فهرس الكتاب

الصفحة 2043 من 2431

ثم تعود الآية في نهايتها لتؤكد للناس مبدأ وقاعدة إلهية لا تقبل التغيير هي (أن نجاتهم في الإصلاح والنهي عن الفساد) ، وأن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بشرك أو بكفر ما داموا مصلحين «فيما بينهم في تعاطي الحقوق أي لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد» 35.

ولم يكن مبدأ الإصلاح ليتحقق من خلال النهي عن الفساد فحسب، بل بالنهي عن السوء أيضًا الذي لا يختلف جزاؤه عن جزاء النهي عن الفساد بشيء فكلاهما يورث النجاة.

قال تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:163 - 165] .

فأهل هذه القرية كانوا قد نهوا من قبل عن الصيد في يوم السبت، فابتلاهم الله بأن كانت حيتان البحر تأتي في ذلك اليوم ظاهرة على الماء كثيرة، ولا تأتي كذلك في ما عاده من الأيام، فلم يمتثلوا أمر الله بترك العمل في يوم السبت بل كانوا يسدون عليها في السبت ويصيدونها في الأحد، وكانت القرية منقسمة على ثلاث أمم: أمة دائبة على القيام بالنصح والموعظة والنهي عن إتيان المنكر، وأمة أخرى قامت بذلك من قبل ثم استيأست من اتعاظ المعتدين وأيقنت أن قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأمة كانت سادرة في غلوائها لا ترعوي عن ضلالتها ولا ترقب الله في أعمالها.

ويتضح من ذلك «أن صلحاء القوم كانوا فريقين. فريق أيس من نجاح الموعظة وتحقق حلول الوعيد بالقوم. لتوغلهم في المعاصي. وفريق لم ينقطع رجاؤهم من حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار» 36.

فواصل العمل على بذل النصيحة معذرة إلى الله الذي يأمر بالنهي عن السوء ما دام العبد قادرًا على إتيانه وأملًا منهم في إصلاح القوم ليتقوا الله في أفعالهم. في مقابل الفريقين كان فريق من المفسدين تمادى في إعراضه عن النصح حتى نسوا ما ذكروا به فحقت عليهم كلمة العذاب، فأهلكهم الله بذنوبهم وأنجى الآخرين بنهيهم عن السوء.

لقد جعل الله تعالى من الإصلاح مضمارًا يتنافس فيه الخلق في تحقيق المنافع الفردية والاجتماعية التي توجب عليهم رحمة الله ورضاه بما يقدمونه لأنفسهم ومجتمعاتهم من خير يسعون به إلى منع انتشار الفساد ووأد فتنته مبتغين من وراء ذلك الفوز بمنجاته من بلاء الدنيا وأهوال عذاب الآخرة. وخير ما يمكن السعي إليه من صلاح هو تعزيز المناهج التعليمية بقيم التسامح وإحياء السلام، والعمل على نشر مبادئ الإسلام بصورته الحقيقية التي تدعو إلى محاربة الفساد في الأرض والسعي لترسيخ قواعد العدل والصلاح.

رابعًا: الجهاد في سبيل الله:

لم يقف القرآن عند حد معين في تجسيد صورة النجاة من غضب الله وسخطه، بل توغل كثيرًا في استعراض قيم المنظومة الإيمانية ومقوماتها التي تبلغ بالعبد الدرجات العلا وتضمن له الفوز بالنجاة، وإذا كانت الآيات السابقة أظهرت لنا دعوة الله تعالى إلى النجاة بالإيمان عن طريق (الترهيب) ، فإن هناك آيات أخرى عرضت إلى الدعوة نفسها عن طريق (الترغيب والتحبيب) ، إذ قيل: إنه لما شرع الله الجهاد على المؤمنين كرهوه، فحين «قال نفر من الأنصار في مجلس لهم وفيهم عبد الله بن رواحة: لو نعلم أي العمل أحب إلى الله لعملنا به حتى نموت» 37 نزل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الصف:10] .

«فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلم ما هي لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين» 38 فدلهم الله تعالى عليها بقوله: {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف:11] .

فالله جلت قدرته يطرح فكرة التجارة بمفهوم مغاير لما هو متعارف عند الناس، إذ تقوم التجارة عنده على أساس من التعاقد بينه وبين العبد، ويكون رأس المال فيها عقائديًا مشروطًا بتحقق الإيمان والسعي إلى الجهاد في سبيل الله، وهي إلى جانب ذلك تختلف عن تجارة الناس في ما بينهم في أنها لا تفضي إلا إلى الربح، وأن ربحها ليس أقل من النجاة من عذاب الله، الفوز بجناته.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111] .

وبالعودة إلى قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} نلاحظ أن التجارة جاءت بصيغة النكرة التي توافقت مع سياق حال النص وما يحمله من دلالة على ذلك السبيل المبهم والمفهوم المطلق لمعنى الاتجار، ما وفر مناخًا من التشويق والتفخيم والتعظيم ولاسيما حين انتقل النص مباشرة إلى بيان ما تحققه تلك التجارة من مكسب عظيم وهو النجاة من العذاب الأليم، ثم لا تلبث دلالة النص أن تقيد ذلك المطلق وتحدده بهدف بيان السبيل المفضية إلى ممارسة تلك التجارة فتحصر الأمر بمحددين اثنين هما الإيمان والجهاد، فكأن «التجارة لم يدر ما هي، فبينت بالإيمان والجهاد، فهي هما في المعنى. فكأنه قال: هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم» 39، وينجيكم من عذاب أليم؟.

فذلكم الله رب السموات والأرض الذي لا ينأى ولا يستنكف عن الدنو من عباده، يدعوهم إليه برسالاته ويعرض عليهم تجارة لن تبور وربحًا ونجاة من الموت الذي يفرون منه، فبذل النفس والجهاد بها في سبيل الله نهج لا ينفك عنه الخير، فأوله خلود في الحياة الدنيا وآخره نجاة وعتق من النار، وجائزته عفو وفوز بفرحة لقاء الله، ورزق دائم، وحياة أبدية.

خامسًا: الدعاء والتسبيح:

لقد شرع الله تعالى الدعاء وجعله من أعظم الأسباب لاتقاء عذابه، ودلل في أكثر من آية على أنه السبيل إلى النجاة من البلاء، قال في ذلك: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف:94] .

فلطالما غفل الناس عن ذكر الله في سرائهم، فكان الله يبتليهم بالحروب والفتن والجدب والقحط وغيرها لعلهم ينقلبون إليه فيدعونه ويرغبون في عبادته وخلاصه.

غير أن كثيرًا منهم نسوا الله في الرخاء والشدة فلم يتخذوا من الدعاء مجنة يدرؤون بها عن أنفسهم سخطه وعقوبته، فحقت عليهم كلمة العذاب.

قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:43] .

والقرآن الكريم حافل بموارد الدعاء سواء في اللفظ أو في المعنى.

قال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [يونس:83 - 86] .

يلاحظ أن قوم موسى عليه السلام كان يتملكهم الخوف من فرعون وجنوده حين آمنوا، غير أن موسى عليه السلام أخبرهم أن التصديق بالله وحده لا يكفي ما لم يقترن بتفويض الأمر إليه فذلك من كمال الإيمان ففعلوا ووكلوا أمرهم إلى الله، وتوجهوا إليه بالدعاء وكان دعاؤهم مبنيًا على أمرين:

أحدهما: قولهم: {لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} «أي: لا تنصرهم علينا، فيكون ذلك فتنة لنا عن الدين، أو لا تمتحنا بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد: المعنى لا تهلكنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا بعذاب من عندك فيقول أعداؤنا: لو كانوا على حق لم نسلط عليهم، فيفتنوا. وقال أبو مجلز وأبو الضحا: يعني: لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا» 40.

والآخر: قولهم: {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} أي: خلصنا «من فرعون وقومه لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال الشاقة» 41.

قال الشوكاني: «ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم» 42.

وتزخر آيات الله سبحانه بمواقف أخرى مختلفة تضمنت الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بالخلاص والنجاة من أعدائه.

قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم:11] .

فهذه صورة من صور العبودية الصادقة التي كانت تتصف بها امرأة فرعون التي آمنت بالله ووحدته، وصدقت بموسى عليه السلام وهي تحت عدو من أعداء الله كافر، فلم يضرها كفر زوجها 43، إذ كانت مؤمنة بالله مخلصة له النية فاختارت جوار ربها وقربه على أن تكون أنيسة فرعون وآثرت أن يكون لها بيتًا عند ربها في جنانه على قصور فرعون وما ملكت يمينه، فعزفت عن ذلك كله وتعلقت بما عند الله كرامة وزلفى متوجهة إليه بصفاء نيتها تدعوه مخلصة بأن يبني لها بيتا بميزتين هما: أن يكون البيت (عند الله) وأن يكون (في الجنة) أي: أنها اختارت لنفسها مكانًا لا يصل إليه إلا الصديقون والشهداء الذين أخبر عنهم الله عز وجل بأنهم {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] 44.

ثم أردفت دعاءها برغبتها بالتبرؤ من فرعون والخلاص منه ومن عمله ومن مجتمعه الظالم، فطلبت أولًا النجاة منه «أي: من ذاته وما يصدر عنه من أعمال الشر» 45.

ثم من عمله، ثم انتهت إلى طلب النجاة من القوم الظالمين يعني: أهل دينه المشركين، قال الكلبي: هم أهل مصر، وقال مقاتل: هم القبط 46.

ولا يختلف أمر النجاة بالدعاء عنه بالتسبيح، فالتسبيح هو «تنزيه الله تعالى، وأصله المر السريع في عبادة الله تعالى ... وجعل التسبيح عامًا في العبادات قولًا كان أو فعلًا أو نية» 47.

ومصداق ذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191] .

فقد اقترن ذكر الله بفعل القيام والقعود والتفكر في خلقه واقترن ذلك كله بنية تنزيه الله وتسبيحه طمعًا في نيل رضاه ورغبة في النجاة من عذاب النار.

والتسبيح لون من ألوان العبادة وهو كفيل بعقد الصلة بين العبد وربه، وتبرز أهميته في أنه يحول بين المرء ومعاصيه وغروره، ويدرأ عنه العذاب والمهالك والنقم، وقد أكد القرآن الكريم ذلك في مناسبتين: ساق في الأولى منهما مثالًا على تاركي التسبيح، وذلك في سياق قصة أصحاب الجنة الذين {أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} [القلم:17 - 28] .

فقد وجدوا الله تعالى أسبق إليها منهم، إذ طاف عليها بطائف من عنده فأهلكها بظلمهم فأصبحت سوداء كالليل، فلما رأوها على هذه الحال أدركوا أنهم محرومون من رزقها بما فرطوا في جنب الله، فقام أوسطهم يذكرهم بما كان يأمرهم به من طاعة الله وتسبيحه وهم لا يسمعون، فلو أنهم أجابوه لأنجاهم الله بتسبيحهم من شرور أنفسهم ومن سوء نواياهم ولأبدل سعيهم هذا بخير منه.

وساق في المناسبة الأخرى مثالًا على من تمسك بالتسبيح، وذلك في سياق قصة نبي الله يونس عليه السلام في قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:87 - 88] .

فحين مضى يونس عليه السلام على وجهه مغاضبًا لربه ظانًا أنه في مأمن من بلائه والتضييق عليه حتى أتى البحر أبى الله أن يدعه إلى الشيطان، فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطنها زمنًا، ثم راجع نفسه فتاب إلى ربه وناداه في الظلمات (أن لا إله إلا أنت سبحانك) معترفًا بذنبه، إني كنت من الظالمين في معصيتي إياك قال الواسطي في معناه: نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافًا واستحقاقًا، قيل: فسمعت الملائكة تسبيحه فشفعوا له عند الله فاستجاب له دعاءه فاستخرجه من بطن الحوت برحمته، فجعله من الصالحين 48.

الملاحظ أن هذه القصة بنيت أساسًا على مبدأ التسبيح وفلسفته وأهميته ودوره الأساس في نجاة المؤمن يدلنا على ذلك قوله تعالى في موضع آخر: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:143 - 144] .

فقد ابتلي يونس عليه السلام بما ابتلي به ليتفكر في قدرة الله وعظمته فيقر له بالطاعة والعبودية والتنزيه، فكان تسبيحه هو المستدعي لنجاته، وكان من صدق إنابته وضيق حاله أنه خص نفسه بنداء تفرد فيه عن غيره من أنبياء الله ورسله فلم يصدر نداءه بكلمة (رب) ولم يدع فيه لنفسه بل ابتدأ النداء بالتسبيح والاعتراف بالظلم. قيل: إن «في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه، وينجيه كما أنجاه، وهو قوله: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} أي: نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم» 49.

يتبين من ذلك أن للدعاء والتسبيح شأنًا عظيمًا عند الله تعالى، فبهما يعترف الإنسان بضعفه وحاجته ونقصه بإزاء كمال الله تعالى وعظمته، وبهما تتجدد الصلة بالخالق وتنفتح أسارير النفس وتستمد العون والقوة منه إذ تستشعر قربه منها. لقد كان الدعاء والتسبيح وسيلة الأنبياء إلى النجاة من كربهم وغمهم وعظيم بلائهم فواجب أن نتعلم كيف ننقي أنفسنا من مساوئها، كي نجد الله تعالى بصيرًا بنا، يغيثنا وينجدنا وينجينا وأهلنا وأمتنا من نوائب الدهر وكيد الكائدين.

أولًا: المنجى منه في الدنيا:

الدنيا دار غرور لا ينبغي لعاقل أن يأمن مكرها، أو يخال أنه في مأمن من نوائبها وسطوة أقدارها، فمعلوم أنها كثيرًا ما تتزين للناس وتغريهم بملذاتها، فيسارع المغترون بها إلى الالتحاق بركبها واتباع سبيلها متناسين عرضها وزيف متاعها، وهي تستخف بلهاثهم إذ يعدون وراءها وقد بدا لهم منها ما يشتهون، وما ذاك إلا لغفلة أبصارهم وبصائرهم وصدهم عن أحكام دينهم الذي سوغ لهم تعدي حدود الله تعالى ونسيان لقائه وبينا هم على حالهم تلك إذ تحمل عليهم وتداهمهم بهمها وبغمها وتؤذنهم بحربها وكربها، فإذا بهم يضجون وقد ضلوا سواء السبيل وراحوا ينشدون النجاة مما أصابهم، وأنى لهم.

وقد قال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [الأعراف:51] .

لذا لم تكن دعوة الله تعالى عباده إلى الإيمان به وتصديق رسالاته واتباع دينه الحق إلا من أجل أن يقيهم فتنة الحياة الدنيا وينجيهم من مكرها الذي لا يورثهم إلا الشقاء والهموم، فمن أخلص لله الدين فقد ضمن النجاة من مكر الدنيا وآفاتها لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38] .

وحسب عباد الله المؤمنين أن يكون الله تعالى مدافعًا عنهم ينجيهم بصدق إيمانهم من كل ما أهمهم من نوائب الدنيا وفتنها.

نقف في هذا المبحث لدراسة بعض آيات الكتاب التي تكشف عن الآثار المادية والمعنوية التي أصابت بعض العباد وتصيبهم من جراء غفلتهم أو ظلمهم أو كفرهم وصدهم عن سبيل الله، ثم نسلط الضوء على الأسباب المنجية والسبل المفضية إلى الفوز برحمة الله التي يصيب بها من يشاء من عباده المؤمنين فينجيهم من تلك الآثار.

قد ذكرنا في ما مضى من القول قصة نبي الله يونس عليه السلام وكيف توسل إلى الله سبحانه بالتسبيح، فاستجاب الله تعالى من فوره لتسبيحه وصدق إنابته فنجاه إلى البر قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ?) [الأنبياء:88] .

فدلت الفاء على سرعة الاستجابة ودل الفعل (نجى) على تكرار فعل النجاة، وقد اختلف في المنجى منه؛ أي الغم فقيل: الظلمات 50 وقيل: بطن الحوت 51 وقيل: من كليهما 52 غير أن الثعالبي انفرد بتفسيره بأنه «ما كان ناله حين التقمه الحوت» 53.

غير أننا نرى أن الغم الذي كان يهيمن على نبي الله يونس عليه السلام لم يكن بفعل الظلمات أو وجوده في جوف الحوت بل بفعل ما كان يمتلئ به صدره من إحساس بثقل ما يحمله من ظلم نفسه، وشعوره بالندم وظنه بأن لا سبيل لعفو الله عنه، واعتقاده بأنه فقد نعمة اصطفائه بالنبوة، كل ذلك مجتمعًا كان يبعث في نفس يونس عليه السلام الغيظ، حتى ضاق ذرعًا بحزنه فتوجه مكظومًا إلى ربه بالنداء لا بالدعاء، لأنه يريد النجاة من غضب الله لا من الضرر المادي الذي لحق به في الظلمات أو في بطن الحوت بدليل اعترافه بالظلم: (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:88] .

فحين استجاب الله لندائه أجاب بما هو أكرم وأجل، إذ جعل نجاته في ثلاث مراحل: أولاها: أنه أنجاه من الظلمات حين نبذه إلى العراء، وثانيها: أنه أنجاه من السقم حين أنبت عليه شجرة من يقطين، وثالثها: أنه أنجاه من غضبه وما ابتلي به حين أسبغ عليه نعمته من جديد فأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، فهذه الأمور الثلاثة مجتمعة كانت تؤلف حالة الغم التي رافقت يونس عليه السلام، وكانت وراء مجيء اللفظة بصيغة نجيناه دون أنجيناه.

وترد النجاة من الغم في موضع آخر من القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى مخاطبًا موسى عليه السلام: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) [طه:40] .

فالمقصود بالنفس التي قتلها ذلك الرجل القبطي الذي وكزه فقضى عليه، وكان قتله له خطأ في ما تذكر الروايات 54.

وتكاد تتفق التفاسير على تأويل معنى قوله تعالى: (فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) قال مجاهد: «من غم قتل النفس» 55.

وقال ابن الجوزي: «كان مغمومًا مخافة أن يقتل به فنجاه الله بأن هرب إلى مدين» 56.

وقال القرطبي: «أي: آمناك من الخوف والقتل والحبس» 57.

فيما ذهب الشوكاني إلى أن معناه: نجيناك من «الغم الحاصل معك من قتله خوفًا من العقوبة الأخروية أو الدنيوية أو منهما جميعًا» 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت