فهرس الكتاب

الصفحة 1006 من 2431

المحلّل -بكسر اللام- هو الذي يتزوج المطلّقة ثلاثًا بقصد أن يحلّها للزوج الأول، وقد سمّاه صلى الله عليه وسلم بالتيس المستعار، ففي الحديث: (ألا أخبركم بالتّيس المستعار؟) ، قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: (هو المحلّل، لعن اللّه المحلّل، والمحلّل له) 20.

قال السيد رشيد رضا: «ألا فليعلم كلّ مسلمٍ أنّ الآية صريحةٌ في أنّ النّكاح الّذي تحلّ به المطلّقة ثلاثًا هو ما كان زواجًا صحيحًا عن رغبةٍ، وقد حصل به مقصود النّكاح لذاته، فمن تزوّج بامرأةٍ مطلّقةٍ ثلاثًا بقصد إحلالها للأوّل كان زواجه صوريًّا غير صحيحٍ، ولا تحلّ به المرأة للأوّل، بل هو معصيةٌ لعن الشّارع فاعلها، وهو لا يلعن من فعل فعلًا مشروعًا ولا مكروهًا فقط، بل المشهور عند جمهور العلماء أنّ اللّعن إنّما يكون على كبائر المعاصي، فإن عادت إليه كانت حرامًا، ومثال ذلك مثال من طهّر الدّم بالبول؛ وهو رجسٌ على رجسٍ، وبهذا قال مالكٌ وأحمد والثّوريّ وأهل الظّاهر وخلائق غيرهم من أهل الحديث والفقه» 21.

للطلاق أحكام، نتناولها فيما يأتي:

أولًا: الإشهاد على الرجعة والطلاق:

قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي: وأشهدوا عند الطلاق أو الرجعة شخصين من أهل العدالة والاستقامة ممن تثقون في دينهما وأمانتهما، والإشهاد ليس شرطًا لصحة الفراق أو الرجعة، بل هو مندوب «احتياطًا لهما، ونفيًا للتّهمة عنهما إذا علم الطّلاق ولم يعلم الرّجعة، أو لم يعلم الطّلاق والفراق، فلا يؤمن التجاحد بينهما» 22.

{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي: اشهدوا بالحقّ دون تحيّزٍ لأحدٍ، مبتغين بذلك وجه الله تعالى.

ثانيًا: عدّة المطلّقات:

جعل الله تعالى للمطلقة عدةً شرعيةً، وبيّن مقدارها في كتابه، فعدة الحامل وضع الحمل، وعدة الحائل ثلاثة قروء، فإن كانت صغيرة لم تحض أو يائسة لم تعد تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، والحكمة من ذلك استبراء رحمها، ومنح الزوج فرصة لمراجعتها إذا كان الطلاق مرة أو مرتين، وتهيئتها نفسيًّا وعضويًّا، لحياة زوجية جديدة إن كانت مطلقة ثلاثًا، أو إذا كانت رجعيةً ولم يرغب الزوج في استرجاعها.

1.الحث على إحصاء العدة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1] .

قال ابن العربي رحمه الله: «والصّحيح أنّ المخاطب بهذا اللّفظ الأزواج؛ لأنّ الضّمائر كلّها من {طَلَّقْتُمُ} {وَأَحْصُوا} و {لَا تُخْرِجُوهُنَّ} على نظامٍ واحدٍ يرجع إلى الأزواج، ولكنّ الزّوجات داخلةٌ فيه بالإلحاق بالزّوج؛ لأنّ الزّوج يحصي ليراجع، وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع، وهذه كلّها أمورٌ مشتركةٌ بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك، وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء للعدّة للفتوى عليها وفصل الخصومة عند المنازعة فيها؛ وهذه فوائد الإحصاء المأمور به» 23.

2.عدة المطلقة الحائل.

قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] .

واللام في المطلقات لام الاستغراق، فتشمل جميع المطلقات، لكن يستثنى من ذلك الحامل، فعدّتها بوضع الحمل، أما اليائسة والتي لم تحض فعدّتها ثلاثة أشهر.

قال الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .

ومعنى: {يَتَرَبَّصْنَ} أي: ينتظرن، واللفظ ينمّ عن حرص الإسلام على اختصار هذه المدّة إلى أقلّ زمنٍ يمكن أن يؤدّى فيه الغرض من إيجاب هذه المدّة، لاستبراء الرّحم، وتهيئة نفس المرأة لحياةٍ زوجيّةٍ جديدة، وكذلك إعطاء الزوج مهلةً لمراجعة زوجته، إذا كان قد طلّقها مرةً أو مرتين، أما الثالثة فلا رجعة منها إلا بعد أن تنكح زوجًا غيره، وفي اختصار المدّة على المرأة رحمةٌ بها، وتخفيفٌ عليها، ومراعاةٌ لطبيعتها.

وجملة: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} جملةٌ خبريةٌ في لفظها، طلبيةٌ في معناها؛ وذلك لتأكيد الأمر وتقريره.

والقرء: هو مدّة الطهر، وقيل: الحيضة، قال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمّي الحيض قرءًا، ومنهم من يسمّي الطّهر قرءًا، ومنهم من يجمعهما جميعًا، فيسمّي الحيض مع الطّهر قرءًا، وينبغي أن يعلم أن القرء في الأصل: الوقت، يقال: هبّت الرياح لقرئها ولقارئها، أي: لوقتها، فيقال للحيض: قرء، وللطهر: قرء؛ لأن كل واحد منهما له وقت معلوم، وقد أطلقته العرب تارة على الأطهار، وتارة على الحيض.

وفي اللسان: «والقرء والقرء الحيض والطّهر ضدّ؛ وذلك أنّ القرء الوقت؛ فقد يكون للحيض والطّهر، قال أبو عبيد: القرء يصلح للحيض والطهر، قال: وأظنّه من أقرأت النّجوم إذا غابت، والجمع أقراء، وفي الحديث: (دعي الصلاة أيام أقرائك) » 24 25.

{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} ولا يحلّ للمطلقات أن يكتمن الحيض أو الحمل إن وجد بقصد الإضرار بالزوج، كأن تقول: حضت، وهي لم تحض؛ لتذهب بحق الزوج من الارتجاع، أو تنفي الحيض وهي قد حاضت لتلزمه بالنفقة، وكذلك الحمل ربّما تكتمه لتقطع حقّه من الارتجاع، وربما تدّعيه لتوجب عليه النفقة، ونحو ذلك مما يضرّ بالزوج {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فإن من تؤمن بالله واليوم الآخر لا تخالف شرع الله تعالى.

3.عدة اليائسة، والتي لم تحض، والحامل.

قال تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .

وهذه الآية متصلة بما قبلها من حيث بيان ما يتعلق بالطلاق من أحكام العدة، فضلًا عما ورد في هذا الشأن في سورة البقرة فهي متممةٌ لما ورد هناك، كما ترشد الآيات إلى بعض حقوق المطلقات.

وقد ورد في سبب النزول: عن أبيّ بن كعبٍ رضي الله عنه أنّ ناسًا من أهل المدينة لمّا أنزلت الآية الّتي في البقرة في عدّة النّساء، قالوا: لقد بقي من عدّة النّساء مدّةٌ لم تذكر في القرآن: الصّغار والكبار اللائي قد انقطع عنهم الحيض، وذوات الحمل، فأنزل اللّه الّتي في سورة النّساء القصرى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} إلى آخر الآية 26.

بيّن تعالى عدة المرأة التي يئست من المحيض لكبر سنها؛ وكذلك من رابها الأمر من البالغات مبلغ اليأس، وقد نزل الدم فلا تدري أهو دم حيض أم استحاضة؟ وكذلك من لا تحيض إما لعدم بلوغها أو لطبيعةٍ فيها: فعدتهن ثلاثة أشهر {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} أما الحامل فعدتها تنتهي بوضع الحمل سواء كانت مطلقة أو مات عنها زوجها {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فالحامل سواءً كانت مطلقةً أو متوفّى عنها زوجها عدتها بوضع الحمل.

وفي الصحيحين من حديث سبيعة بنت الحارث الأسلميّة أنّها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممّن شهد بدرًا، فتوفّي عنها في حجّة الوداع وهى حاملٌ، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلمّا تعلّت من نفاسها تجمّلت للخطّاب، فدخل عليها أبو السّنابل بن بعككٍ -رجلٌ من بني عبد الدّار- فقال لها: ما لي أراك تجمّلت للخطّاب، ترجّين النّكاح، فإنّك واللّه ما أنت بناكحٍ حتّى تمرّ عليك أربعة أشهرٍ وعشرٌ، قالت سبيعة: فلمّا قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأنّي قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتّزوّج إن بدا لي 27.

وفي رواية لمسلم بسنده عن أمّ سلمة قالت: إنّ سبيعة الأسلميّة نفست بعد وفاة زوجها بليالٍ، وإنّها ذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوّج 28.

وهذا من تيسير الإسلام ورحمته بالمطلقة والأرملة أن شرع لها الزواج بعد انقضاء عدتها التي قدّر لها هذه المدة اليسيرة؛ رحمةً بها، ورعايةً لها.

4.عدة المطلقة قبل الدخول.

ليس على المطلقة قبل الدخول عدة؛ إذ الغرض من العدة استبراء الرحم، وزوجها لم يدخل بها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] .

للمطلقة حقوق بيّنها الوحي، نذكرها فيما يأتي:

أولًا: حق المطلقة في مؤخّر الصداق:

نهى الله عز وجل عن ظلم المرأة وهضم حقوقها، وحرمانها من صداقها؛ ففي ذلك كفرانٌ للعشرة، ونسيان للمودة، ونقض لذلك الميثاق الغليظ الذي أخذه الرجل على نفسه حين عقد بها أن يحسن معاشرتها، وأن يتقي الله فيها، وأن تدوم الألفة بينهما، لكن إذا تبين للرجل بعد الصبر والتجمل استحالة العشرة مع زوجته، وأخفق في تقويمها ولم يكن بدٌّ من الفراق فعليه أن يوفيّها حقّها في الصداق، وأن يسرّحها بمعروف.

قال تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20 - 21] .

وهكذا تخاطب الآية الكريمة المشاعر والوجدان، وتذكّر الرجل بكلّ لحظة سعادةٍ عاشها مع زوجته، أفضى إليها وأفضت إليه، يذكّر القرآن بأوقات الصّفا التي مرّت وبقيت ذكرياتٍ جميلةٍ، ألا تستحقّ أن يوفي لتلك المرأة حقّها، ألا يدور في ذاكرته إلا مشاهد النّكد مع تلك الزوجة التي كرهها! إن أيّ حياةٍ زوجيةٍ لا يمكن أن تخلو من أوقات ممتعةٍ، فضلًا عن قيامها على مبدأ أساس: إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ، من هنا كان التذكير بهذه الذكريات الجميلة، والليالي الطيّبة التي جمعت بين الزوجين علّ تذكّرها يرقق قلب الزوج، وصدق من قال 29:

أجل بيننا رسل الذكريات

وماضٍ يطيف ودمعٌ يجود

يقول القشيري رحمه الله: «يعلّمهم حسن العهد، ونعت الكرم في العشرة، فيقول: لا تجمع الفرقة، واسترداد المال عليها، فإن ذلك ترك الكرم؛ فإن خوّلت واحدة مالًا كثيرًا ثم جفوتها بالفراق، فما آتيتها يسيرٌ في جنب ما أذقتها من الفراق، قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} يعني: أن للصحبة السالفة حرمةً أكيدةً، فقفوا عند مراعاة الذّمام، وأوفوا بموجب الميثاق» 30.

وقال البيضاوي: « {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] .

إنكار لاسترداد المهر والحال أنه وصل إليها بالملامسة، ودخل بها، وتقرر المهر {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} عهدًا وثيقًا، وهو حق الصحبة والممازجة، أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أو

ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله) » 31.

وقال صاحب الظلال: «ويدع الفعل {أَفْضَى} بلا مفعول محدد، يدع اللفظ مطلقًا يشع كل معانيه، ويلقي كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته، ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته، بل يشمل العواطف والمشاعر والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان.

وفي كل اختلاجة حبٍّ إفضاء، وفي كل نظرة ودٍّ إفضاء، وفي كل لمسة جسم إفضاء، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء، وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء، وفي كل شوق إلى خلف إفضاء، وفي كل التقاء في وليد إفضاء.

كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف! ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملًا آخر من لون آخر {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} » 32.

ثانيًا: حق المطلقة في المتعة:

ومن الحقوق المترتّبة على الطّلاق متعة المطلقة. قال تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة:241 - 242] .

فلكلّ مطلّقةٍ متعةٌ على كلّ تقيٍّ؛ جبرًا لخاطرها، وتسليةً لفؤادها، وهذه المتعة واجبةٌ على من طلّقت قبل الدخول بها إن لم يسمّ لها مهرًا، ومندوبةٌ لمن طلّقت قبل أو بعد الدخول إن سمّي لها المهر.

ثالثًا: حق المطلقة الرجعية في البقاء ببيت الزوجية:

للمطلقة الحقّ في البقاء ببيت الزوجية، وليس للزوج أو لغيره إخراجها منه؛ حتى تنقضي عدتها، والحكمة من بقائها في بيت الزوجية حرص الإسلام على التأليف بين الزوجين، فضلًا عن حقها في السكنى؛ لأن الزوجية لا تزال قائمة بالنسبة للرجعية ما لم تنقض عدتها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] .

وقوله: {وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} أي: ولا يخرجن من البيوت حتى تنقضي عدتهن، إلا إذا قارفت المطلقة عملًا قبيحًا كالزنا، فتخرج لإقامة الحد عليها، فنهى الله سبحانه وتعالى أن يخرج الرجل المرأة المطلّقة من المسكن الذي طلّقها فيه، ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجًا عن بيتها، ولا أن تغيب عنه نهارًا إلا لضرورة؛ وذلك لحفظ النسب، وصيانة المرأة، أما الفاحشة التي تبيح خروج المعتدة فقيل: إنها الزنا، فتخرج لإقامة الحد عليها، وقيل: إنه سوء الكلام مع الأصهار، وبذاءة اللسان، فتخرج ويسقط حقها من السكنى.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الفاحشة المبينة بذاءتها على أهل زوجها، فيحلّ إخراجها لسوء خلقها» 33.

وأضاف البيوت إليهنّ وهي لأزواجهنّ لتأكيد النهي، وبيان كمال استحقاقهنّ للسكنى في مدّة العدّة 34.

ولا يجوز للمرأة أن تخرج ما لم تنقض عدتها، فإن خرجت لغير ضرورة أثمت، فإن وقعت ضرورة بأن خافت هدمًا أو غرقًا جاز لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إذا كان لها حاجة ضرورية من بيع غزل أو شراء قطن جاز لها الخروج نهارًا ولا يجوز ليلًا، يدل على ذلك أن رجالًا استشهدوا بأحد، فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا، فأذن لهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهنّ، فإذا كان وقت النوم تأوي كلّ امرأةٍ إلى بيتها، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم فلتؤب كل امرأة منكن إلى بيتها) 35.

وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالة جابر وقد كان طلّقها زوجها أن تخرج لجذاذ نخلها.

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: طلّقت خالتي، فأرادت أن تجدّ نخلها، فزجرها رجلٌ أن تخرج، فأتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: (بلى، فجدّي نخلك، فإنّك عسى أن تصدّقي، أو تفعلي معروفًا) 36.

{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أي: وهذه الأحكام هي شرائع الله ومحارمه {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي: ومن يخرج عن هذه الأحكام، ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها فقد ظلم نفسه بتعريضها للعقاب، وأضرّ بها حيث فوّت على نفسه إمكان إرجاع زوجته إليه، وأضرّ بها، وأخلّ ببعض حقوقها.

وفي هذا تشديدٌ لكل من يتعدى حدود الله تعالى التي حدّها في أمر الطلاق من ذلك طلاق المرأة في حيضها، أو في طهر جامعها فيه، وإخراجها من بيتها بغير حقٍّ وفي غير ذلك من المخالفات التي نهت عنها الشريعة، فتلك حدود الله لا يتجاوزها ولا يتعدّاها إلا من ظلم نفسه فعرّضها لسخط الله تعالى، وأوردها موارد الهلاك.

أما من يقيم حدود الله، ويمتثل لأوامر الله، ويجتنب ما نهى عنه، فإنه يتعرض لرحمة الله، ويحظى بلطف الله، وينال ثمرة تقواه واستقامته.

رابعًا: الحكمة من بقاء المطلقة في بيت الزوجية:

قال تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] .

لعلّ الله يحدث في قلبه ما يغيّر حاله، ويرغّبه في إبقاء زوجته وتقرّ عينه بها، ويصلح الله بالها، ولعلّ اجتماعهما تحت سقف واحد يؤلّف القلبين، وقد قيل 37:

وأقرب ما يكون الشوق يومًا

إذا دنت الخيام من الخيام

فالأمر الذي يحدثه الله: أن يقلّب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه؛ فيراجعها، وتهبّ نسائم المودّة من جديد، وترجع طيور الحب للتغريد، في هذا البيت السعيد.

قال صاحب الظلال: «والحكمة من إبقاء المطلقة في بيت الزوج هي إتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة، حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين؛ فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين! فأما حين ترتكس في حمأة الزنا، وهي في بيته! أو تؤذي أهله، أو تنشز عليه، فلا محل لاستحياء المشاعر الطيبة، واستجاشة المودة الدفينة، ولا حاجة إلى استبقائها في فترة العدة، فإن قربها منه حينذاك يقطع الوشائج ولا يستحييها!» 38.

خامسًا: حق المطلقة البائن في إرضاع ولدها:

قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت