فهرس الكتاب

الصفحة 1066 من 2431

وهذا يدل على شدة إدراك النمل، وأنه يأكل ما يكفيه من الطعام الذي يجمعه، ويدّخر الباقي، وهذا من بديع خلق الله تعالى، وعلى الإنسان أن يتعلم من النمل هذا النظام، والترتيب.

ومما يدل على فطنة النمل قوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [النمل: 18] .

حيث إن الله تعالى ذكر مخاطبة النملة لأخواتها من النمل كمخاطبة الإنسان للإنسان.

قال ابن عطية رحمه الله: «وهذه النملة قالت هذا المعنى الذي لا يصلح له إلا هذه العبارة قولًا فهمه عنها النمل، فسمعها سليمان على بعده، وجاءت المخاطبة كمن يعقل؛ لأنها أمرتهم بما يؤمر به من يعقل 40.

وقال ابن القيم رحمه الله عن فطنتها: «ومن فطنتها أنها لا تتخذ قريتها إلا على نشر من الأرض لئلا يفيض عليها السيل فيغرقها، فلا ترى قرية نمل في بطن واد، ولكن في أعلاه وما ارتفع عن السيل منه، ويكفي في فطنتها ما نص الله عز وجل في كتابه من قولها لجماعة النمل، وقد رأت سليمان عليه الصلاة والسلام، وجنوده: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [النمل: 18] .

فتكلمت بعشرة أنواع من الخطاب في هذه النصيحة -النداء، والتنبيه، والتسمية، والأمر، والنص، والتحذير، والتخصيص، والتفهيم، والتعميم، والاعتذار، فاشتملت نصيحتها مع الاختصار على هذه الانواع العشرة، ولذلك أعجب سلميان قولها، وتبسم ضاحكًا منه، وسأل الله أن يوزعه شكر نعمته عليه لما سمع كلامها، ولا تستبعد هذه الفطنة من أمة من الأمم تسبح بحمد ربها، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة) 41» 42.

وهذه الفطنة أودعها الله تعالى في سائر الحيوانات حتى تقوم على مصالحها، قال ابن القيم رحمه الله: «ومن عجيب الفطنة في الحيوان أن الثعلب إذا أعوزه الطعام، ولم يجد صيدًا تماوت، ونفخ بطنه حتى يحسبه الطير ميتًا فيقع عليه ليأكل منه، فيثب عليه الثعلب فيأخذه، ومن عجيب الفطنة في هذه الذبابة الكبيرة التي تسمى أسد الذباب فإنك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبًا منه يسكن مليًّا حتى كأنه موات لا حراك فيه، فإذا رأى الذباب قد اطمأن، وغفل عنه دب دبيبًا رفيقًا حتى يكون منه بحيث يناله، ثم يثب عليه فيأخذه، ومن عجيب حيل العنكبوت أنه ينسج تلك الشبكة شركًا للصيد، ثم يكمن في جوفها فإذا نشب فيها البرغش والذباب وثب عليه، وامتص دمه» 43.

من خلال الحديث عن بعض الحيوانات، وما في ذلك من الدلالة على الإبداع الإلهي في خلقها حتى تهتدي لما خلقت له، وتقوم على مصالحها، والله تعالى أعطى كل حيوان الصفة، والهيئة التي تمكنه من ذلك، وهذا يدعو أصحاب العقول للتفكر، والاعتبار.

ثالثًا: الحث على التفكر في خلق الحيوان:

ذكرت في المطلب السابق أمثلة على بديع خلق الله تعالى في الحيوانات، وهي مخلوقات فيها التذكر، والتفكير، والعبرة، وهذه أوصاف لأولي الألباب، قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ * گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [آل عمران: 190 - 191] .

والمعنى كما قال الزحيلي: «إن اللّه تعالى وصف أولي الألباب بأنهم يجمعون بين التذكر والتفكير، يذكرون اللّه في مختلف أحوالهم من قيام، وقعود، واضطجاع، لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم، وضمائرهم، وألسنتهم، ويتفكرون، ويفهمون ما في السموات، والأرض من أسرار، ومنافع، وحكم دالة على عظمة الخالق، وقدرته، وعلمه، ورحمته، والتفكر يكون في مصنوعات الخالق لا في الخالق، لاستحالة الوصول إلى حقيقة ذاته وصفاته ... ، ويقول المتفكرون الذاكرون: ربنا ما خلقت هذا الخلق عبثًا ولا أوجدته باطلًا زائلًا، فأنت منزه عن الباطل، والعبث، وكل خلقك حق مشتمل على فائدة، وحكمة، وقدرة، أي: أن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر، ونظر، ودقق، وتفكر يتوجه إلى اللّه تعالى متضرعًا معلنًا قناعته بحكمة اللّه العليا في خلق المخلوقات، ربنا فاجعل لنا وقاية، وحاجزًا من عذاب النار، وأجرنا من عذابها، ووفقنا للعمل الصالح» 44.

والتفكر في الخلق يدل على الخالق تبارك وتعالى، ومن الآيات التي فيها التفكر، والتدبر والاعتبار خلق الحيوانات حيث إن الله عز وجل أحيا الأرض بإنزال المطر، وخلق فيها من كل حيوان.

قال سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [البقرة: 164] .

قال ابن عطية رحمه الله: «ودابّة تجمع الحيوان كله» 45.

وهذه الآيات تدل على وحدانية الله تعالى وقدرته، ومما يدل على ذلك أن الله عز وجل ذكر هذه الآيات بعد قوله: (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 163] ؛ ليدل على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته سبحانه، وذكر رحمته، ورأفته بخلقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد نزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) : (? ? ? ? ? ... ) [البقرة: 164] 46 47.

ومما يدل على معنى ما سبق قوله تعالى: (? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? O) [الجاثية: 4 - 5] .

أي: أكثر الله من كل الأنواع لا يختص ذلك بنوع دون آخر، ويحسن هنا الإشارة إلى أن العلماء ذكروا أرقامًا عالية جدًّا من الحيوانات وخاصة الحشرات 48.

قال ابن كثير رحمة الله في تفسير الآية السابقة: «أي: على اختلاف أشكالها، وألوانها، ومنافعها، وصغرها، وكبرها، وهو يعلم ذلك كله، ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 6] » 49.

ولتوضيح التفكر في خلق الحيوان يحسن أن نذكر بعض الأمثلة:

الأول: في قوله تعالى: (? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 66] .

قال ابن القيم: «لو تأملنا العبرة التي ذكرها الله عز وجل في الأنعام، وما سقانا من بطونها من اللبن الخالص السائغ الهنيء المريء الخارج من بين الفرث والدم، فتأمل كيف ينزل الغذاء من أفواهها إلى المعدة فينقلب بعضه دمًا بإذن الله، وما يسرى في عروقها، وأعضائها، وشحومها، ولحومها فإذا أرسلته العروق في مجاريها إلى جملة الأجزاء فبه كل عضو، أو عصب، وغضروف، وشعر، وظفر، وحافر إلى طبيعته، ثم يبقى الدم في تلك الخزائن التي له، إذ به قوام الحيوان، ثم ينصب ثقله إلى الكرش فيصير زبلًا، ثم ينقلب باقية لبنًا صافيًا سائغًا للشاربين، فيخرج من بين الفرث والدم حتى إذا أنهكت الشاة، أو غيرها حلبًا خرج الدم مشوبًا بحمرة، فصفى الله سبحانه الألطف من الثفل بالطبخ الأول فانفصل إلى الكبد، وصار دمًا، وكان مخلوطًا بالأخلاط الأربعة، فأذهب الله عز وجل كل خلط منها إلى مقره وخزانته المهيأة له من المرارة، والطحال، والكلية، وباقي الدم الخالص يدخل في أوردة الكبد، فينصب من تلك العروق إلى الضرع فيقلبه الله تبارك وتعالى من صورة الدم، وطبعه، وطعمه إلى صورة اللبن، وطبعه، وطعمه فاستخرج من الفرث والدم، من الذي دبر هذا التدبير؟ وقدر هذا التقدير؟ وأتقن هذا الصنع؟ ولطف هذا اللطف؟ إنه اللطيف الخبير 50.

الثاني: في قوله تعالى: (? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ d گ ? ? ? ? ? ? ? ?ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [النحل: 68 - 69] .

إنها آية فيها العبرة، وفيها التفكر لمن تأملها فهي من دلائل القدرة الإلهية في خلق النحل، وما فيها من مظاهر النعم على الناس، وأنها تدلهم على التوحيد.

ومعنى يتفكّرون: يتأملون في صنعه تعالى، فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة، والأفعال العجيبة حق التدبر، علم قطعًا أنه لا بد من وجود قادر حكيم يلهمها ذلك، ويحملها عليه 51.

والله سبحانه وتعالى أودع الغريزة في الحيوان، فأوحى إلى النحل أن تتخذ بيوتًا تأوي إليها، أي: أوكارًا، ومن الشّجر بيوتًا. وممّا يعرشون، أي: مما يبنيه الناس لها من الأماكن، أي: يصنعونه من الخلايا من طين، أو خشب، أو غيرهما 52.

قال القرطبي رحمه الله: «قال ابن العربي: ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينهما فرج، إلا الشكل المسدس؛ فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل كأنه كالقطعة الواحدة» 53.

وفي اتخاذ النحل البيوت امتثال لأمر ربها، قال ابن القيم رحمه الله: «وتأمل كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت أولًا، فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت، وأكلت من الثمار ثم آوت إلى بيوتها؛ لأن ربها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولًا، ثم بالأكل بعد ذلك، ثم إذا أكلت سلكت سبل ربها مذللة لا يستوعز عليها شيء ترعى ثم تعود، ومن عجيب شأنها أن لها أميرًا يسمى اليعسوب لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلا به، فهي مؤتمرة لأمره سامعة له مطيعه وله، عليها تكليف وأمر ونهي، وهي رعية له منقادة لأمره متبعة لرأيه يدبرها، كما يدبر الملك أمر رعيته، حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت، فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تتقدم عليها في العبور، بل تعبر بيوتها واحدة بعد واحدة بغير تزاحم، ولا تصادم، ولا تراكم كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره الى معبر ضيق لا يجوزه إلا واحد واحد، ومن تدبر أحوالها وسياساتها، وهدايتها، واجتماع شملها، وانتظام أمرها، وتدبير ملكها، وتفويض كل عمل إلى واحد منها يتعجب منها كل العجب، ويعلم أن هذا ليس في مقدورها، ولا هو من ذاتها، فإن هذه أعمال محكمة متقنة في غاية الاحكام، والإتقان، فإذا نظرت إلى العامل رأيته من أضعف خلق الله أجهله بنفسه، وبحاله، وأعجزه عن القيام بمصلحته فضلًا عما يصدر عنه من الأمور العجيبة، ومن عجيب أمرها أن فيها أميرين لا يجتمعان في بيت واحد، ولا يتأمران على جمع واحد، بل إذا اجتمع منها جندان، وأميران قتلوا أحد الأميرين، وقطعوه، واتفقوا على الأمير الواحد» 54.

الثالث: في قوله تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? O) [الزخرف: 12 - 13] .

والمعنى: أن الله سبحانه خالق وسيلة الركوب من الفلك، والأنعام، أي: أن اللّه الذي خلق الفلك، الأنعام، وألهم الإنسان، وعلمه أن يتخذ وسيلة الركوب في البحر، وهي السفن، وأوجد واسطة الركوب في البر من الأنعام، وهي الإبل، إذ المعهود أنه لا يركب من الأنعام إلا هي، واللّه هو الذي ذلّلها لنا، وسخّرها، ويسّرها لركوب ظهورها، وكذا لأكل لحومها، وشرب ألبانها، والانتفاع بأوبارها، ومن الأنعام لم تخلق للركوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينما رجل راكب بقرة، إذ قالت له: لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنت بذلك أنا، وأبو بكر، وعمر) 5556.

ومن العجيب أن الله سبحانه وتعالى أعطى بهيمة الأنعام الأسماع، والأبصار ليتم تناولها لمصالحها، ويكمل انتفاع الإنسان بها إذ لو كانت عمياء، أو صماء لم يتمكن من الانتفاع بها، ثم سلبها العقول، إذ إن هناك تباينًا بين عقولها وعقل الإنسان؛ ليتمكن الإنسان من تسخيرها إياها فيقودها، ويصرفها حيث شاء، ولو أعطيت العقول على كبر خلقها لامتنعت من طاعته، واستعصت عليه ولم تكن مسخرة له، فأعطيت من التمييز، والإدراك ما تتم به مصلحتها، ثم تأمل كيف قادها، وذللها على كبر أجسامها، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?- ? ? ? ? ? ?) [يس:71 - 72] .

فالبعير على عظم خلقته يقوده الصبي الصغير ذليلًا منقادًا، والله سبحانه وتعالى ذلّله، وسخره، وقاده على قوته لبشر ضعيف من أضعف المخلوقات، وفرغ بذلك التسخير النوع الإنساني لمصالح معاشه، ومعاده، فأعينوا بهذه الحيوانات مع ما لهم فيها من المنافع التي لا يحصيها إلا الله من الغذاء، والشراب، والدواء، واللباس، والأمتعة، والآلات، والأواني، والركوب، والحرث، والمنافع الكثيرة، والجمال 57.

وفيما ذكر من الأمثلة للتفكر في خلق الحيوانات الكفاية، فالذي يتفكر في خلقها يدله تفكيره على خالقها جل وعلا.

جاء ذكر الحيوانات في القرآن الكريم بمسميات عديدة، والناظر في هذه الحيوانات يجد أن منها المأكولة، ومنها المركوبة، ومنها المفترسة، وسنوضح إن شاء الله تعالى أنواع الحيوانات في النقاط الآتية:

أولًا: الحيوانات المأكولة:

ورد ذكر الحيوانات مأكولة اللحم على سبيل الإجمال تحت مسمى أنعام اثنين وثلاثين مرة، وبلفظة النعم مرة واحدة، والأنعام تشمل: (الإبل، والبقر، والغنم، والماعز) ، وما شابهها من الحيوانات اللبونة، وأما على سبيل التفصيل فورد ذكر الإبل مرتين، وبلفظة بعير مرتين أيضًا، وبلفظة ناقة أربع مرات، والناقة ثلاث مرات، وجاء ذكر البقر تسع مرات، منها لفظة البقر ثلاث مرات، ولفظة بقرة أربع مرات، وبقرات مرتين، وجاءت لفظة عجل عشر مرات، وأما الغنم فورد ذكرها ثلاث مرات بلفظة غنم، الغنم، غنمي، وبلفظة المعز مرة واحدة، وسأذكر ورودها في القرآن الكريم مع توضيح معناها في سياق الآيات.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چچ) [الأنعام: 144] .

جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? * ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الأنعام: 142 - 143] .

والمعنى: أن الأنعام التي هي حمولة وفرش ثمانية أصناف، فإنّ الحمولة: إما إبل، وإما بقر، والفرش: إما ضأن، وإما معز، وكلّ قسم من هذه الأربعة: إما ذكر، وإما أنثى، وقد أنشأ اللّه من الضّأن زوجين اثنين: الكبش، والنّعجة، ومن المعز زوجين اثنين: التّيس والعنزة، ومن الإبل اثنين: الجمل، والنّاقة، ومن البقر اثنين: الثّور والبقرة، والله عز وجل قال للرسول صلى الله عليه وسلم: قل لمشركي العرب إنكارًا لصنعهم بتقسيم الأنعام إلى بحيرة، وسائبة، ووصيلة، وحام، وغير ذلك مما ابتدعوا فيها: أحرم اللّه الذّكرين من الكبش، والتّيس؟ أم حرّم الأنثيين من النّعجة، والعنز؟ أم حرّم ما حملت إناث النّوعين؟ يعني: هل يشتمل الرّحم إلا على ذكر، أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلّون بعضًا؟ أخبروني عن يقين، كيف حرّم اللّه عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام ونحو ذلك؟ أخبروني ببيّنة تدلّ على هذا التّحريم من كتاب اللّه، أو خبر نبي من الأنبياء إن كنتم صادقين في ادّعاء التّحريم 58.

قال الزحيلي: «والحقيقة أنه لا منطق في تقسيم العرب في الجاهلية قبل الإسلام لأنواع الأنعام، فمنها الحرام، ومنها الحلال، فإن كان المحرّم منها الذّكر، وجب أن يكون كلّ ذكورها حرامًا، وإن كان المحرّم منها الأنثى، وجب أن يكون كلّ إناثها حرامًا، وإن كان المحرّم منها ما حملته الأجنّة في بطون الإناث، وهي تشتمل على الذّكر والأنثى، وجب تحريم الأولاد كلّها، واللّه تعالى ما حرّم عليهم شيئًا من هذه الأنواع، وإنهم لكاذبون في دعوى التّحريم، ولا أحد في الدّنيا أظلم ممن يفتري الكذب على اللّه، فيدّعي أنه حرّم شيئًا ولم يحرّمه، ونسب إليه تحريم ما لم يحرم، من أجل إضلال النّاس، وهو عمرو بن لحيّ بن قمعة الذي بحر البحائر، وسيّب السّوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وغيّر دين الأنبياء، إن اللّه لا يهدي إلى الحقّ والخير القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، فشرعوا ما لم يشرع اللّه تعالى» 59.

ولما كانت الإبل أنفس الأموال عند العرب، وكانوا يركبونها في الصحراء، ويحملون أمتعتهم عليها قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ) [الغاشية: 17] .

والمعنى: أن الله سبحانه وتعالى أمر العرب أن يتفكروا في خلقها بما يتناسب مع طبيعة استخدامها.

قال الشوكاني رحمه الله: «الآية مسوقة لتقرير أمر البعث، والاستدلال عليه، والمعنى: أينكرون أمر البعث، ويستبعدون وقوعه، أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب مواشيهم، وأكبر ما يشاهدونه من المخلوقات كيف خلقت على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها، وبديع أوصافها قال أبو عمرو بن العلاء: إنما خص الإبل لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرهما من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم: قال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه» 60.

وقد سبق بيان معنى هذه الآية فليراجع، ولا داعي للتكرار.

والبعير من الإبل ذكر مرتين في القرآن الكريم بلفظة (بعير) ، أما الموضع الأول ورد في قوله تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ?) [يوسف: 65] .

والمعنى: لما فتح إخوة يوسف متاعهم، وجدوا بضاعتهم ردّت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم قالوا: يا أبانا، ماذا نريد؟ قال قتادة: ما نبغي وراء هذا؟ إن بضاعتنا ردت إلينا، وقد أوفي لنا الكيل، وإذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا، وذلك أن يوسف، عليه السلام، كان يعطي كل رجل حمل بعير 61.

وأما الموضع الثاني في قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 72] .

أي: قالوا: ولمن جاء بالصواع من جهة نفسه حمل بعير، والبعير الجمل، وفي لغة بعض العرب أنه الحمار، والمراد بالحمل ها هنا: ما يحمله البعير من الطعام، ثم قال المنادي: وأنا كفيل بحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية، ولعل القائل: نفقد صواع الملك هو المنادي وحده؛ لأنه القائل بالحقيقة 62.

وأما الناقة فذكرت في القرآن الكريم سبع مرات؛ بلفظة ناقة أربع مرات في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 73] .

وقوله: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 64] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 155] .

وقوله: (? ? ? ? ? ?) [الشمس: 13] .

وبلفظة الناقة ثلاث مرات، في قوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 77] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ) [الإسراء: 59] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [القمر: 27] .

وكلها جاءت حينما طلب قوم صالح عليه السلام منه المعجزة على صحة دعوته لهم، أتاهم بمعجزة الناقة، وقيل: إن قومه خرجوا في عيد لهم، فسألوه أن يأتيهم بآية، وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا صالح ربه، فخرجت الناقة كما سألوا، وقال لهم: هذه آية على صدقي: ناقة اللّه التي تتميز عن سائر الإبل بأكلها وشربها وغزارة لبنها، فاتركوها تأكل ما شاءت في أرض اللّه من المراعي، دون أن تتحملوا عبء مؤنتها، ولا تمسوها بسوء أيًّا كان نوعه، فيأخذكم عذاب عاجل لا يتأخر عن إصابتكم إلا يسيرًا، وذلك ثلاثة أيام، ثم يقع عليكم، فلم يسمعوا نصحه، وكذبوه، وعقروها، فقال لهم: استمتعوا بالعيش في داركم، أي: بلدكم، وتسمى البلاد الديار، مدة ثلاثة أيام، ذلك وعد مؤكد غير مكذوب فيه.

ثم وقع ما أوعدهم به، فلما حان وقت أمر الله تعالى بالعذاب، والإهلاك، وحل العقاب، ووقعت الواقعة، ونزلت الصاعقة، نجينا صالحًا، والمؤمنين معه، برحمة منا، ونجيناهم من عذاب شديد، ومن ذل ومهانة، وأما الذين كفروا أخذتهم صيحة العذاب، وهي الصاعقة ذات الصوت الشديد المهلك، التي تزلزل القلوب، وتصعق عند سماعها النفوس، فصعقوا بها جميعًا، وأصبحوا جثثًا هامدة ملقاة على الأرض، وكأنهم لسرعة هلاكهم لم يوجدوا في الدنيا، ولم يقيموا في ديارهم، بسبب كفرهم وجحودهم بآيات ربهم، ألا إنهم كفروا بربهم، فاستحقوا عقابه الشديد، ألا بعدًا لهم عن رحمة اللّه، وسحقًا لثمود، وهلاكًا لهم ولأمثالهم 63.

وجاء ذكر البقر تسع مرات، منها لفظة البقر ثلاث مرات: في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 70] .

هذا سؤال من قوم موسى لطلب زيادة إيضاح وإظهار؛ لأنه لم يحصل لهم تمام البيان، ثم ذكروا السبب في إعادة السؤال، فقالوا: إن وجوه البقر تتشابه، أي: يشبه بعضها بعضًا 64.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چچ ... ) [الأنعام: 144] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت