرًا له أن ينبه الناس إلى أن الخبيث والطيب لا يستويان عند الله في شيء، فالخير والشر لا يستويان، فلا يمكن أن يكون معاملة أهل الخبيث كمعاملة أهل الطيب، فهذا ما لا ترتضيه الفطرة السليمة وتدركه العقول المستقيمة، ويلفت نظر الإنسان أيًّا كان وحيثما كان، ومجرد الاستلذاذ بالخبيث والإعجاب به لا يقف في وجه هذه الحقيقة الناصعة.

فقد يكون الخبيث جذابًا وبراقًا ومثيرًا، ولكنه في جوهره خبيث، وفي أثره خبيث، ولن يقف الخبيث مع الطيب على قدم المساواة بأي وجه من الوجوه.

وقد يكون الطيب قليلًا غير براق أو مثيرًا وأقل وزنًا وحظًّا في الدنيا من الخبيث، فالطيب أوزن منه في الآخرة.

وإن كان مآل الطيب إلى الجنة، فإن مآل الخبيث إلى النار.

وإذا كان منفق المال الخبيث يعتبر إنفاقه هباء منثورًا، فمنفق المال الطيب يظل إنفاقه ثابتًا، هذا إلى ما يترتب على تناول كل من الطيب والخبيث، وعلى ممارسة كل من الطيبات والخبائث، من الآثار النفسية والأخلاقية، الفردية والاجتماعية، مما يجعل سلوك الطيبين رحمة لهم وللناس، وسلوك الخبيثين نقمة عليهم قبل أن يكون على بقية الناس، فإن الله طيّبٌ لا يقبل إلا طيبًا 67.

ولذا عقب عز وجل بقوله: (ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [المائدة: 100] ، وذلك بجعل أنفسنا وقاية من عقاب الله، فهو خطاب لأصحاب العقول السليمة، بفعل الطيب من الأعمال وترك خبيثها؛ للفوز برضوان الله، والنجاة من غضبه وعقابه.

فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق المتضادات في هذه الحياة ليتم الابتلاء والامتحان للعباد، وهذا يشمل الخبيث من الأشخاص، والخبيث من الأعمال، والخبيث من الأقوال، والخبيث من الأموال، والخبيث من المآكل والمشارب، فلا يستوي الخبيث والطيب من هذه الأشياء ولا من غيرها على الإطلاق.

فلا يستوي الخبيث والطيب من الأشخاص، كما قال تعالى: (ے ے ? ? ? ? ?) [السجدة: 18] .

ثم بين الله عز وجل مصير كل من المؤمن والفاسق، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?¶ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [السجدة: 19 - 20] .

وليس من يعمل الصالحات كمن يمشي فسادًا في الأرض، قال تعالى: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [ص: 28] . و قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الجاثية: 21] . و قال تعالى: (? ? ?ء ? ? ? ?) [القلم: 35 - 36] .

كما لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار، قال تعالى: (چ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر: 20] .

لا يستوي الخبيث والطيب من الأعمال، كما قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ کک) [فصلت: 34] .

كذلك لا يستوي الخبيث والطيب من الأقوال، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?س ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ?. ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [إبراهيم: 24 - 26] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت