ومما يكتبه الله تعالى ويحصيه أقوال العباد وأفعالهم، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) } [آل عمران:181] .
فقوله: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} هو الكتابة في صحائف الأعمال {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ} بالنصب، أي: ونكتب قتلهم الأنبياء، فالكتابة هنا على ظاهرها.
وقيل: سنجازيهم عليه، وقيل: مقصود الكتابة الحفظ، أي: سنحفظ ما قالوا لنجازيهم 50.
ولفظ الكتابة آكد من لفظ الحفظ؛ لما فيه من معنى الاستتباب، وأمن النسيان، وإنما ضم قتل الأنبياء، وهو أفظع جرائم هذا الشعب إلى الجريمة التي سبق الوعيد لأجلها؛ لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور ليس بدعًا من أمرهم، فإنه سبق لهم أن قتلوا الهداة المرشدين بعدما جاءوهم بالبينات، فهم يجرون في هذا على عرقٍ، وليس هو بأول كبائرهم؛ وللإيذان بأن الجريمتين سيان في العظم، واستحقاق العقاب 51.
فإن قيل: لماذا يكتب الله ما قالوا مع أن علمه أزلي لا ينسى؟ {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه:52] .
والجواب: أن كلمة {سَنَكْتُبُ} جاءت حتى لا يؤاخذهم سبحانه وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه، ولكن بما كتب عليهم ليقرؤوه بأنفسهم؛ وليكون حجة عليهم، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط؛ ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطورًا {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) } [الإسراء:14] .
وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في الكتاب سيعرف أنه منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم وكلماتهم أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات، بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} وهم قالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} وهذه معصية في القمة، وتبجح على الذات العلية، ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم الله لهدايتهم؛ لذلك يقول الحق: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} 52.
وفي هذا الكلام تهديد شديد لهم؛ وذلك لأن المعنى: سنثبت عليهم في سجل الله تعالى قولهم هذا، وتجرؤهم عليه سبحانه، وليس المراد مجرد الكتابة، بل المراد نتيجتها وهو الحساب عليها، والجزاء من العذاب الأليم، والتعبير بالكتابة كناية عن العلم المستتر الثابت الذي تترتب عليه نتائجه وثمراته؛ ولما تضمنته الكتابة من معنى العقاب الرادع الذي لا مناص منه عبر بالمضارع، فقال سبحانه: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} والتعبير بـ {مَا قَالُوا} فيه إشارة إلى ما فيه من تجرؤ على الله تعالى، وتهجم على مقامه الأعلى سبحانه 53.
ومن الآيات الدالة على كتابة الأعمال قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء:81] .
فقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين.
والثاني: ينزله إليك في كتابه.
والثالث: يحفظه عليهم؛ ليجازوا به، ذكر القولين الزجاج 54.
والحاصل: أنه يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون، والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك 55.
ومن الآيات أيضًا الدالة على كتابة الأعمال قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) } [يس:12] .
فقوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أي: من الأعمال.
وفي قوله: {وَآثَارَهُمْ} قولان:
أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى 56.
قال الزمخشري: {وَنَكْتُبُ} ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه، أو كتاب صنفوه، أو حبيس حبسوه، أو بناء بنوه: من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيئ، كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاهٍ، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها 57.
وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام المبين هو اللوح المحفوظ 58.
وكذا في قوله تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء:71] .
أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر:69] .
وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) } [الكهف:49] .59.
وجعل علم الله إمامًا؛ لأنه يجري على وفق تعلقات الإرادة الربانية والقدرة، فتكون جملة {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ} على هذا تذييلًا مفيدًا أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس الجارية على وفق التكاليف أو ضدها، بل تعم جميع الكائنات 60.
ووصف هذا الكتاب بقوله: {مُبِينٍ} أي: لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال، فهو تعميم بعد تخصيص؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم، وليست الكتابة مقتصرة عليه، بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئًا من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته، كقوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) } [القمر:52 - 53] .
يعني: ليس ما في الزبر منحصرًا فيما فعلوه، بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن، فلما قال تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه، قيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ} لأن من يكتب شيئًا في أوراق ويرميها قد لا يجدها، فكأنه لم يكتب، فقال تعالى: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين، وهو كقوله تعالى: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) } [طه:52] 61.
وفي الآية الأخرى أضاف السمع إلى نفسه والكتابة إلى ملائكته، فقال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) } [الزخرف:80] .
فهو يسمع ومن يشاء من ملائكته، وأما الكتابة فرسله يكتبون، وأما في قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس:12] .
فأخبر بالكتابة (نحن) لأن جنده يكتبون بأمره، وفصل في تلك الآية بين السماع والكتابة؛ لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة الأعمال فتكون بأمره، والملائكة يكتبون، ولما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمر الله، كما كانوا كاتبين عمله بأمره، فإن ذلك قربه من كل أحد بتوسط الملائكة، كتكليمه عبده بتوسط الرسل، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى:51] .
فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة الرسل؛ وذاك قربه إليهم عند الاحتضار، وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة 62. ولا ينفي هذا أنه يكلم بعض رسله من وراء حجاب دون واسطة.
والحاصل أن في هذه الآية {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أضاف الله عز وجل الكتابة والإحصاء إلى نفسه، ولما كان علم الله الشامل محيطًا بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، وهو غني عن الاستعانة على ذلك بالراصدين والرقباء والكتاب والشهود، وإبراز ذلك يوم القيامة في صورة كتب توزع على الناس؛ ولما كان الناس قد اعتادوا في حياتهم تسجيل الأعمال ورصدها والشهادة عليها في مقام الاحتجاج على ما صدر منهم حتى لا يكون أي مجال للإنكار والمماراة؛ ولما كانت حكمة الله قد اقتضت أن تكون صور المشاهد الأخروية من مألوفات الناس في الدنيا، فيتبادر أن هذا من هذا الباب، وأنه قصد من ذكره بالأسلوب الذي ورد به تحذير الناس وتنبيههم إلى أن كل ما يفعلونه محصي مسجل عليهم، لا يمكن أن يماروا فيه حتى يظلوا مجتنبين ما فيه إثم وفاحشة، مجتهدين في الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها، وفي بعض الأحاديث ما يدعم هذا التوجيه، ويتسق مع هذا القصد 63.
ومن الآيات الدالة على كتابة الأعمال قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) } [القمر:52 - 53] .
فقوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على إهلاكهم، بل الإهلاك هو العاجل والعذاب الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه، مكتوب عليهم، والزبر هي كتب الكتبة الذين قال تعالى فيهم: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) } [الانفطار:9 - 11] .
وقوله تعالى: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} تعميم للحكم، أي: ليست الكتابة مقتصرة على ما فعلوه، بل ما فعله غيرهم أيضًا مسطور، فلا يخرج عن الكتب صغيرة ولا كبيرة.
وكما في قوله تعالى: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سبأ:3] .
ففي قوله: {أَكْبَرُ} فائدة عظيمة، وهي أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه في غالب الأمر لئلا ينسى، فإذا جاء بالجملة العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها، ويشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه، فلما قال: {وَلَا أَكْبَرُ} أشار إلى الأمور العظام التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة أي: ليست كتابتنا مثل كتابتكم التي يكون المقصود منها الأمن من النسيان، فكذلك نقول: ها هنا، وفي قوله تعالى: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف:49] .
وفي جميع هذه المواضع قدم الصغيرة لأنها أليق بالتثبت عند الكتابة، فيبتدئ بها حفظًا عن النسيان في عادة الخلق، فأجرى الله الذكر على عادتهم 64.
والحاصل أن كل ما فعله العباد، وما فعلته الأمم السابقة، أو الأمم اللاحقة، فإنه مكتوب {فِي الزُّبُرِ} أي: في الكتب، وكتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة، والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب؛ لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة لاحقة، وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب.
فسبحان الله بعد مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضرًا، لا يظلم ربك أحدًا {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات وأوصافها وأعمالها {مُسْتَطَرٌ} أي: مسطر في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل صغير وكبير حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك -ويجب عليك أن تؤمن به- فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك أو فعلك أو تركك؛ لأن كل شيء مكتوب، قال الله عز وجل: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) } [ق:18] .
وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب عتيد؛ لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فالأفعال من باب أولى، فعليك أن تتقي الله عز وجل، ولا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول خبرًا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئًا أمرًا، فقل: آمنت به سمعًا وطاعة، نهيًا آمنت به، وسمعًا وطاعة 65.
أشاد القرآن بفضل الكتابة، وحث على تعلمها وتعليمها، وأشار إلى مقاصدها وفوائدها؛ وذلك لما لها من مرتبة رفيعة، ومنزلة شريفة، ومما جاء في القرآن الكريم من فوائد ومقاصد الكتابة ما يأتي:
أولًا: حفظ حقوق العباد من الضياع:
من مقاصد الكتابة التي ذكرت في القرآن الكريم حفظ الحقوق من الضياع.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) } [البقرة:282] .
فهذه الآية تسمى آية الدين، وهي أطول آية في القرآن الكريم، وقد ذكر الله فيها من الأحكام العظيمة توثيق الدين بالكتابة.
حيث أمر الله تعالى بكتابة الديون، وهذا الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق كالذي للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب كما إذا كان الحق متمحضًا للعبد، فقد يقوى الوجوب، وقد يقوى الاستحباب بحسب الأحوال المقتضية لذلك.
وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما تحفظ بها هذه المعاملات المؤجلة لكثرة النسيان؛ ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى 66. ومن فوائد الآية التي تتعلق بحفظ الحقوق:
1.أمر الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من عليه الحق.
2.أن الذي يملي من المتعاقدين من عليه الدين.
3.أمره أن يبين جميع الحق الذي عليه، ولا يبخس منه شيئًا.
4.أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول؛ لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك ثبت موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به على نفسه، ولو ادعى بعد ذلك غلطًا أو سهوًا.
5.أن من عليه حقٌ من الحقوق التي البينة على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة، وتعجيل وتأجيل، أن قوله هو المقبول دون قول من له الحق؛ لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه، إلا أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار الحق وصفته.
6.أنه يحرم على من عليه حق من الحقوق أن يبخس، وينقص شيئًا من مقداره، أو طيبه وحسنه، أو أجله أو غير ذلك من توابعه ولواحقه.
7.أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار 67.
وفي الأمر بكتابة الدين كما يقول ابن عرفة: مصلحة دنيوية، وهي حفظ المال، ومصلحة دينية، وهي السلامة من الخصومة بين المتعاملين 68.
وليست فائدة كتابة الدين مقصورة على الدائن وحده، ولا المدين وحده، وإنما على الجانبين، قال الخازن: إن فائدة الكتابة هي حفظ المال من الجانبين؛ لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة تعذر عليه طلب زيادة، أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك تعذر عليه الجحود أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلما كانت هذه الفائدة من الكتابة أمر الله تعالى بها 69.
وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يحمي أيضًا الإنسان من نفسه؛ لأنه إن علم أن الدين الذي عليه موثق، ولا وسيلة لإنكاره حاول جاهدًا أن يتحرك في الحياة ليؤديه، وحين يتحرك الإنسان ليؤدي عن نفسه الدين؛ فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة ويزداد النفع.
وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للدين حماية المدين من نفسه؛ لأن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن تكون الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس، وسيقول كل من عنده مال: لا أعطي أحدًا شيئًا؛ لأن فلانًا الغني مثلي قد أعطى فلانًا الفقير وماطله وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة.
ولكن إذا كان الدين موثقًا ومكتوبًا فإن المدين يكون حريصًا على أدائه، والله يريد أن يضمن لحركة الحياة دوامًا واستمرارًا شريفًا نظيفًا؛ ولذلك نجد في آية الدين أن كلمة (الكتابة) ومادتها (الكاف والتاء والباء) تتكرر أكثر من مرة، بل مرات كثيرة.
وهذا التكرار في هذه الآية لعملية الكتابة يؤصل العلاقة بين الناس؛ فالكتابة هي عمدة التوثيق، وهي التي لا تغش؛ لأنك إن سجلت شيئًا على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة؛ ولذلك فإن الحق يعطينا قضية إيمانية جديدة حين يقول: (أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) أي: أن يكتب الكاتب على وفق ما علمه الله 70.
والحاصل أن الإسلام نظم شؤون المعاملات والعقود بين الناس على أساس من الحق والعدل والحكمة، وصان حقوق الناس وحفظ أموالهم، وندبهم إلى توثيق عقودهم ومعاملاتهم المؤجلة بالكتابة والسندات، والشهادة والشهود، على سبيل الاحتياط للناس، وتجنبًا من احتمال إنكار أصل الحق، أو عدم الاعتراف به، بسبب قلة التدين، وضعف اليقين، وفساد الذمة، واستبداد الطمع والجشع، جاء تنظيم المعاملات في أطول آية في القرآن الكريم، عناية بها، وحرصًا على المصالح، ومنع المنازعات والخصومات بسبب المال 71.
وقد حث سبحانه وتعالى فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببًا لمصالح المعاش والمعاد، قال تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) [النساء:5] الآية.
قال القفال -رحمه الله تعالى-: ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديد، ألا ترى أنه قال: (إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ?) .
ثم قال ثانيًا: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ?) .
ثم قال ثالثًا: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّه) .
فكان هذا كالتكرار لقوله: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) لأن العدل هو ما علمه الله.
ثم قال رابعًا: (فَلْيَكْتُبْ) وهذا إعادة للأمر الأول.
ثم قال خامسًا: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) .
وفي قوله تعالى: (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ?) كناية عن قوله: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه.
ثم قال سادسًا: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) وهذا تأكيد.
ثم قال سابعًا: (وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) وهذا كالمستفاد من قوله: (ذَ?لِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى? أَلَّا تَرْتَابُوا ?) .