فهرس الكتاب

الصفحة 1069 من 2431

قال الزحيلي: «أي: فمن دعته الضرورة، وألجأته، واحتاج من غير بغي، ولا عدوان إلى تناول شيء من هذه المحرّمات، لمجاعة غلب على ظنه الهلاك فيها، غير باغ على مضطر آخر، بأن ينفرد بتناوله، فيهلك الآخر، ولا عاد أي متجاوز ما يسد الرمق، والجوع، أي: قدر الضرورة، مما يدل على تحريم الشبع، وهو مذهب الأكثرين، فإن اللّه غفور ستار لذنبه أو هفوته، لا يؤاخذه على ذلك، رحيم به أن يعاقبه على مثل ذلك. وفي هذا تيسير، وتوسعة على هذه الأمة التي يريد اللّه بها اليسر، ولا يريد بها العسر» 131.

إنّ من حكمة الله تعالى، ورحمته، وفضله أن أورد الأمثال في القرآن الكريم؛ وذلك لتقريب البعيد، وتوضيح المجمل، وفيها: إقناع الناس، وتحذيرهم، وتخويفهم.

قال ابن القيم رحمه الله: «ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منها أمور: التذكير، والوعظ، والحث، والزجر، والاعتبار، والتقرير، وتقريب المراد للعقل، وتصويره في صورة المحسوس، بحيث يكون نسبته للعقل، كنسبة المحسوس إلى الحس، وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب، وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر، وإبطال أمر» 132.

والله سبحانه وتعالى يضرب الأمثال بما يريد حتى إنه ضرب المثل بالبعوضة، وهي من أصغر الحيوانات، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26] .

قال ابن القيم رحمه الله: «وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن: وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب، والعنكبوت، ونحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم الله تعالى بأن قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} ، فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه، وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء، والحسن لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض فكأن معترضًا اعترض على هذا الجواب، أو طلب حكمة ذلك، فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة، وهي إضلال من شاء، وهداية من شاء، ثم كأن سائلًا سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك فأخبر تعالى عن حكمته، وعدله، وأنه إنما يضل به الفاسقين» 133.

قال الزحيلي في معنى الآية السابقة: «إن اللّه سبحانه وتعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ونحوها بما هو دونها، أو أكبر منها، ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، فلا غرابة ولا حرج ولا عيب في الإتيان بالأمثال والأشباه سواء أكانت صغيرة أم كبيرة؛ لأن العظمة فيها جميعها شيء واحد، وهو الخلق والإبداع؛ ولأن المثل جعل لكشف المعنى وتوضيحه بما هو معروف مشاهد، وما الأمثال إلا إبراز للمعاني المقصودة في قالب الأشياء المحسوسة لتأنس بها النفوس، وتنكشف أمامها الغوامض، وتزول الأوهام عن معارضة العقل، واللّه الحكيم يفعل ما يحقق المصلحة بضرب المثل في العظائم، والمحقرات حسب الأحوال، والمناسبات، فإن كان الأمر عظيمًا كالحق، والإسلام ضرب مثله بالنور، والضياء، وإن كان الأمر مهينًا حقيرًا كالأصنام ضرب مثله في عدم النفع، وانعدام الفائدة بما يشبهه من الذباب، والبعوض، والعنكبوت» 134.

فأما المؤمنون الذين يصدقون بأن اللّه خالق كل شيء، يقولون: إن كلام اللّه حق، ولا يقول غير الحق، وإنه سبحانه ضرب المثل لمصلحة وحكمة، وأما الكافرون الذين يستهزئون بالأمثال فيقولون متعجبين: ماذا أراد اللّه بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ فهم في حيرة من أمرهم، وخسران مبين في نهايتهم، ولو آمنوا لعرفوا الحق ووجه الحكمة في ذلك.

قال تعالى: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر: 31] 135.

ومما سبق يتضح أن الحيوانات ذكرت في المثل القرآني، وسأذكر إضافة للمثل الذي سبق ذكره في هذا المبحث مثلين آخرين على سبيل المثال لا الحصر:

المثل الأول: في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175 - 176] .

والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى قال للرسول صلى الله عليه وسلم: اقرأ على اليهود خبر الذي علمناه آياتنا، ولكنه لم يعمل بها، وتركها وراءه، وتجرد منها إلى الأبد، فلحقه الشيطان، وأدركه، وصار قرينًا له، وتمكن من الوسوسة له، فأصغى إليه، فصار من الظالمين الكافرين، لميله إلى الدنيا، واتباع الهوى والشيطان 136.

قال ابن القيم: «شبه سبحانه من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا وأخبثها نفسًا، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم، ويتروح حرصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت له بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته، وهو من أمهن الحيوانات، وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا، والجيف المروحة أحب إليه من اللحم الطري، والقذرة أحب إليه من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبًا يتناول معه منه شيء إلا هر عليه وقهره لحرصه وبخله وشره، ومن عجيب أمره، وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة، وثياب دنية، وحال زرية نبحه، وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له، ومنازعته في قوته.

وإذا رأى ذا هيئة حسنة، وثياب جميلة، ورئاسة وضع له خطمه بالأرض، وخضع له، ولم يرفع إليه رأسه، وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في لهثه سر بديع، وهو أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال ازعاجه، وتركه.

واللهف، واللهث شقيقان، وأخوان في اللفظ والمعنى» 137.

وقال ابن القيم أيضًا: «قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده ينقطع، ومراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث، وهكذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا، وترك اللهف عليها، فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عليها، وهذا يلهث من قلة صبره على الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطش أكل الثرى من العطش، وإن كان صبر عن الجوع، وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا يلهث قائمًا، وقاعدًا، وماشيًا، وواقفًا ذلك لشدة حرصه، فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث، فهكذا مشبهه شدة حرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث، فإن حملت عليه بالموعظة والنصيحة فهو يلهث، وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف.

قال مجاهد: وذلك مثال الذي أوتى الكتاب ولم يعمل به، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن تحمل عليه الكلمة لم يحملها وإن تركته لم يهتد إلى الخير» 138.

قال البغوي رحمه الله: «وهذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب: إن طرد كان لاهثًا، وإن ترك وربض كان لاهثًا. قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء، أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، فضربه الله تعالى مثلًا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث» 139.

وهذا كقوله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} [الأعراف: 193] .

وهذا المثل عام في جميع من يكذب بآيات الله، قال تعالى: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 177] .

وينطبق هذا على كفار مكة حيث إنهم كانوا يتمنون هاديًا يهديهم، ويدعوهم إلى عبادة الله، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يشكّون في صدقه كذّبوه، فلم يهتدوا سواء دعاهم، أو تركهم.

قال الزحيلي: «ذلك المثل الغريب هو مثل هؤلاء القوم الذين كذبوا بآيات الله، واستكبروا عنها، ولم تنفعهم الموعظة، وهم اليهود بعد ما قرأوا نعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في التوراة، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستنصرون، أو يستفتحون به، وجاء القرآن المعجز كاشفًا هذه الحقيقة التي أنكرها اليهود بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم» 140.

إن الذي يركن إلى الدنيا، ويميل إليها، ويرغب فيها، ويهتم بلذاتها، ويتبع هواه، ولم يجعل همّه الآخرة، ولم يهتد بآيات الله، ولم يشكر نعمة اللّه عليه باستعمالها في مرضاته يكون مثل الكلب، ويتصف بصفاته، وهي: الذلة، والحقارة، والدناءة، والخسة، وإن من أذل، وأخس أحوال الكلب دوام اللهث سواء طرد أو لم يطرد.

وهذا حال من تجرد من معرفة الله تعالى، حيث إن الله سبحانه وتعالى شبهه بأقبح صفة من صفات الكلب.

إنه مثل عجيب، وغريب، فيه العبرة، والموعظة لمن سمع، وتدبر، وفهم، وعقل، وفكّر، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .

المثل الثاني: في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5] .

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة، وحملوها للعمل بها، فلم يعملوا بها، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملًا حسيًّا، ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظًا، ولم يفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه، وحرفوه، وبدلوه، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] » 141.

وقال السعدي رحمه الله: «ذكر الله تعالى أن الذين حملهم التوراة من اليهود وكذا النصارى، وأمرهم أن يتعلموها، ويعملوا بما فيها، وأنهم لم يحملوها، ولم يقوموا بما حمّلوا به، أنهم لا فضيلة لهم، وأن مثلهم كمثل الحمار الذي يحمل فوق ظهره أسفارًا من كتب العلم، فهل يستفيد ذلك الحمار من تلك الكتب التي فوق ظهره؟ وهل يلحق به فضيلة بسبب ذلك؟ أم حظه منها حملها فقط؟ فهذا مثل علماء اليهود الذين لم يعملوا بما في التوراة، الذي من أجله وأعظمه الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والبشارة به، والإيمان بما جاء به من القرآن، فهل استفاد من هذا وصفه من التوراة إلا الخيبة والخسران، وإقامة الحجة عليه؟ فهذا المثل مطابق لأحوالهم» 142.

وهذا دليل على أن اليهود والنصارى فقدوا الإدراك الصحيح، والوعي السليم، وعطلوا طاقات الحواس، والمواهب الإلهية التي لو فكروا بموجبها لآمنوا بدعوة الأنبياء، وخاصة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وانقادوا إلى رسالة الحق والتوحيد، ولكنهم لم يستفيدوا من ذلك بشيء فكانوا مثل الحمير كما وصفهم الله عز وجل، وهذا عام في كل من حمل كتابًا من الكتب السماوية، ولم يعمل به، وحتى الذي تعلم القرآن، ولم يعمل به فهو كذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: «فقاس من حمّله سبحانه كتابه ليؤمن به، ويتدبره، ويعمل به، ويدعو إليه ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر، ولا تفهم، ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، وحظه منها حمله على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته» 143.

يتضح من الأمثال السابقة أن الله سبحانه ذكر فيها بعض الحيوانات وإن كانت خسيسة وحقيرة، فإنه عز وجل هو الذي خلقها، ويضرب المثل بها وبغيرها؛ لأنه أعلم بها، وأن الكفار لم يستطيعوا خلق بعوضة ولا أصغر منها، فكيف يعترضون على الله تعالى في ضرب الأمثال بها؟

إنّ الناظر، والمتفكر في خلق السموات، والأرض يجد حوله مخلوقات عظيمة من الحيوانات، تدب على وجه الأرض، أو تسبح في قعر البحر، أو تحلق في جو السماء، وأن هذه الحيوانات أمم، وأشكال، وأجناس، وخلق منها الذكر والأنثى.

قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38] .

والمتأمل في الحيوانات يجد أنها موجودة، وأعدادها كثيرة لا يحصيها إلا الذي خلقها سبحانه، والله تعالى رازقها، ويعلم مستقرها، ومستودعها.

قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6] .

وتنتشر هذه الدواب في ملكه سبحانه وتعالى، وتسير بأمره، وتأكل، وتشرب من نعمه التي لا تحصى، وتسبح بحمده، وتطيعه، وتعبده حتى تستوفي رزقها، وتستكمل آجالها، والله جعل الإعجاز في خلقها، وتصرفاتها، وطريقة حياتها، ونموها، وتكاثرها، وأعدادها التي تحفظ وجودها بحيث إنه لا تطغى على الأجناس الأخرى، فسبحان الخلاق العليم الذي يمسك بزمامها، ويزيد وينقص فيها بقدرته وحكمته، ويعطي كل منها من القوى، والخصائص، والوظائف ما يحفظ التوازن بينها.

والكلام عن الإعجاز في خلق الحيوانات طويل، وسأكتفي بذكر ثلاث آيات إضافة لما سبق:

قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: 45] .

قال السعدي رحمه الله: «ينبه الله سبحانه عباده على ما يشاهدونه، أنه خلق جميع الدواب التي على وجه الأرض، من ماء، أي: مادتها كلها الماء، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .

فالحيوانات التي تتوالد مادتها ماء النطفة، حين يلقح الذكر الأنثى، والحيوانات التي تتولد من الأرض لا تتولد إلا من الرطوبات المائية، كالحشرات لا يوجد منها شيء يتولد من غير ماء أبدًا، فالمادة واحدة، ولكن الخلقة مختلفة من وجوه كثيرة» 144.

والملاحظ أن الحيوانات مادتها واحدة، ولكن كل مخلوق يختلف عن غيره من وجوه كثيرة، فاختلافها مع أن الأصل واحد يدل على مشيئة الله وقدرته، وهذا من مظاهر الإعجاز؛ لأن الناظر إليها يجد أن منها من يمشي على بطنه كالحية، والثعبان، ونحو ذلك، ومنها من يمشي على رجلين كالآدميين، وكثير من الطيور، ومنها من يمشي على أربع كبهيمة الأنعام، ونحوها.

والله سبحانه وتعالى جعل لكل حيوان من الخصائص التي يختلف بها عن غيره، وهدى كل مخلوق لما خلق له، وأعطاه القدرة على ذلك، فمن الحيوانات يعيش في البحر، ومنها يعيش في البر، ومنها يمشي على الأرض، ومنها يطير في الهواء، فسبحان الله الخالق {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] .

قال ابن القيم رحمه الله: «حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده، وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب، ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب، ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟

وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصمد إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا، وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الآلهة الحق، وأذلها، وأصغرها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك، وتعاونوا عليه» 145.

وقال ابن القيم أيضًا: «وأدل من ذلك على عجزهم، وانتفاء إلاهيتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئًا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه، ثم سوى بين العابد، والمعبود في الضعف، والعجز، بقوله: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} قيل: الطالب: العابد، والمطلوب: المعبود فهو عاجز متعلق بعاجز، وقيل: هو تسوية بين السالب، والمسلوب، وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز، وعلى هذا فقيل: الطالب، الإله الباطل، والمطلوب الذباب يطلب منه ما استلبه منه، وقيل: الطالب: الذباب، والمطلوب: الإله، فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه، والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود والمستلب والمستلب، فمن جعل هذا إلهًا مع القوي العزيز فما قدره حق قدره، ولا عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه» 146.

ولو تأملنا في الآية الكريمة نجد أن القرآن الكريم استخدم تعبير: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا} ، وفي ذلك لمسة معجزة؛ لأن الذباب يختلس ما يأخذه من أشربة، وأطعمة من الناس اختلاسًا، وينتزعها منهم انتزاعًا على القهر لعجزهم عن مقاومته في أغلب الأحوال 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت