قال تعالى على لسان شعيب: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) } [الأعراف: 87] .
ثانيًا: الصد عن سبيل الله تعالى:
لم يكتف قوم شعيب عليه السلام بالتكذيب والاستهزاء، إنما عمدوا إلى مسلك خبيث آخر، ألا وهو الصد عن سبيل الله تعالى، والوقوف بوجه كل من أراد الإيمان بشعيب واتباعه.
قال تعالى: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 86] .
لقد كان من بغي قوم شعيب ومزيد تعنتهم أن لم يكتفوا بتكذيب نبيهم شعيب عليه السلام والإعراض عن قبول ما جاءهم به عن ربهم، ولم يكتفوا بالضلال الذي كانوا عليه، ولكنهم عمدوا إلى إضلال الآخرين، بل ومنعهم من الإيمان بشعيب عليه السلام، وتهديدهم بالقتل إن هم فعلوا ذلك، وهذا غاية الظلم ونهاية الإجرام، وحين علم شعيب بذلك نهاهم عن ذلك البغي بقوله: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} يعني: لا تجلسوا بكل طريق -وهو الصراط- توعدون المؤمنين بالقتل.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: وكانوا، فيما ذكر، يقعدون على طريق من قصد شعيبًا وأراده ليؤمن به، فيتوعدونه ويخوفونه، ويقولون: إنه كذاب 68!
وذكر عدة آثار تدل على ذلك منها:
حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة {بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} قال: كانوا يوعدون من أتى شعيبا وغشيه فأراد الإسلام 69.
وذكر ابن كثير أن شعيبا عليه السلام كان ينهاهم عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، بقوله {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} ، أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم، قال السدي وغيره: كانوا عشارين 70.
وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} : أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه.
قال ابن كثير: والأول أظهر، لأنه قال: {بِكُلِّ صِرَاطٍ} وهو الطريق، أما المعنى الثاني فهو مستفاد من قوله: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} ، أي: تصرفون من يريد الإيمان عن دين الله، وتودون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة 71.
ثالثًا: همهم بإخراج شعيب عليه السلام ورجمه:
لقد دعا شعيب قومه إلى أعدل خطة، ولقد وقف عند آخر نقطة لا يملك أن يتراجع وراءها خطوة، نقطة الانتظار والتريث والتعايش بغير أذى، وترك كلٍ وما اعتنق من دين، وهو ما جاء في قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) } [الأعراف: 87] .
لكن الطواغيت لا يرضيهم أن يكون للإيمان في الأرض وجود ممثل في جماعة من الناس لا تدين للطاغوت 72.
لذا لم يكتفوا بما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء بنبي الله شعيب عليه السلام، وإنما هموا بأمر خطير، وارتكاب أمر قبيح، ألا وهو إخراج شعيب ومن آمن به من قريتهم، لا لشيء إلا أنهم لم يعبدوا الأصنام مثلهم، وهذا ديدن أهل الكبر والطغيان متى ما غلبوا في البرهان وقامت عليهم الحجة عمدوا إلى مثل هذا {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ، ذاك أن وجود جماعة مسلمة في الأرض، لا تدين إلا لله، ولا تعترف بسلطان إلا سلطانه، ولا تحكم في حياتها شرعًا إلا شرعه، ولا تتبع في حياتها منهجًا إلا منهجه، إن وجود جماعة مسلمة كهذه يهدد سلطان الطواغيت حتى لو انعزلت هذه الجماعة في نفسها، وتركت الطواغيت لحكم الله حين يأتي موعده 73.
فتعجب شعيب من صنيعهم وسألهم: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} العود في ملتكم التي أنقذنا الله منها؟ فقالوا له: نعم، فقال: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} أي: قد اختلقنا على الله كذبًا إن دخلنا في دينكم {بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} أي: بعد أن أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وأنقذنا من ملتكم، يقال: معناه، كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله تعالى من ذلك 74.
وهذا هو إصرار الصادقين، وثبات الموقنين، وتمسكهم بالمبدأ الذي هم عليه حتى لو كلفهم ذلك التضحية بالنفس أو الوطن أو ما يملكون.
غير أن شعيبا عليه السلام وإن كان لا يشك في أنه كان على الحق، وخصومه على الباطل، إلا أنه فوض الأمر إلى الله تعالى، فقال: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} .
ثم إن قوم شعيب عليه السلام لم يكتفوا بهذا التهديد، وهو الإخراج من الأرض والإبعاد عن الوطن، إنما عمدوا إلى تهديد من نوع آخر هو أشد من هذا وأنكى، فبعد أن دعاهم إلى الاستغفار والتوبة، وذكرهم بعفو الله تعالى ورحمته ولطفه بهم إن تابوا وأنابوا {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) } [هود: 90] .
إنه يدعوهم ويذكرهم برفق ولين، ويحاورهم بلطف وهدوء، ولكنهم يقابلون ذلك بصلف وعناد، بعد هذا الرفق واللطف عمدوا إلى التهديد فـ {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) } [هود: 91] .
وقد تقدم بيان المراد بالضعف بأنه كان ضعيف الانتصار والقدرة، وأما الرهط فهو جماعة الرجل، والرجم إما أن يراد به الرجم بالحجارة وهو الظاهر، وإما أن يراد به السب، وسواء أريد هذا أم ذاك، فهم غير عابئين بشعيب عليه السلام، وهذا ما دلت عليه فاصلة الآية: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي: لست بذي منعة وعزة ومنزلة في نفوسنا 75.
ولكن الله تعالى الذي أرسل شعيبا قد تكفل بحفظه وحمايته، فلم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا مما هددوه به، حتى بلغ رسالة ربه على أتم وجه وأكمله.
وبعد هذا التعنت من قوم شعيب ما كان منه عليه السلام إلا أن يخوفهم مغبة ما هم عليه من الصلف والعناد، فيقول لهم بأسلوبه الهادئ الذي اتسم به: {وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) } [هود: 93] .
فماذا كانت النتيجة؟
هذا ما نبينه في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.
[انظر: مدين: موقف قوم مدين من رسولهم عليه السلام]
أولًا: دعاء شعيب عليه السلام ربه عز وجل:
الدعاء سلاح ماض، وهو يمثل حاجة العبد إلى مولاه، وشدة فاقته إلى عونه ونصرته، ولأهمية الدعاء أمر به ربنا تبارك وتعالى، ووعد بإجابة الداعي حيث قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، وفي الوقت نفسه حذر من ترك الدعاء، وأوعد من كان كذلك بالعقاب الأليم، لما فيه من الإعراض عن الله تعالى، وإظهار الاستغناء عنه جل وعلا، وذلك مخالف للحقيقة، ومجانب للواقع، فقال تعالى في تمام الآية السابقة: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] .
والمراد بالعبادة هنا الدعاء، فقد أخرج ابن جرير من طريقه عن السدي، إن معنى قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} قال: عن دعائي، ومعنى: {دَاخِرِينَ} قال: صاغرين 76.
وبما أن الرسل عليهم السلام هم صفوة الخلق، وأعرفهم بربهم تبارك وتعالى، فقد كان الدعاء ديدنهم في الرخاء والشدة، وفي السر والعلن، ومن جملة الدعاء الذي كانت الرسل تقوله: الدعاء على أقوامهم، ولكن هذا السلاح ما كانوا يستعملونه إلا بعد أن يستنفذوا كل ما بوسعهم من النصح والإرشاد، والتحذير والإنذار، فيصدق فيهم قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) } [غافر: 51] .
وكذلك فعل شعيب عليه السلام، في دعائه على قومه، وقد ورد دعاء شعيب عليه السلام صراحة في قوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .
والملاحظ على دعاء شعيب عليه السلام أنه لم يصرح فيه بطلب نزول العذاب أو حلول سخط الله تعالى على قومه، بل اتسم بالتفويض والتوكل على الله جل في علاه، وقد ظهر هذا التفويض والتوكل على الله تعالى جليا أيضا فيما حكاه الله تعالى عنه من قوله: {فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف: 87] .
وقوله: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) } [الشعراء: 188] .
والملاحظ أن الدعاء الصريح جاء بعد ذكر من آمن من قومه ومن كفر، وموضع التفويض الأول جاء بعد ما حكاه الله تعالى من قوله: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} ، والثاني 77 جاء بعد ما حكى الله تعالى من قول قومه: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) } [الشعراء: 187] .
وبهذا يتسم دعاء شعيب عليه السلام بصدق اللجوء إلى الله تعالى، وتفويض الأمر إليه وحده جل في علاه.
ثم إنه لما فوض الأمر إلى ربه جل وعلا ليحكم بينه و بين قومه، ويقضي بالقضاء الفاصل، مع يقينه بأن الله تعالى عالم بما يعمل قومه، وما هم عليه من عبادة الأصنام، وفعل المنكرات، ومن أبشعها الصد عن سبيل الله جل في علاه، لما كان ذلك كذلك كان الجواب هو حكم الله العادل الذي لا يتخلف، وهو نصرة المظلومين وقمع الظالمين، فحل بقوم شعيب ما حل بمن سبقهم من الظالمين.
ثانيًا: إهلاك قوم شعيب عليه السلام:
بعد أن بلغ شعيب عليه السلام قومه رسالة ربه، وبذل جهده في نصحهم، واجتهد في تحذيرهم وتذكيرهم، وقال لهم على طريق الإشفاق عليهم والرفق بهم: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) } [هود: 89] .
وبعد أن أصروا على التكذيب والبغي والعناد، حل بهم ما حذرهم منه، وتحققت سنة الله تعالى فيهم، فأصابهم الله تعالى بثلاثة أنواع من العذاب، وهي التي أخبرنا الله تعالى بها في كتابه الكريم، وهي قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } [الأعراف: 91 - 92] .
وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } [هود: 94 - 95] .
وقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) } [الشعراء: 189] .
وهذا التنوع في العذاب (الرجفة والصيحة والظلة) ، كان أحد أسباب اختلاف المفسرين رحمهم الله تعالى في كون أهل مدين وأصحاب الأيكة أمة أو أمتين، كما سبق بيانه، غير أن هذا التنوع لا يقتضي ذلك، إذ لا يمنع أن يتنوع العذاب على أمة واحدة، ولا مانع أن يكون كل ذلك في آن واحد.
وقد أثار الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى سؤالا وأجاب عنه فقال:
فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيبٍ ذكر تعالى في الأعراف أنه رجفةٌ، وذكر في هودٍ أنه صيحةٌ، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة.
فالجواب: ما قاله ابن كثيرٍ رحمه الله في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابةٌ أظلتهم فيها شررٌ من نارٍ ولهبٍ ووهجٍ عظيمٍ، ثم جاءتهم صيحةٌ من السماء، ورجفةٌ من الأرض شديدةٌ من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام 78.
وأما ابن عاشور رحمه الله تعالى فقد فصل هذه الأنواع من العذاب حيث قال: «الرجفة التي أصابت أهل مدين هي صواعق خرجت من ظلة وهي السحابة، قال تعالى في سورة الشعراء: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} . وقد عبر عن الرجفة في سورة هود بالصيحة، فتعين أن تكون من نوع الأصوات المنشقة عن قالع ومقلوع، لا قارع ومقروع وهو الزلزال، والأظهر أن يكون أصابهم زلزال وصواعق، فتكون الرجفة الزلزال، والصيحة الصاعقة، كما يدل عليه: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} » 79.
وهذا توجيه حسن، ومنه نعلم أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين كما تقدم، وإلى مثله ذهب الدكتور عبد الكريم زيدان حيث قال: فاستحقوا بكفرهم وإصرارهم الهلاك، وكان هلاكهم بأنواع العذاب: بالصيحة، وبالرجفة، وبعذاب يوم الظلة، واستشهد بالآيات الكريمة، ثم قال: وهكذا اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت أرواحهم وخمدت أجسامهم 80.
وبهذا العذاب المدمر يكون قوم شعيب قد باءوا بالخسران الذي وصموا به شعيب عليه السلام ومن آمن معه إذ قالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) } [الأعراف: 90] .
قال الله تعالى بعدها ردا عليهم: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } [الأعراف: 92] .
ويلاحظ أن الله تعالى كرر قوله: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا} ، وذلك لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، وأيضا فإنهم لما قالوا: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} ، بَيَنَ تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون 81.
ثالثًا: عدم تأسف شعيب على هلاك قومه:
بعد أن رأى شعيب عليه السلام ما حل بقومه، وما أصابهم من نقمة ربه تبارك وتعالى، لم يكترث بما نزل بهم، ولم يأسف عليهم، بل أعرض عنهم وتركهم ماضيا في سبيله، وهو يقول ما حكاه الله تعالى عنه: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف: 93] .
وهذه الآية لها دلالات عظيمة:
منها: أن شعيبًا عليه السلام قد أقام الحجة على قومه بتبليغ رسالة ربه، وأنه قد نصح لهم، وصبر على أذاهم وسخريتهم، وهذا النصح شأن كل رسول، فهو لابد أن يكون مبلغا فصيحا ناصحا عالما بالله لا يدركه أحد من خلق الله في هذه الصفات، ولذا فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة، وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا: (أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها عليهم، ويقول: (اللهم اشهد، اللهم اشهد) 82.
وفي قوله: {رِسَالَاتِ رَبِّي} بالجمع لإفادة التجدد؛ لأن كل تبليغ يتضمن رسالة بما بلغه 83، أو المراد ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر، ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء من قبله 84.
ومن ذلك: أنه لا ينبغي التأسف على هلاك الظالمين، لأنهم جراثيم تنخر في قلب المجتمع وتهدد استقراره، لا يصح المجتمع ولا يصلح إلا باجتثاثهم، ولنتأمل موقع الحمد بعد هلاك الظالمين في قوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } [الأنعام: 45] .
فما أجمل ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام إذ يقول: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف: 93] .
وعدم الأسى عليهم بعد الإعذار بالنصح لهم، سمة بارزة من سمات المرسلين عليهم الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48] .
فليس من مهماتهم نتائج ذلك التبليغ، ولذا فهم بعد أن يؤدوا ما عليهم لا يتأسفون على ما حل بأقوامهم من العذاب والنكال، وهكذا كان شعيب مع قومه، قال تعالى: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف: 93] .
وهكذا ينبغي أن يكون الدعاة، سائرين إلى الله على هدي النبوة، يدعون إلى الله على بصيرة، محاسبين أنفسهم على ذلك، هل أدوا النصح كما ينبغي؟ غير ناظرين إلى نتائج ما تسفر عنه تلك الدعوة، إذ الأمر لله من قبل ومن بعد {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] .
كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) } [القصص: 56] .
وقال له أيضا في الموضوع ذاته: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .
ومعنى {لَا تَهْدِي} : أي: لا تزرع الهداية في القلوب، ولا توصل إلى الإيمان المطلوب، ومعنى {لَتَهْدِي} : أي: لتدل وترشد وتوضح الطريق، وبذلك يجمع ما بين الآيتين، ويزول ما قد يوهم التعارض بينهما.
[انظر: مدين: عاقبة قوم مدين]
وسنركز في هذا المبحث على طرف من تلك الفوائد والدرر التي اشتملت عليها هذه القصة المباركة، مراعين في ذلك ما تمس الحاجة إليه، لاسيما ما يحتاج إليه الدعاة والمرشدون ورجال التربية في أيامنا هذه، مما ينعكس على الأمة أمنا وسلاما ومحبة ووئاما، وذلك في نقاط معدودة على النحو الآتي:
1.أن التوحيد وتصحيح العقيدة أساس دعوة الأنبياء جميعا عليهم الصلاة والسلام، غير أن ذلك ليس بمعزل عن واقع الحياة، ولذا فإن شعيبا عليه السلام لم يقتصر على دعوتهم إلى التوحيد فحسب، بل أمرهم بإيفاء الكيل والوزن، وذلك لتنظيم الجانب الاجتماعي والاقتصادي في حياة الناس، والعدول عن النظام الاقتصادي القائم على الظلم والجشع، فينبغي على الدعاة والمصلحين مراعاة ذلك والاهتمام به.
2.يعد البيان الناصع، وجودة التعبير، وحسن المنطق، وجزالة الأسلوب، وأدب الحوار، من الأمور الهامة للدعاة إلى الله تعالى، لما في ذلك من أثر فاعل في إيصال كلمة الحق إلى الناس بأحسن طريق، كما قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 88] . وبحسن مراجعة قومه سمي خطيب الأنبياء عليه وعلهم الصلاة والسلام.
3.لقد كان الحرص على هداية الناس، وإيصالهم إلى الصراط المستقيم، وإصلاح أمورهم، واستقامة أحوالهم، من أهم مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام، وينبغي أن يتأسى بهم الدعاة المصلحون في كل عصر ومصر، وهكذا كان شعيب عليه السلام: (? ? ? ? ? ?) [هود: 88] .