ثم عطفتهم عليه {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) } [الفتح:29] .
وقد تضمنت الآية إخبارًا منه «تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة؛ فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون» 59.
والشدة في هذا المقام صفة مدح؛ لأنها غلظة على غليظ، وقمع لمتجبر ظالم عات، وانتصار للحق، وغيرة على الدين، قال في التحرير والتنوير: «والشدة على الكفار: هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح؛ لأن المؤمنين الذين مع النبيء صلى الله عليه وسلم كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام، فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله، والحب في الله، والبغض في الله من الإيمان، وأصحاب النبيء صلى الله عليه وسلم أقوى المؤمنين إيمانًا من أجل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم، فلا جرم أن يكونوا أشد على الكفار، فإن بين نفوس الفريقين تمام المضادة، وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية، وعفا عنهم النبيء صلى الله عليه وسلم إلا من آثار شدتهم على الكفار، ولم تكن لاحت لهم المصلحة الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبيء صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذ أشد أشدائهم على الكفار وهو عمر بن الخطاب، وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبيء صلى الله عليه وسلم في إبرام الصلح أبا بكر» 60.
قال: «ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة وأحكام صحبتهم ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال» 61.
والصفة الثانية لأصحابه صلى الله عليه وسلم أنهم: « {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه» 62.
«وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدة والرحمة؛ إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد، فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى؛ ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الرؤية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} في سورة العقود [المائدة:54] .
وفي تعليق رحماء مع ظرف (بين) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعًا» 63.
«هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود.
{يَبْتَغُونَ} بتلك العبادة {فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه» 64.
وأما الصفة الأخرى التي ذكرت لأصحابه صلى الله عليه وسلم فهي علامة على وجوهم، ناتجة عن صفتهم السابقة التي هي كثرة السجود: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} ، «والسيما: العلامة وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود.
واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها من أثر السجود على ثلاثة أنحاء:
الأول: أنها أثر محسوس للسجود.
الثاني: أنها من الأثر النفسي للسجود.
الثالث: أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة» 65. تلك صفتهم في التوراة.
«فأما قوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ} ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل. قال مجاهد: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد.
والثاني: أن المتقدم مثلهم في التوراة. فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله: {كَزَرْعٍ} وهذا قول الضحاك وابن زيد.
والثالث: أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع» 66.
وقد اختار ابن جرير أن هذا مثلهم في التوراة، وأن قوله: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} مثلهم في الإنجيل، قال: «وقوله: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه، وهو فراخه، يقال منه: قد أشطأ الزرع: إذا فرخ فهو يشطي إشطاء، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة، حتى كثر عددهم، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتى يكثر وينمي» 67.
ثم روى بسنده عن ابن عباس قال: «قوله {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} أصحابه مثلهم، يعني: نعتهم مكتوبًا في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض» 68.
وإذا تأملنا هذه الأوصاف التي ذكر القرآن الكريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف بها في الكتب السابقة، وجدناها أوصافًا لأمة كبيرة من الناس: الأميون الذين بعث فيهم، وأصحابه الذين معه، وهي أوصاف يستحيل انتحالها بخلاف صفة الفرد الواحد، ولو كانت أوصاف شخص واحد لجاز لأحد ممن يقرؤها أن يزعم أنه يرى تحققها في شخص يعرفه أو فيه هو.
وقد ورد في سورة الصف ما يوهم ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) } [الصف:6] .
فنصت الآية على أن عيسى عليه السلام بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخبر باسمه «أحمد» ، وروى ابن جرير بسنده عن عرباض بن سارية، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني عند الله مكتوبٌ لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدلٌ في طينته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، والرؤيا التي رأت أمي، وكذلك أمهات النبيين، يرين أنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نورٌ أضاءت منه قصور الشام) 69.
غير أن الآية لم تنص صراحة على أن اسمه «أحمد» مكتوب في الإنجيل، بل غاية ما نصت عليه أنه خبر على لسان المسيح وليس فيه نص على أنه مكتوب في الإنجيل ولا أنه غير مكتوب.
وقد أوهم ذلك أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل، كما قال القرطبي: «وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، واسمي في القرآن محمد؛ لأني محمود في أهل السماء والأرض) 70» 71.
ومن ذلك ما أخرج ابن عساكر عن سهل مولى غنيمة أن نعت محمد عليه الصلاة والسلام في التوراة: «أنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو صفرة، من بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصًا مرقوعًا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد» 72.
ويرى السموأل المغربي أن اسمه صلى الله عليه وسلم مرموز إليه فيها، وقد عقد فصلا في «الإشارة إلى اسمه في التوراة» اعتمد فيه حساب الجمل -الذي هو من صناعة اليهود وعلومهم التي يبرعون فيها- في الدلالة على اسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «وإنما جعل ذلك في هذا الموضوع ملغزا؛ لأنه لو صرح به لبدلته اليهود، أو أسقطته من التوراة كما عملوا في غير ذلك» 73.
فكل هذه الأقوال وردت في سياق إثبات التصريح باسمه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل خصوصًا وفي الكتب السابقة عمومًا، ومثل هذا إن لم تثبت رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم به فإن لفظ الآية لا يدل عليه، وغاية ما دلت عليه آية سورة الصف أن المسيح عليه السلام بشر به مُصرِّحًا باسمه «أحمد» ، بل إن لفظ «قال» مشعر بأنه من كلام المسيح وليس من الإنجيل، مع عدم استحالة كونه مع ذلك مكتوبًا، وغاية ما في الأمر أن القرآن الكريم لم ينص على ذلك صراحة.
هذا وعدم النص على اسمه أو وصفه الخاص أبلغ، إذ لو علم لطلبه مدعو النبوة، ولبدله الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. وقد بقي أن له علامات غير منحصرة يعرفه بها علماء أهل الكتاب، وعدم انحصارها عاصم لها من التحريف.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) } [البقرة:89] .
فأما بشارة المسيح به صلى الله عليه وسلم فلا يطعن فيها زعم أهل الكتاب أنهم لا يجدونها في كتبهم، وما تقدم من كلام السموأل والرازي حجة عليهم. قال الألوسي: «هذا وبشارته عليه السلام بنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم مما نطق به القرآن المعجز، فإنكار النصارى ذلك ضرب من الهذيان، وقولهم: ولو وقعت لذكرت في الإنجيل، الملازمة فيه ممنوعة، وإذا سلمت قلنا بوقوعها في الإنجيل إلا أن جامعيه بعد رفع عيسى عليه السلام أهملوها؛ اكتفاء بما في التوراة ومزامير داود عليه السلام وكتب أشعياء وحبقوق وأرمياء وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام.
ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أن علماء النصارى بعد حبا لدينهم أو لأمر ما غير ذلك أسقطوها كذا قيل» 74.
أقول: وليست البشارة مقتصرة على الاسم فقط، ولا يلزم أنها من الوحي المكتوب، بل قد تكون قد وقعت على لسان المسيح عليه السلام كما تقدم.
قال الألوسي: «الأناجيل التي عند النصارى أربعة: إنجيل متى من الاثني عشر الحواريين، جمعه باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد رفع عيسى عليه السلام بثماني سنين، وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحًا، وإنجيل مرقص وهو من السبعين، جمعه باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة، وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحًا، وإنجيل لوقا وهو من السبعين أيضًا، جمعه بالإسكندرية باللغة اليونانية، وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحًا، وإنجيل يوحنا وهو حبيب المسيح، جمعه بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين سنة، وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا وهي مختلفة، وفيها ما يشهد الإنصاف بأنه ليس كلام الله عز وجل، ولا كلام عيسى عليه السلام كقصة صلبه الذي يزعمونه ودفنه ورفعه من قبره إلى السماء، فما هي إلا كتواريخ وتراجم فيها شرح بعض أحوال عيسى عليه السلام ولادة ورفعًا ونحو ذلك، وبعض كلمات له عليه السلام على نحو بعض الكتب المؤلفة في بعض الأكابر والصالحين فلا يضر إهمالها بعض الأحوال، والكلمات التي نطق القرآن العظيم بها ككلامه عليه السلام في المهد وبشارته بنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، على أن في إنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أنصف وسلك الصراط السوي وما تعسف» 75.
ومثل هذه الكتب واختلافها وكثرة التناقض فيها يجعلنا نجزم بأن كل ما جاء فيها ليس من كلام المسيح عليه السلام، ولا أن كل ما قال المسيح منقول فيها حتى تجعل حكمًا في مثل هذا.
وصف محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم بجملة من الصفات منها:
أولًا: النبي:
النبوة من النبأ، «والنبأ: الخبر، تقول نَبَأ ونَبَّأ، أي: أخبر، ومنه أخذ النبيء لأنه أنبأ عن الله تعالى، وهو فعيلٌ، بمعنى فاعل» 76.
وإذا قيل للخبر: نبأ فهو ذو فائدة عظيمة ولا يتطرق إليه الكذب، وهو متضمن لمعنى العلم، قال الراغب: «النبأ: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأٌ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأٌ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ولتضمن النبإ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا كقولك: أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا. قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) } [ص:67 - 68] » 77.
والنبي مشتق من فعل «أنبأ» أو من فعل «نبا» بمعنى: علا وارتفع، «فهو مهموز من النبأ، وغير مهموز من النبوة، وهو المرتفع من الأرض، فهو صلى الله عليه وسلم مخبر عن الله سبحانه وتعالى، رفيع القدر عنده، فاجتمع له الوصفان، وتم له الشرفان» 78.
هذا عن مدلول النبوة في اللغة واشتقاقها، وأما مدلولها القرآني فهو الإخبار بما تلقاه النبي عن الله سبحانه وتعالى، قال الفيروزآبادي: «والنبوة: سفارة بين الله وبين ذوي العقول؛ لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم» 79.
وقد تقدم أن وصف «النبي» تكرر في القرآن الكريم بصفة جعلته علمًا على محمد صلى الله عليه وسلم حتى صار اسمًا من أسمائه، غير أنه قد استعمل بمعنى الصفة في نحو قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) } [آل عمران:68] .
فقوله تعالى: {وَهَذَا النَّبِيُّ} تضمن الإشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفه بصفة النبوة تأكيدًا له عند المخاطبين، ودفعا لأي شك قد يبدر منهم وترغيما للمعاندين من اليهود وغيرهم.
وكما استعمل لفظ «النبي» فقد استعمل لفظ «الرسول» في القرآن الكريم بمعنى الاسم، وبمعنى الصفة له صلى الله عليه وسلم أيضًا.
ثانيًا: رسول الله:
الرسول مشتق من الرسل -بكسر الراء- و «أصل الرسل: الانبعاث على التؤدة ويقال: ناقة رسلةٌ: سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثًا سهلًا، ومنه: الرسول المنبعث، وتصور منه تارة الرفق، فقيل: على رسلك، إذا أمرته بالرفق، وتارة الانبعاث فاشتق منه الرسول» 80.
والتوظيف اللغوي للإرسال ليس مقصورًا على الإنسان فقط، فقد يقال أيضا في الأشياء، ومن معانيه: «التسخير كإرسال الريح والمطر نحو: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} [الأنعام:6] .
وقد يكون ببعث من له اختيار، نحو إرسال الرسل.
قال تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام:61] .
{فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) } [الشعراء:53] .
وقد يكون ذلك بالتخلية، وترك المنع، نحو قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) } [مريم:83] .
والإرسال يقابل الإمساك. قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:2] .» 81.
هذا عن مدلول الإرسال واشتقاقه اللغوي، أما في الاستعمال القرآني فالرسول: «هو الذي تتابع خبره عن الله، وهو المرسًل بفتح السين، ولا يقتضي التتابع. وهو المرسل: بكسر السين؛ لأنه لا يعم بالتبليغ مشافهة، فلم يك بد من الرسل ينوبون عنه، ويتلقون منه، كما بلغ عن ربه قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم) » 82.
وقد استعمل لفظ «الرسول» في القرآن الكريم بدلالات أخرى أيضًا، فـ «رسل الله تارة يراد بها الملائكة، وتارة يراد بها الأنبياء، فمن الملائكة قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) } [التكوير:19] .
وقوله: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود:81] .
وقوله: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} [هود:77] .
وقال: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} [العنكبوت:31] .
وقال: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) } [المرسلات: 1] .
{بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] .
ومن الأنبياء قوله: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} [آل عمران:144] .
{يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] .
وقوله: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الأنعام:48] .
فمحمول على رسله من الملائكة والإنس. وقوله: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون:51] .
قيل: عني به الرسول وصفوة أصحابه، فسماهم رسلا لضمهم إليه، كتسميتهم المهلب وأولاده المهالبة» 83.
وكثيرًا ما دعي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف في القرآن الكريم حتى صار علما عليه، لكنه قد استعمل أيضا بمعنى الصفة له عليه الصلاة والسلام في نحو قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) } [آل عمران:144] .
فـ «محمد» اسمه صلى الله عليه وسلم، و «رسول» صفته في هذا السياق.
الفرق بين النبي والرسول:
جاء الوصفان النبي والرسول معطوف أحدهما على الآخر فأوحى ذلك بأن بينهما فرقا، كما في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) } [الحج:52] .
و «هذه الآية دالة عليه -أي: الاختلاف بين مفهومي النبي والرسول- لأنه عطف النبي على الرسول، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص» 84.
قال القاضي عياض: «واختلف العلماء هل النبي والرسول بمعنى أو بمعنيين فقيل: هما سواء وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلوا بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} فقد أثبت لهما معًا الإرسال قال: ولا يكون النبي إلا رسولًا ولا الرسول إلا نبيًا. وقيل: هما مفترقان من وجه إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئًا واحدًا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ» 85.
ثم قال: «والصحيح والذي عليه الجماء الغفير: أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم» 86.
فبين وصفي النبي والرسول عموم وخصوص، ويستلزم ذلك أنهما ليسا متطابقين تطابقًا كاملًا رغم أنهما يجتمعان في جزء من الدلالة، ولكن بينهما فرقًا في زيادة يحويها مفهوم «الرسول» .
وقد «ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أمورًا:
أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله.
والثاني: أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعًا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وداود وسليمان رسلًا؛ لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ.