فهرس الكتاب

الصفحة 1673 من 2431

والقول الثاني: أنه تعالى لما وعده بالسلامة من الآفات، وعده بأن موجبات السلامة يكون في التزايد والثبات والاستقرار، ثم إنه تعالى لما شرفه بالسلامة والبركة شرح بعده حال أولئك الذين كانوا معه، فقال: (وَعَلَى? أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ) [هود:48] .

والأمم المبارك عليهم المتشعبة منهم نكرةٌ يدل على أن بعض من يتشعب منهم ليسوا على صفتهم، يعني ليس جميع من تشعب منهم مسلمًا ومباركًا عليه، بل منهم أممٌ ممتعون في الدينا معذبون في الآخرة، وعلى هذا لا يكون كل من كان مع نوح عليه السلام مسلمًا ومباركًا عليه صريحًا، وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوح عليه الصلاة والسلام ومن كون ذرياتهم كذلك بدلالة النص، ويجوز أن تكون (من) بيانيةً أي: وعلى أمم هم الذين معك 54 عن الحسن: أنه كان إذا قرأ سورة هود، فأتى على يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك، حتى ختم الآية، قال الحسن: فأنجى الله نوحًا والذين آمنوا، وهلك المتمتعون! حتى ذكر الأنبياء كل ذلك يقول: أنجاه الله وهلك المتمتعون 55.

قال محمد بن كعبٍ: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى? أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ) [هود:48] .

قال: فما بقي مؤمنٌ ولا مؤمنةٌ إلا دخل في ذلك السلام، وفي تلك البركات إلى يوم القيامة 56.

وبشر نوح بالسلامة إيذانًا له بمغفرة ربه له ورحمته إياه، وبإقامته في الأرض آمنًا من الآفات الدنيوية؛ إذ كانت الأرض قد خلت مما ينتفع به من النبات والحيوان، فكان ذلك تبشيرًا له بعود الأرض إلى أحسن حالها؛ ولذلك قال: (وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ) أي دائمةٍ باقيةٍ عليك.

والمعنى: أن السلام منا والبركات دائمة باقية عليك وعلى أمم مؤمنين ينشئون ممن معك، وأممٌ ممتعون بالدنيا منقلبون إلى النار 57.

وقد بين الله تعالى أن البركة كما أصابت نوحًا عليه السلام فقد أصابت واستعلت أممًا كانت مع نبي الله نوح عليه السلام، و (على) للاستعلاء المجازي، أي: تمكن البركة من الإحاطة بهما 58.

وكما أصابت البركة نوحًا عليه السلام أصابت أيضًا إبراهيم وذريته من الأنبياء عليهم السلام.

من مجالات البركة في القرآن الكريم، وضمن حديث القرآن عن الأنبياء يأتي خليل الرحمن إبراهيم وذريته من الأنبياء عليهم السلام.

يقول الله تعالى: (سَلَامٌ عَلَى? إِبْرَاهِيمَ ?109?كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?110?إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ?111?وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ?112?وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى? إِسْحَاقَ ? وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ?113?) [الصافات:109 - 113] .

فقوله تعالى في هذه الآية: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ) كقوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى? أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ? وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [هود:48] 59.

والمعنى: «ثنينا عليهما النعمة، وقيل: كثرنا ولدهما، أي: باركنا على إبراهيم وعلى أولاده، وعلى إسحاق حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه، وقد قيل: إن الكناية في (عليه) تعود على إسماعيل وأنه هو الذبيح.

قال المفضل: الصحيح الذي يدل عليه القرآن أنه إسماعيل؛ وذلك أنه قص قصة الذبيح، فلما قال في آخر القصة: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) [الصافات:107] .

ثم قال: (سَلَامٌ عَلَى? إِبْرَاهِيمَ(109 ) ) ثم قال: (كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي: على إسماعيل، وعلى إسحاق كنى عنه؛ لأنه قد تقدم ذكره» 60.

وحمل أبو حيان الآية على الوعد والوعيد، حيث قال: « (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى? إِسْحَاقَ ?) أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ... ، (وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ) [الصافات:113] .

فيه وعيدٌ لليهود، ومن كان من ذريتهما لم يؤمن بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وفيه دليلٌ على أن البر قد يلد الفاجر، ولا يلحقه من ذلك عيبٌ ولا منقصةٌ» 61.

وقد جمع القاسمي البركة في (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ) في تكثير الذرية، وتسلسل النبوة فيهم، وجعلهم ملوكًا، وإيتائهم ما لم يؤت أحد» 62.

وكما ذكر الله تعالى أنبياءه نوح وإبراهيم وذريته من الأنبياء عليهم السلام متصفين بالبركة ذكر نبيه عيسى عليه السلام فقال سبحانه: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ?31?) [مريم:31] .

فسر العلماء البركة الموصوف بها نبي الله عيسى عليه السلام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو النفع حيث ما توجه، وقال مجاهدٌ: معلمًا للخير.

وقال عطاءٌ: أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته.

وعن الضحاك: قضاءً للحوائج.

وقيل: مباركًا على من تبعني 63.

وفسر القرطبي البركة بقوله: «وأرشد الضال، وأنصر المظلوم، وأغيث الملهوف» 64.

وفسرها القاسمي بقوله: «أبلغ وحي ربي لتقويم النفوس، وكبح الشهوات، والأخذ بما هو مناط السعادات، والتعبير بلفظ الماضي (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم» 65.

وفسرها ابن عاشور بعد بيان صيغة (مُبَارَكًا) قائلًا: «والمبارك: الذي تقارن البركة أحواله في أعماله ومحاورته ونحو ذلك؛ لأن المبارك اسم مفعولٍ من باركه، إذا جعله ذا بركةٍ، أو من بارك فيه، إذا جعل البركة معه.

والبركة: الخير واليمن؛ ذلك أن الله أرسله برحمةٍ لبني إسرائيل ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وليدعوهم إلى مكارم الأخلاق بعد أن قست قلوبهم، وغيروا من دينهم، فهذه أعظم بركةٍ تقارنه، ومن بركته أن جعل الله حلوله في المكان سببًا لخير أهل تلك البقعة من خصبها واهتداء أهلها، وتوفيقهم إلى الخير؛ ولذلك كان إذا لقيه الجهلة والقساة والمفسدون انقلبوا صالحين، وانفتحت قلوبهم للإيمان والحكمة.

ولذلك ترى أكثر الحواريين كانوا من عامة الأميين من صيادين وعشارين فصاروا دعاة هدًى، وفاضت ألسنتهم بالحكمة، وبهذا يظهر أن كونه مباركًا أعم من كونه نبيًا عمومًا وجهيًا، فلم يكن في قوله وجعلني نبيًا غنيةٌ عن قوله: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا) والتعميم الذي في قوله: (أَيْنَ مَا كُنْتُ) تعميمٌ للأمكنة، أي: لا تقتصر بركته على كونه في الهيكل بالمقدس، أو في مجمع أهل بلده، بل هو حيثما حل تحل معه البركة» 66.

وفسرها الإمام محمد أبو زهرة بقوله: «المبارك: النافع الهادي المرشد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والداعي إلى الحق والتنزيه، وقد كان عيسى عليه السلام واضح البركات، كان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى، وينادي الموتى فيخرجون من قبورهم، وأنزل الله تعالى على يديه المائدة من السماء، على أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم، فأي بركةٍ أعظم مما أعطيه هذا النبي الكريم؟!» 67.

وكما أن الأنبياء يمثلون مجالًا من مجالات البركة في القرآن، فإن أهل بيت النبوة يمثلون ذلك أيضًا في استعمال القرآن.

قال تعالى: (وَلَقَد جاءَت رُسُلُنا إِبراهيمَ بِالبُشرى قالوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَن جاءَ بِعِجلٍ حَنيذٍ ?69? فَلَمّا رَأى أَيدِيَهُم لا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُم وَأَوجَسَ مِنهُم خيفَةً قالوا لا تَخَف إِنّا أُرسِلنا إِلى قَومِ لوطٍ?70? وَامرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَت فَبَشَّرناها بِإِسحاقَ وَمِن وَراءِ إِسحاقَ يَعقوبَ ?71? قالَت يا وَيلَتى أَأَلِدُ وَأَنا عَجوزٌ وَهذا بَعلي شَيخًا إِنَّ هذا لَشَيءٌ عَجيبٌ ?72? قالوا أَتَعجَبينَ مِن أَمرِ اللَّهِ رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ إِنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ?) [هود:69 - 73] .

الآيات الكريمات تتحدث عن مجيء الملائكة إبراهيم عليه السلام لتبشيره هو وزوجته بالذرية، وإخبارهما بالرحمة والبركة الكائنة في بيت النبوة، يقول ابن كثير مبينًا هدايات هذه الآيات: «يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوطٍ، فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: (قالَت يا وَيلَتى أَأَلِدُ وَأَنا عَجوزٌ وَهذا بَعلي شَيخًا إِنَّ هذا لَشَيءٌ عَجيبٌ ?72? قالوا أَتَعجَبينَ مِن أَمرِ اللَّهِ رَحمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيكُم أَهلَ البَيتِ إِنَّهُ حَميدٌ مَجيدٌ) [هود:72 - 73] .

فبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعقبًا، كما قال تعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [الصافات:112] .

وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: (فَبَشَّرناها بِإِسحاقَ وَمِن وَراءِ إِسحاقَ يَعقوبَ) [هود:71] .

أي: ويولد لهذا المولود ولدٌ في حياتكما، فتقر أعينكما به، كما قرت بوالده، فإن الفرح بولد الولد شديدٌ لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاةً لإبراهيم عليه السلام حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله عز وجل عن قومه وعشيرته بأولادٍ صالحين من صلبه على دينه؛ لتقر بهم عينه، كما قال تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا(49 ) ) [مريم:49] .

وقال: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? كُلًّا هَدَيْنَا ?) [الأنعام:84] .

وقوله: (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ) [الأنعام:84] .

أي: من قبله هديناه كما هديناه، ووهبنا له ذريةً صالحةً، وكلٌ منهما له خصوصيةٌ عظيمةٌ، أما نوحٌ عليه السلام، فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام، فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيًا إلا من ذريته.

كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [العنكبوت:27] .الآية.

وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [الحديد:26] .

وقال تعالى: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ? إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) [هود:73] .

أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمودٌ ممجدٌ في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ (قال: قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ) 68.

و (حَمِيدٌ) وصف لذات الله بمعنى أنه المحمود الذي يدوم حمده وإنعامه، ويحمد لهذا الإنعام، و (مَجِيدٌ) على وزن فعيل من ماجد؛ لأنه العالي في ذاته وصفاته ومجده سبحانه وتعالى» 69.

وفي تفصيل معنى العجب ومدى حمل الرحمة والبركة في الآية الكريمة على الخبر أو الدعاء.

يقول العلماء: وقوله سبحانه: (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة مهبط المعجزات، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلًا عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات، قيل: الرحمة النبوة، والبركات أن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا في ولد إبراهيم 70.

وعبارة (رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ) حملها بعض العلماء على الدعاء، وبعضهم على الخبر، أما أهل البيت المعنيين بالبركة يتضمنون الزوجة، قال ابن عطية: «يحتمل اللفظ أن يكون دعاء، وأن يكون إخبارًا، وكونه إخبارًا أشرف؛ لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد، وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل بيته؛ لأنها خوطبت بهذا، فيقوى القول في زوجات النبي عليه السلام بأنهن من أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس، بخلاف ما تذهب إليه الشيعة، وقد قاله أيضًا بعض أهل العلم، قالوا: أهل بيته الذين حرموا الصدقة، والأول أقوى، وهو ظاهر جلي من سورة الأحزاب؛ لأنه ناداهن بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ) [الأحزاب:32] . ثم بقوله: (أَهْلَ الْبَيْتِ) [الأحزاب:33] » 71.

ثالثًا: الأزمنة المباركة:

وكما طوفنا بالبركة من خلال مجال المصطفين الأخيار وآلهم، فإننا نستطيع بيان أن من مجالات البركة الأزمنة ومن ذلك:

الليلة المباركة:

حوى القرآن الكريم من خلال استعمالاته أزمنة وصفها بالبركة، من ذلك ما يتعلق بليلة نزول القرآن، حيث قال الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ? إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ(3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ? إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الدخان: 3 - 6] .

هذه الليلة هي ليلة القدر من شهر رمضان؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ?) [القدر:1] .

ولمطابقة قوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان:4] .

لقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) [القدر: 4] .

وقوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة:185] .

وليلة القدر في أصح الأقاويل في شهر رمضان، والمباركة: الكثيرة الخير لما يتيح الله فيها من الأمور التي يتعلق بها منافع العباد في دينهم ودنياهم، ولولم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة 72.

وقد أفاض العلامة الفخر في بيان نظم هذه الآيات فقال: «اعلم أن المقصود منها تعظيم القرآن من ثلاثة أوجهٍ، أحدها: بيان تعظيم القرآن بحسب ذاته، الثاني: بيان تعظيمه بسبب شرف الوقت الذي نزل فيه، الثالث: بيان تعظيمه بحسب شرف منزلته.

أما بيان تعظيمه بحسب ذاته فمن ثلاثة أوجهٍ، أحدها: أنه تعالى أقسم به وذلك يدل على شرفه، وثانيها: أنه تعالى أقسم به على كونه نازلًا في ليلةٍ مباركةٍ، وقد ذكرنا أن القسم بالشيء على حالةٍ من أحوال نفسه يدل على كونه في غاية الشرف، وثالثها: أنه تعالى وصفه بكونه مبينًا وذلك يدل أيضًا على شرفه في ذاته، وأما النوع الثاني: وهو بيان شرفه لأجل شرف الوقت الذي أنزل فيه فهو قوله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) وهذا تنبيهٌ على أن نزوله في ليلةٍ مباركةٍ يقتضي شرفه وجلالته، ثم نقول: إن قوله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) يقتضي أمرين:

أحدها: أنه تعالى أنزله.

والثاني: كون تلك الليلة (مباركةً) .

فذكر تعالى عقيب هذه الكلمة ما يجري مجرى البيان لكل واحدٍ منهما.

أما بيان أنه تعالى لم أنزله، فهو قوله: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) يعني الحكمة في إنزال هذه السورة أن إنذار الخلق لا يتم إلا به.

وأما بيان أن هذه الليلة ليلةٌ مباركةٌ فهو أمران:

أحدهما: أنه تعالى يفرق فيها كل أمرٍ حكيمٍ.

والثاني: أن ذلك الأمر الحكيم مخصوصًا بشرف أنه إنما يظهر من عنده، وإليه الإشارة بقوله: (أمرًا من عند) » 73.

وقد أخرج الطبري رواية ابن عباس رضي الله عنهما التي من خلالها جمع بركة نزول القرآن في أوقات تفيض بركة: «عن ابن عباس قال له رجل: إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) ، وقوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) ، وقوله: (ان انزلناه في ليلة القدر) وقد أنزل الله في شوال وذي القعدة وغيره! قال: إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدةً، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلًا في الشهور والأيام» 74.

وقد عدد أبو السعود أنواعًا من بركات ليلة نزول القرآن، فقال: «لما أن نزول القرآن مستتبعٌ للمنافع الدينية والدنيوية بأجمعها، أو لما فيها من تنزل الملائكة، والرحمة، وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل الأقضية، وفضيلة العبادة، وإعطاء تمام الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم» 75.

كما أن المقصود من تشريف الليلة التي كان ابتداء إنزال القرآن فيها تشريفٌ آخر للقرآن بتشريف زمان ظهوره، تنبيهًا على أنه تعالى اختار لابتداء إنزاله وقتًا شريفًا مباركًا؛ لأن عظم قدر الفعل يقتضي أن يختار لإيقاعه فضل الأوقات والأمكنة، فاختيار فضل الأوقات لابتداء إنزاله ينبئ عن علو قدره عند الله تعالى، كقوله: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79 ) ) [الواقعة:79] 76.

وهكذا تجلى ربنا على أمة الإسلام ببركة الكتاب العزيز الذي من تمسك به نال بركتي الدنيا والآخرة، ومن التمسك به تكريمه بالعمل به، والاحتكام إليه لأنه كلام الله، الذي شرفه سبحانه ذاتًا ومكانًا وزمانًا.

رابعًا: الأمكنة المباركة:

وصف القرآن الكريم بعض الأماكن بالبركة؛ حتى يلفت أنظارنا إليها؛ كي نعتني بها، ونقبل عليها، ونتأدب فيها، ونخصها بما يجب أن تخص به، وقد بين لنا ربنا سبحانه أنه بارك في مجمل الأرض من خلال قوله تعالى: (? قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ? ذَ?لِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ) [فصلت:9 - 10] .

وقد فسر العلماء البركة في مجمل الأرض بتفسيرات كثيرة، منها:

شق البحار والأنهار، وإنبات الشجر، والثمار، وإكثار الخير وإنماؤه، وخلق أصناف الحيوانات، وجعل الأرض طهورًا، وخلق الجبال، وكل ما يحتاج إليه من الخيرات والأرزاق 77.

يقول الرازي: «ولوجوهٍ منها: أنه تعالى وصف بقاعًا من الأرض بالبركة بقوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا) [آل عمران:96] .

ومنها: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) [القصص:30] .

ومنها: (الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء:1] .

ومنها: وصف أرض الشام بالبركة، فقال: (مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف:137] .

وخامسها: وصف جملة الأرض بالبركة، فقال: (? قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ? ذَ?لِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ(9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ) [فصلت:9 - 10] .

فإن قيل: وأي بركةٍ في الفلوات الخالية والمفاوز المهلكة؟ قلنا: إنها مساكن للوحوش ومرعاها، ثم إنها مساكن للناس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركات قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ) [الذاريات:20] .

وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آياتٍ للموقنين تشريفًا لهم، كما قال: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:2] .

ومن ذلك: أنه سبحانه وتعالى خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) [طه:55] .

ولم يخلق من السموات شيئًا؛ لأنه قال: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا) [الأنبياء:32] .

ومن ذلك: أن الله تعالى أكرم نبيه بها فجعل الأرض كلها مساجد له، وجعل ترابها طهورًا، ثم قال: والبركة كثرة الخير والخيرات الحاصلة من الأرض أكثر مما يحيط به الشرح والبيان» 78.

وقد أرجع الشيخ الشعراوي الضمير في الآية الكريمة: (ويترك فيها) إلى الجبال خصوصًا معللًا ذلك بكون الضمير جاء بعد ذكر الجبال (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا) .

وهو رأي له وجاهته من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يخرج في وصف البركة عن نطاق الأرض؛ إذ أنه سبحانه يضع نفعه فيما يشاء من مخلوقاته.

يقول رحمه الله تعالى: « (ويترك فيها) جاءت بعد ذكر الجبال الرواسي، ثم قال: (وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) [فصلت:10] .

كأن الجبال هي مخازن القوت، وخزائن رحمة الله لأهل الأرض، والقوت: وهو الذي يتم به استبقاء الحياة، وهذا ناشئ من مزروعات الأرض، وهذه من تصديقات القرآن لطموحات العلم وأسبقية إخباره بما سيحدث، فها هو القرآن يخبر بما اهتدى إليه العلم الحديث من أن العناصر التي تكون الإنسان هي نفس عناصر التربة الزراعية التي نأكل منها.

لكن كيف تكون الجبال مخازن القوت الذي جعله الله في الأرض قبل أن يخلق الإنسان؟

نقول: إن الجبال هي أساس التربة التي نزرعها، فالجبل هذه الكتلة الصخرية التي تراها أمامك جامدة هي في الحقيقة ليست كذلك؛ لأن عوامل التعرية وتقلبات الجو من شمس وحرارة وبرودة، كل هذه عوامل تفتت الصخر، وتحدث به شروخًا وتشققات، ثم يأتي المطر فيحمل هذا الفتات إلى الوادي، ولو تأملت شكل الجبل وشكل الوادي لوجدتهما عبارة عن مثلثين كل منهما عكس الآخر، فالجبل مثلث رأسه إلى أعلى، وقاعدته إلى أسفل، والوادي مثلث رأسه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى.

وهكذا فكل ما ينقص من الجبل يزيد في الوادي، ويكون التربة الصالحة للزراعة، وهو ما يسمى بالغرين أو الطمي؛ لذلك حدثونا أن مدينة دمياط -بمصر- قديمًا كانت على شاطئ البحر الأبيض، ولكن بمرور الزمن تكونت مساحات واسعة من هذا الغرين أو الطمي الذي حمله النيل من إفريقية ففصل دمياط عن البحر، والآن وبعد بناء السد وعدم تكون الطمي بدأت المياه تنحت في الشاطئ، وتنقص فيه من جديد، إذن: فقوله تعالى عن بداية خلق الأرض: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) [فصلت:10] .

كأنه يعطينا تسلسلًا لخلق القوت في الأرض، وأن خزائن الله لا حدود لها ولا نفاد لخيراتها، فالضمير في (وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) [فصلت:10] .

إنما على الجبال؛ لأن الجبال في الحقيقة هي مخازن القوت، ومصدر الخصب للأرض التي هي مصدر القوت، فالإنسان مخلوق من الأرض، واستبقاء حياته من الأرض، فالنبات قوت للإنسان وللحيوان، والنبات والحيوان قوت للإنسان.

إذن: لابد للأرض من خصوبة تساعدها وتمدها بعناصر الغذاء، ولو أن الخالق عز وجل جعل الأرض هكذا طبقةً واحدة بها المخصبات لانتهت هذه الطبقة بعد عدة سنوات، ولأجدبت الأرض بعد ذلك 79.

هكذا بين العلماء طرفًا مما هداهم الله إليه من بركات مجمل الأرض، كما ذكر القرآن الكريم، وما على المسلم إلا أن يغتنم هذه البركة بالطاعة، وترك المعصية أو الإفساد في الأرض؛ ليستزيد من بركات الله في أرضه سبحانه.

من الأمكنة التي باركها الله في القرآن الكريم المسجد الحرام بمكة المكرمة.

قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ?96?فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ?97?) [آل عمران:96 - 97] .

في هاتين الآيتين الكريمتين خص الله تعالى المسجد الحرام بسبع خصالٍ ليست لغيره من المساجد، هي أنه: أول بيتٍ وضع للناس، ومباركٌ، وهدًى للعالمين، وفيه آيات بيناتٌ، ومقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، والحج والعمرة إليه، وآياتٌ أخر 80.

وهدفنا الأصيل هو التوجه نحو صفة البركة في الآية الكريمة، وبركة هذا البيت من وجوهٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت