فهرس الكتاب

الصفحة 2353 من 2431

وللوقوف على المعنى المراد من هذه الآية، لا بد من التعرف على سبب نزولها، فقد روى ابن هشام أن غلامًا لعمر بن الخطاب اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني، وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النبي صلى الله عليه وسلم هناك، وكادا يقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فسمع بالأمر عبد الله بن أبي بن سلول، فغضب وقال للرهط ممن معه: أو فعلوها؟! قد نافرونا وكاثرونا في دارنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش -يقصد المسلمين من قريش- إلا كما قالوا: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم، فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الأمر، وكان عنده عمر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله مر به عباد بن بشر فليقتله، فقال له صلى الله عليه وسلم: (فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا. ولكن أَذِّنْ بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس.

ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وهكذا إلى أن آذنتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نيامًا. وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي، ونزلت سورة المنافقين تصديقًا لقول زيد بن أرقم 68.

فكما ظهر من هذه الحادثة أن عبد الله بن أبي بن سلول قد أخذته العزة بالإثم، وانتهز هذا الحدث وهذا الموقف لأجل تحقيق مصلحة له ولأعوانه، وهي إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار مما قد يؤدي إلى خطر أعظم لولا حكمة تصرف النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال الله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) } [البقرة:206] .

أي: إذا قيل للمنافق: اتق الله تعالى، وخفه ولا تفسد في الأرض، ولا تسع فيها بما حرم الله تعالى عليك من معاصٍ، ولا تهلك حرث المسلمين ونسلهم، فإذا نصح بذلك استكبر ودخلته عزة وحمية بما حرم الله تعالى عليه، وتمادى في غيه وضلاله، فتوعده الله تعالى بأنه سوف يصليه نار جهنم، وبئس المهاد لصاليها 69.

3.عزة القبيلة والرهط، دوافعها العجب بالنفر والحسب.

ويظهر هذا النوع من العزة المذمومة في قوله تعالى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) } [هود:91 - 92] .

فلما بعث الله تعالى شعيبًا عليه السلام إلى قومه، ودعاهم إلى التوحيد، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عما كانوا يفعلون من منكرات أهمها: التطفيف في الميزان، ولكنهم لم يستجيبوا، فحذرهم وخوفهم بما أصاب الأقوام السابقة حين عصت أمر ربها جل جلاله، فكانت هذه الآية هي رد القوم على نبيهم شعيب عليه السلام، ومعناها أن القوم قالوا: لا نفهم يا شعيب صحة ما تقول -وقد كان عليه السلام خطيب الأنبياء-، ولا قوة لك ولا عز لك بيننا، وإنك لا تقدر على الامتناع منا إن أردنا أن نلحق بك مكروهًا، ولولا عشيرتك ورهطك لقتلناك رجمًا، وحينئذٍ أنت لا تعز علينا حتى نكرمك من القتل، ونرفع عنك الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم من أهل ديننا وملتنا، فرهطك هم الأعزة علينا 70.

ولذلك أنكر شعيب عليه السلام عليهم هذه العزة المذمومة التي كان دافعها العجب بالنسب والكثرة والنفر، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أربعٌ في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) 71.

قال صاحب الظلال: «الجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس، وهم ضعاف، وهم عباد من عباد الله أهؤلاء أعز عليكم من الله؟ أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من الله؟ {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} وهي صورة حسية للترك والإعراض، تزيد في شناعة فعلتهم، وهم يتركون الله ويعرضون عنه، وهم من خلقه، وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه. فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير» 72.

4.عزة الغنى وزينة الحياة الدنيا، دوافعها الركون إلى الملذات.

يتمثل هذا النوع من العزة المذمومة في قصة أصحاب الجنتين، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف:32 - 36] .

فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتوضيح حال المؤمن والكافر ومآل أمرهما، وهما أخوان من بني إسرائيل مات أبوهما وورثا عنه أموالًا طائلة فاقتسماها، فصرف المؤمن ماله في سبيل الله تعالى، وأنفق منها على الفقراء واليتامى والمساكين، في حين اشترى الكافر مزارع وبساتين، وكثر ماله إلى أن حان وقت الابتلاء، فكان له جنتان مملوءتان بجميع الخيرات، ولم ينقص من ثمرهما شيء، هذا بالإضافة إلى ما كان عنده من النقود والجواهر والعبيد وغير ذلك من أنواع النعيم، فقال الأخ الكافر على سبيل البطر والمباهاة لأخيه المؤمن: أنا أكثر منك مالًا؛ لأنه بالمال تنال جميع اللذات والشهوات، كما أنني أعز نفرًا وأبناء عشيرة وخدمًا.

قال ابن كثير: «أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا، قال قتادة: تلك-والله-أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر» 73.

ومن شدة بطره وخيلائه دخل جنته وهو ظالمٌ لنفسه؛ لأنه لم يعترف بهذه النعمة أنها من عند الله سبحانه وتعالى، كما كان لديه طول أملٍ وحرصٍ وغرورٍ شديدين، هذا بالإضافة إلى غفلته فقال معتمدًا على هذه الثروة والجاه وكثرة الأعوان: ما أشك أن تهلك هذه الجنة وتعدم؛ بل هي ستظل هكذا من النضارة على الأبد، كما أنني ما أظن أن الساعة الموعودة التي أخبر بها جميع الأنبياء والرسل أنها آتية حتى تنعدم هذه الجنة بانعدام العالم، وعلى فرض قيام الساعة وانتهاء الدنيا فإنني سأجد جنة أفضل من هذه في الآخرة، ثم ذكره أخوه المؤمن بالله عز وجل، وكيف خلقه وأنعم عليه، فمن الواجب أن يشكره على هذه النعم، وفي لحظة وجد الكافر جنته خاوية ساقطة على عروشها، وحين أفاق من سكر غروره وغفلته، تنبه إلى هذه الصدمة وقال متحسرًا: {يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف:42] .

ومثله أيضًا عزة قارون بماله، حيث قال الله عز وجل فيه: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) } [القصص:76] .

فقارون كان على شاكلة قوم موسى في الكفر والطغيان، فبغى عليهم بالكبر لما غلب عليه من الحرص على الدنيا، وذلك لما اتصف به من الغرور والتعزز برؤية زينة نفسه، وقد أعطاه الله تعالى من الأموال المدخرة ما يثقل على الجماعة الكثيرة من الرجال أصحاب القوة حمل مفاتيح صناديقها، فقام قومه بتوجيه النصح له بعدم الفرح بزخارف الدنيا، حيث إن هذا الفرح يشغله عن القيام بحق الله تعالى في هذه الأموال، فالله تعالى لا يحب الفرحين؛ لأن في حب المال إلى هذه الدرجة إيثار لها على الآخرة، وهذا أصل كل شر، ومنبع كل فساد 74.

قال سيد قطب: «وفي هذا القول جماع ما في المنهج الإلهي القويم من قيم وخصائص تفرده بين سائر مناهج الحياة. «لا تفرح» فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ، لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران، لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه، ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد، «إن الله لا يحب الفرحين» فهم يردونه بذلك إلى الله، الذي لا يحب الفرحين المأخوذين بالمال، المتباهين المتطاولين بسلطانه على الناس» 75.

ومثله أيضًا قوله تعالى في حق سحرة فرعون إذ قال: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) } [الشعراء:44] .

فاستعان هؤلاء السحرة بعزة عبد عاجز ضعيف، ولكنه تجبر فأصبح في صورة ملك له جنود، كما أنه استخف قومه وأطاعوه، فغرتهم هذه الزينة وهذه الأبهة، ولم يعلموا حقيقة الأمر التي لم تصل بصائرهم إليها 76. قال الشعراوي «رحمه الله» في تفسيره للآية: «هذا قسمهم، وما أخيبه من قسم؛ لأن فرعون لا يغلب ولا يقهر في نظرهم، والعزة تعني عدم القهر وعدم الغلبة، لكن عزة فرعون عزة كاذبة وأنفة وكبرياء بلا رصيد من حق، وعزة بالإثم كالتي قال الله عنها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} [البقرة:206] » 77.

فكثرة الغنى والمال والجاه والركون إلى ألوان الملذات والشهوات مع عدم القيام بحق الله عز وجل في هذه النعم من الحمد والشكر عليها سببٌ لهلاك العبد، فهذه عزة مذمومة.

ويخلص من هذا إلى أن أنواع العزة المذمومة-كما جاءت في القرآن الكريم-هي أربع: عزة الكافر عنادًا واستكبارًا عن قبول الحق، وعزة المنافق اغترارًا بالمواقف، وعزة الرهط والعشيرة والقبيلة افتخارًا بالنسب والنفر، وعزة الغنى وزينة الحياة الدنيا ركونًا إلى الملذات والشهوات، فعلى المسلم تجنب هذه البواعث والدوافع على العزة المذمومة حتى لا يقع فيها من حيث لا يشعر.

قدمت النصوص القرآنية مجموعة من الآيات التي تحمل علاجًا لمن يتصفون بهذا الخلق المذموم، وهي متمثلة فيما يأتي:

أولًا: تقوية الإيمان بالله والتوكل عليه:

ذكرنا من أنواع العزة المذمومة عزة المنافق، والتي كان من أهم دوافعها تصيد الفرص واقتناصها لجعلها في غير صالح المؤمنين، فها هو الله عز وجل يقول عنهم: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) } [الأنفال:49] .

فهؤلاء المنافقون يحتقرون المؤمنين ويستخفون بعقولهم عندما أقدموا على قتال المشركين في بدر، وكان عددهم يفوق عدد المشركين بثلاثة أضعاف تقريبًا، فقال المنافقون مستهزئين بالمؤمنين: إن هذا الدين الذي اعتنقه المؤمنون هو الذي أدى بهم إلى هذه الموارد التي سوف يكون فيها هلاكهم، ولم يعلموا أن إيمانهم بهذا الدين العظيم هو الذي يوجب عليهم الإقدام لنصرة دين الله عز وجل.

قال السعدي رحمه الله: «فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام، فإن المؤمن المتوكل على الله، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا بالله تعالى، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلم أنه على الحق، وأن الله تعالى حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقًا بربه، مطمئن القلب لا فزعًا ولا جبانًا، ولهذا قال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} لا يغالب قوته قوة، {حَكِيمٌ} فيما قضاه وأجراه» 78.

وبهذا تكون تقوية الإيمان بالله سبحانه وتعالى والتوكل عليه من أهم نقاط علاج العزة المذمومة لأصحاب النفوس الضعيفة، فإذا قوي إيمانهم وتوكلوا على الله تعالى حق التوكل، أمدهم الله تعالى بالعزة والغلبة، ولذلك إذا كان الله تعالى قد أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالتوكل عليه حين قال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) } [الشعراء:217] .

فمن باب أولى أن يتوكل عليه المؤمنون.

ثانيًا: بيان حقيقة الدنيا وزينتها وسرعة زوالها:

يقول الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) } [الأنفال:67] .

فهذه الآية فيها عتابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان منه من فداء الأسرى يوم بدر، فاستشار أصحابه فيهم، فأشار أبو بكر رضي الله عنه عليه بفدائهم مقابل إطلاق سراحهم؛ لأن المهاجرين كانوا في ذلك الوقت فقراء، وكانوا حديثي عهد بترك ديارهم وأموالهم في مكة حين هاجروا إلى المدينة المنورة، ولعل الله تعالى يهديهم بعد فكاك أسرهم فيؤمنوا، في حين أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتل الأسرى جميعهم؛ لأنهم كانوا أئمة الكفر وصناديدهم، فيعلم المشركون حينئذٍ أن بأس المؤمنين شديد، وتظهر به قوة الإسلام والمسلمين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم للينه ورقة قلبه ورحمته أخذ برأي أبي بكر 79، فنزلت هذه الآية تعاتب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتعرفه أن قتل المشركين كان أولى بالصواب من أخذ الفدية منهم وإطلاقهم، فكان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم المبالغة في قتل هؤلاء المشركين، وقهرهم غلبةً وقسرًا.

ثم وجه الله عز وجل الخطاب إلى المؤمنين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها المؤمنون إنكم تريدون عرض الدنيا من مال ومتاع حين أسرتم المشركين، ولكن الله تعالى يريد لكم زينة الآخرة، وما أعده سبحانه للمؤمنين وأهل ولايته في جنان النعيم بقتلكم هؤلاء المشركين وإثخانكم في الأرض، فافعلوا ما يريده الله تعالى منكم، وليس ما تدعوكم إليه أهواؤكم، من الرغبة في الدنيا، فإنه جل جلاله عزيز حكيم، عزيز إن فعلتم ما يريده منكم، فإنه لن يجعل عدوكم يغلبكم؛ بل ستكون الغلبة لكم؛ لأن الله تعالى عزيز لا يقهر ولا يغلب، كما أنه حكيم في تدبيره أمر خلقه 80.

فما أخذه المسلمون من مال مقابل إبقاء أسرى المشركين على قيد الحياة هو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم والقضاء عليهم.

قال السعدي رحمه الله: «يقول تعالى: {تُرِيدُونَ} بأخذكم الفداء وإبقائهم {عَرَضَ الدُّنْيَا} أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم، {وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض» 81.

وبهذا تكون معرفة حقيقة الدنيا سببًا في علاج أصحاب النفوس المريضة الذين يلهثون وراء التمتع بزينتها.

ثالثًا: بيان ضعف الولاء لغير الله وانقطاعه:

يقول الله عز وجل في الذين تركوا الولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وطلبوه عند المشركين، فاتخذوهم أولياء يتعززون بهم ويستنصرونهم: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } [النساء:138 - 139] .

فالله تعالى يبشر هؤلاء المنافقين-على سبيل التهكم-وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، فيبشرهم بأقبح بشارة، وهي العذاب الأليم الموجع، وذلك بسبب اتخاذهم الكافرين أولياء عن طريق محبتهم ومعاونتهم ونصرتهم، في حين تركوا ولاية المؤمنين، فما الذي دفعهم إلى ذلك؟ هل يبتغون العزة ويطلبونها عندهم؟ فإن العزة الحقيقية لله جل جلاله، وفي موالاته تعالى وموالاة المؤمنين.

قال السعدي رحمه الله: «وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون، والحال أن العزة لله جميعًا، فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين، وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم» 82.

فإذا علم هؤلاء أن ولاءهم لغير الله تعالى هو باطل وضعيف ومنقطع، ولا يجدي من ورائه نفعًا يوصلهم إلى الآخرة، وإلى مرضات الله سبحانه وتعالى، حينئذٍ يكون هذا علاجًا للعزة المزعومة المذمومة التي يلهث أصحابها وراءها، فهي عزة واهية باطلة، فالعزة الحقيقية المحمودة هي التي تكون في رضا الله جل جلاله.

ويخلص من هذا إلى أن القرآن الكريم وضع بعض الحلول أو العلاج لهذه العزة المذمومة، فإذا قوى المرء إيمانه بالله تعالى، وتوكل عليه حق توكله، وإذا لم يلهث وراء ملذات الدنيا وشهواتها ليحصل منها على عرض زائل، وأن هذه الحياة الدنيا كلها فانية وسريعة الزوال، ولا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، وإذا علم حقيقة الولاء، وأنه لا يكون إلا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، حينئذٍ يتخلص هذا المرء من هذا الخلق المذموم، ويتحول عنده إلى خلق محمود.

لاشك أن للعزة المحمودة آثارًا في الدنيا وفي الآخرة، وللعزة المذمومة عواقب وخيمة في الدنيا وفي الآخرة، سنتعرف على أهم الآثار وأهم العواقب لكلا النوعين في النقاط الآتية:

أولًا: آثار العزة المحمودة في الدنيا:

إن العزة المحمودة تظهر آثارها في الدنيا، وذلك من خلال النقاط الآتية:

1.علو الهمة والثبات على الحق.

يقول الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) } [النمل:78 - 79] .

فالله تعالى سوف يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه فيهم، فينتقم من المبطل منهم، كما سيجزي المحسن منهم بالثواب الحسن، فهو العزيز في انتقامه من المبطلين، لا يقدر أحد على منعه تعالى من الانتقام منهم ومن غيرهم الضالين عن طريق الهدى.

ثم يأمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتفويض جميع أموره إليه، فإنه سبحانه وتعالى كافيه؛ لأنه على الحق المبين الواضح لمن تأمله وتدبره، فهذا من باب التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه تعالى يقول له: لا يحزنك تكذيب المكذبين لك، وخلافهم لما تأمرهم به، ولكن امض لأمر ربك الذي بعثك فيه 83.

فنبذ المؤمن لما يلاقيه من المكذبين والمشركين فيه إعلاءٌ للهمة، وثبات على الحق، وعدم الركون إلى ما يلاقيه منهم، فإذا لم يكن الأمر كذلك فستأتي نتيجة ذلك بالفشل، فيجب على المؤمن المضي في طريق الحق والثبات عليه، حتى يمده الله تعالى بالنصر المؤزر.

2.الصبر على الشدائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت