ليس هذا بل كتبوا كلامًا بأيديهم وزعموا كذبًا نسبته إلى الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) } [البقرة:79] .
أي: أباطيل قصص من سبق.
قال تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} [الفرقان:5] .
فتحداهم الله تعالى بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) } [الطور:33 - 34] .
ثم خفف عنهم بأن يأتوا بعشر سور من القرآن فقال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود:13] .
فعجزوا، فخفف عنهم التحدي على أن يأتوا بسورة: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23] .
فعجزوا عن الإتيان بأقصر سورة من سور القرآن.
رابعًا: موقفهم من المؤمنين:
يحاول أهل الكفر دائمًا قتال أهل الإسلام، حتى يردوهم عن دينهم.
قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة:217] .
والمعنى: إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم، وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم 68.
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) } [البقرة:212] .
والمعنى: ويسخرون من ضعفاء المسلمين، يوهمونهم أنهم على حق، والمراد بذلك علماء اليهود، أو مشركو العرب، والذين اتقوا فوق الكفار 69.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) } [المطففين:29 - 36] .
الغمز: الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاءً. {وَإِذَا انْقَلَبُوا} -يعني الكفار- {وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ} ، معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم 70.
فأهل الشرك لا يحبون أن يصاب المؤمن بخير أبدًا من ربه، ولذلك قال تعالى فاضحًا إياهم: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) } [البقرة:105] .
وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) } [البقرة:109] .
الحسد: كراهية نعمة على مستحق لها، وعدت من عظائم الذنوب، إذ هو معاندة الله في إرادته، وهو شر من البخل، فإن الحسد بخل على الغير بنعمة من لا تنفد العطايا نعمه، والعفو ترك العقوبة على المذنب، وفي الآية تنبيه أن كثيرًا من أهل الكتاب يتمنون ارتدادكم بعد إيمانكم حسدًا، وقوله: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أي: من عند هواهم 71.
قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء:89] .
{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} أي: في الكفر شرعا سواء 72.
خامسًا: موقفهم من اليوم الآخر:
تعددت مواقف أهل الكفر من أصول العقيدة، فقابلوا البعث والحساب بالتكذيب والإنكار والكفر.
1.الكفر والتكذيب.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) } [الأعراف:45] .
والمعنى على ذلك {وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) } وهم على ضلالهم وإضلالهم كافرون بالآخرة كفرًا متأصلًا في نفوسهم، فلا يخافون عقابًا على جرمهم، ولا ذمًّا ولومًا على إنكارهم يوم البعث والجزاء 73.
وقد سجل الله تعالى عليهم تكذيبهم وعدم تصديقهم في كثير من الآيات منها قول الله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) } [المدثر:42 - 47] .
{وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} أي: بيوم الجزاء، والثواب، والعقاب) 74.
ومن ذلك ما جاء عن مسروقٍ، عن عائشة، قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: (لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) 75.
وفسر النووي معنى هذا الحديث: بـ «أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافرٌ، ولا ينفعه عملٌ. قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيمٍ ولا تخفيف عذابٍ» 76.
3.التشكيك والاستهزاء.
لم تسلم الأمور الغيبية أيضًا من سخرية واستهزاء القوم الكافرين.
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) } [سبأ:7 - 8] .
والمعنى: كلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بأمر البعث كان أهل الكفر يستنفرون الناس استنفار تشويش واستنكار واستهزاء قائلين لهم تعالوا ندلكم على الرجل الذي ينبئ الناس أنهم سيخلقون خلقًا جديدًا بعد أن يموتوا وتبلى أجسادهم وعظامهم وتتفتت وتنتثر في الأرض، وكانوا يتساءلون على سبيل الاستنكار 77.
سادسًا: موقفهم من الشياطين:
انكب أهل الكفر على اتباع الشياطين فسول لهم الشيطان وأملى لهم، فاتبعوه فكانت الموالاة والاستهواء، ولقد بينت كثير من آيات القرآن الكريم ذلك، منها ما يلي:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة:257] .
فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم، وإظهار الود لهم بالأقوال والأفعال والنوايا، ومعنى {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع 78.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) } [النساء:60] .
والمعنى على ذلك: يريدون أن يتحاكموا ويتراجعوا في الخطوب والوقائع إلى الطاغوت المضل عن مقتضى الإيمان والكتب، والحال أنهم قد أمروا في الكتب المنزلة أن يكفروا به، أي: بالطاغوت، وما ذلك إلا أن يريد الشيطان الذي هو رئيس الطواغيت أن يضلهم عن طريق الحق ضلالًا بعيدًا، فالتحاكم إلى الطاغوت كفرٌ بالله تعالى.
ولذلك قال «الفخر الرازي» : «يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانًا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفرٌ بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمانٌ بالله» 79.
وعقب الفخر الرازي على قوله بآية أخرى تعقب آية التحاكم، وهي قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء:65] .
فقال: «وهذا نصٌ في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام» 80.
قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) } [المجادلة:19] .
والمقصود بالاستحواذ: (الاستيلاء عليهم، من حاذ الإبل يحوذها إذا ساقها سوقًا عنيفًا) 81.
سابعًا: موقفهم من بعضهم بعضًا:
يقف أهل الكفر صفًّا إلى صفٍّ، فعقيدتهم الموالاة والتبعية لبعضهم البعض، وفيما يلي بعض مواقفهم تجاه بعضهم البعض:
ومعناها محبة أهل الكفر واتباعهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال:73] .
حذر الله تعالى أهل الإيمان أن يتخذوا من اليهود والنصارى أولياء، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة:51] .
وعلى ذلك فلا يجوز للمسلم أن يوالي كافرًا، لكن يجب على المسلم أن يبرأ إلى الله تعالى من أهل الكفر، وأن يوالي أهل الإيمان.
وقد أمر الله تعالى بالبراءة من عبادة الكفار، فقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) } [الكافرون:1 - 6] .
والله تعالى قد أخبر عن البراءة من المشركين والكافرين فقال تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) } [التوبة:1] .
قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) } [الزخرف:22 - 23] .
ومعنى {أُمَّةٍ} أي: دين 82، فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إليه 83، لأن أصل الأمة الجماعة، والصنف، كقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38] .
(ثم يستعار في أشياء منها: الدين. كقوله: إ {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي: على دين، لأن القوم كانوا يجتمعون على دين واحد، فتقام الأمة مكان الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم على ملة واحدة، وهي الإسلام) 84.
وسبب تقليد أهل الكفر الألفة والعادة واتباع الهوى والجهل.
يقول ابن كثير معلقًا على الآية: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} «أي: ليس لهم مستندٌ فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمةٍ، والمراد بها الدين هاهنا» 85.
أخبر القرآن الكريم في كثير من آياته عن صفات الكافرين، ولعل من أبرزها الضلال والغرور، فلا يريدون السير في الطريق المستقيم، وظنهم أنهم على الحق وما سواهم على الباطل، أنعم الله تعالى عليهم بالجوارح فلم ينتفعوا بها، بل سخروها في محاربة الإسلام وأهله، فظلموا مَنْ تمسَّكَ بدينه، كل هذا بسبب الحسد والهوى الذي تمكن من قلوبهم، بل كانوا يتبعون الباطل ويجادلون به، فركنوا إلى هواهم، ولقد دلت آيات القرآن كما سأبين فيما يلي.
أولًا: الضلال والإضلال:
يُقَسِّمُ الراغب الأصفهاني الضلال إلى قسمين فيقول:
-ضلالٌ في العلوم النظرية، كالضلال في معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة النبوة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: (ڑ ڑ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:136] .
-وضلالٌ في العلوم العملية، كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات، والضلال البعيد إشارةٌ إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من قوله: (ڑ ڑ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ) [النساء:136] . وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:167] » 86.
ويذكر الفيروزآبادي قسمي الإضلال فيقول: «والإضلال أيضًا على قسمين:
أحدهما: أن يكون سببه الضلال، وذلك على وجهين: إما أن يضل عنك الشئ، كقولك: أضللت البعير، أي: ضل عني؛ وإما أن يحكم بضلاله. فالضلال في هذين سبب للإضلال.
الضرب الثانى: أن يكون الإضلال سببًا للضلال، وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل، كقوله تعالى: {لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} [النساء:113] .
أي: يتحرون أفعالًا يقصدون بها أن تضل، فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم 87.
ومن مظاهر الضلال:
1.الشرك بالله تعالى، قال تعالى: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:116] .
2.اتباع قرين السوء والشيطان، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى? يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ?27?يَا وَيْلَتَى? لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ?28?لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ? وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ?29?) [الفرقان:27 - 29] .
3.عبادة الأصنام، قال تعالى على لسان الخليل إبراهيم عليه السلام: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ? فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ? وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم:36] .
4.التقليد دون تفكير، قال تعالى: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ?69?فَهُمْ عَلَى? آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ?70?) [الصافات:69 - 70] .
5.الصد عن الحق، واستحباب الدنيا على الآخرة، قال تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ?2?الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ? أُولَ?ئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ?3?) [إبراهيم:2 - 3] .
ثانيًا: الغرور:
مدار الغرور الجهل، يقول العز بن عبدالسلام: «ومدار الغرور كله على الجهل، فما اغتر الكفار بعبادتهم إلا جهلًا منهم بحبوطها، وما اغتر المبتدعة ببدعهم إلا جهلًا منهم ببطلانها، وما اغتر الأغنياء بغناهم إلا جهلًا منهم بأنه فتنة ومحنة، وظنًّا منهم أنه كرامة ونعمة، وكذلك اغترار العابد بعبادته والزاهد بزهادته، والعارف بمعرفته، وربما أقدم هؤلاء على معصية ربهم ظنًّا منهم أن الله عز وجل لا يؤاخذهم بقربهم إليه وكرامتهم عليه» 88.
وأسباب غرور الكفار:
1.شدة إعجابهم بالدنيا، وحرصهم عليها، قال تعالى: (ٹ ٹاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ? كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ? وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ? وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد:20] .والمعنى: (أراد الكفار بالله، وخصهم بالذكر؛ لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، وأكثر حرصًا عليها) 89.
2.الاستكبار والإعجاب بالنفس، قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ?) [فصلت:15] . والمعنى (استكبروا عن أمر ربهم وتجبروا، وأعجبهم بطشهم وقوتهم، وما أعطاهم الله من عظم الخلق وشدة البطش، ونسوا أن الذي خلق ذلك فيهم وأعطاهم إياه هو أشد منهم قوة، فجحدوا بآيات الله عز وجل وكفروا بها) 90.
3.عدم تعجيل العذاب للكافرين في الدنيا، فيجعلهم يتمادون في الغرور قال تعالى: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَ?ذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ?32?) [الأنفال:32] .
4.كثرة المال والعطاء، يجعل الكافر في غرور شديد، ولا ينسب العطاء لله تعالى، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ?77?أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَ?نِ عَهْدًا ?78?) [مريم:77 - 78] .
ثالثًا: عدم الانتفاع بالعقل والجوارح:
إن الكافر لا يشغل عقله بما ينفعه، ولا يستخدم جوارحه إلا في الذي يضره، وفي تقليد الأنعام.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ} [محمد:12] .
ولقد ذم القرآن الكريم أهل الكفر بسبب عدم تعقلهم وتدبرهم، ومن أمثلة ذلك كما جاء في القرآن ما يلي:
1.عدم تعقلهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ? لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف:179] .يقول البغوي: «لأن العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود» 91.
2.عدم إبصارهم رغم وجود أعينهم، قال تعالى: (أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا) [الأعراف:179] .
3.عدم سماعهم رغم وجود آذانهم، قال تعالى: (وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ? أُولَ?ئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف:179] . والمعنى: (وصفهم بأنهم لا يبصرون بعيونهم ولا يعقلون بقلوبهم. جعلهم في تركهم الحق وإعراضهم عنه، بمنزلة من لا يبصر ولا يعقل. ثم قال جل وعز(بَلْ هُمْ أَضَلُّ) . وذلك أن الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما لا تبصره) 92.
4.عدم استخدام حواسهم إلا في خدمة أغراضهم، قال تعالى: (ٹوَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ? صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [البقرة:171] . وعدم استخدام الحواس في الطاعة والتفكر والتدبر يدل على عدم عمل العقل، مما لا ينتفع الكفار به.
5.عدم عظة الكافر ممن كان قبله، قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ? فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46] .وعدم الاعتبار أو العظة يدل بالحال على فساد العقل، والمعنى (فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها، يعني: فتصير لهم قلوب بالنظر والعبرة لو كانوا يعقلون بها، أو آذانٌ يسمعون بها التخويف.(فَإِنَّهَا) ، أي: النظرة بغير عبرة، ويقال: كلمة الشرك. (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) ، يعني: العقول التي في الصدور، وذكر الصدر للتأكيد) 93 والدليل على أن الكافرين لم يجعلوا للعقل حظًّا من التفكير، ولم يجعلوا لجوارحهم نصيبًا من النظر والسمع قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] . نسمع سماع من يميز ويتفكر، ونعقل عقل من يتدبر وينظر(مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) والمعنى: إنَّا لم نسمع الحق ولم نعقله، أي: لم ننتفع بأسماعنا وعقولنا) 94.
رابعًا: الظلم:
الظلم في اللغة معناه: (الجور ومجاوزة الحد، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير موضعه) 95.
وعرف الظلم في الاصطلاح بأنه: (وضع الشئ في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو زيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه) 96.
وفسر الشرك بالظلم، قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .
تفسير الظلم بالشرك على إطلاقه، وإن فسر بما هو أعم فيحمل كلٌّ على ما يليق به 97.
ويدلل على هذا المعنى ما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] . قلنا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: (ليس كما تقولون {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] . بشركٍ، أولم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ) 98.
وأسباب الظلم:
دلت آيات القرآن الكريم على كثير من أسباب الظلم منها: ـ
1.الكفر، قال تعالى: (ں وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة:254] . دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه 99
2.الكبر والغرور، ويتجلى ذلك في قصة النمروذ، عندما قال لنبي الله إبراهيم عليه السلام (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ? قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ?258?) [البقرة:258] . فحمله غروره وكبره على مجادلة نبي الله إبراهيم، فنسب لنفسه الموت والحياة، وبأنه يقدر على فعل ما يفعله الله تعالى 100.