وقوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) } [الإنسان:7 - 10] .
فالخوف من أهوال يوم القيامة دفعهم إلى المسارعة إلى الطاعات والإخلاص في أدائها.
ونظير ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون:57 - 61] .
«إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه، ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة، ومن ثم يستصغر كل عباداته، ويستقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء الله ونعمائه. كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته، ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله، ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرًا» 107.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إنّ سلعة اللّه غاليةٌ، ألا إنّ سلعة اللّه الجنّة) 108.
الجرأة والشجاعة في طلب الحق والانتصار له: إذا تمكن خوف الله من القلب أزال كل خوف من سواه، فالمؤمن يوقن أن الله وحده بيده الضر والنفع وأن ما سواه تحت سيطرته لا يشاؤون إلا أن يشاء الله، لذا فهو يجاهر بالحق، ويدافع عنه، ويجاهد في سبيل نصرته باللسان والسنان، لا يخاف أحدًا من المخلوقين ولو حصل منهم إرهاب أو أذى له في نفسه أو أهله أو ماله.
ولقد قصّ الله علينا في كتابة صورة سامقة لأثر الخوف من الله في تحصيل الجرأة والشجاعة في ميدان الجهاد.
فعندما رفض الجبناء من بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة مجاهدين، وجلسوا ينتظرون خروج أهلها منها مختارين، وقف رجلان منهما أنعم الله عليهما بالشجاعة والجرأة والثبات لخوفهما منه وحده ينصحانهم ويذكرانهم، كما في قوله تعالى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) } [المائدة:23] .
وقوله: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} «أي: فلمّا نكل بنو إسرائيل عن طاعة اللّه ومتابعة رسول اللّه موسى عليه السّلام حرّضهم رجلان للّه عليهما نعمةٌ عظيمةٌ، وهما ممّن يخاف أمر اللّه ويخشى عقابه» 109.
وهكذا المؤمن لا يجبن في مواطن اللقاء، ولا يخاف من مواجهة الأعداء، ولا يهادن الباطل خوفًا من بطشه، ولا يقصر في تبليغ الحق مهما واجه من صعوبات؛ لأنه يعلم أن الله عز وجل وحده المستحق للتعظيم والخشية، وأن ما عداه من البشر ضعفاء مهازيل لا يقدرون على إيصال الأذى له إلا أن يشاء الله.
وقد قص الله عز وجل علينا موقف سحرة فرعون عندما خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، واستقرت الخشية من الله وحده في نفوسهم، فلم يبالوا بتهديدات فرعون وبطشه، ولم ترهبهم قوة فرعون الغاشمة، فالقلب المتصل بالله يستخف بكل عذاب في سبيل إعلاء راية الحق، كما قال تعالى: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) } [طه:72 - 73] .
«إن قوى الأرض كلها لا تخيف -أو لا ينبغي أن تخيف- لأنها قوى مسخرة. لا تستمد من نفسها، ولا تملك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا، والقوة التي ينبغي أن تخاف حقًّا هي القوة التي بيدها كل شيء. هي المانحة حقًّا والمانعة حقًّا. وإذن فخوفها هو الخوف الواجب، وخشيتها هي السبيل. الخوف ينبغي أن يكون من الله، ومما يخوف به الله» 110.
ثالثًا: الانتفاع بالذكرى والإنذار، والتأثر بآيات القرآن:
قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) } [يس:11] .
وقال سبحانه: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) } [طه:2 - 3] .
وقال عز وجل: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام:51] .
فهذه الآيات كلها تبين أن أهل الخوف والخشية من الله هم الذين ينتفعون بالإنذار ويستجيبون لمواعظ القرآن وهداياته، فالخوف يرقق قلوبهم، ويطهره من الآفات والأدران، ويمنحهم رؤية واضحة لعواقب الأمور. وقال سبحانه بعد ذكر أخذه الأليم الشديد للظالمين: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} [هود:103] .
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} «أي: في أخذ اللّه سبحانه لأهل القرى، أو في القصص الّذي قصّه على رسوله لعبرةً وموعظةً لمن خاف عذاب الآخرة لأنّهم الّذين يعتبرون بالعبر، ويتّعظون بالمواعظ» 111.
وقال عز وجل بعد إهلاك أصحاب الفاحشة من قوم لوط عليه السلام: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) } [الذاريات:37] .
إن المؤمن ليرتجف قلبه وهو يتأمل الآيات التي تصور عذاب الله للمجرمين في الدنيا أو الآخرة، فهو يلمح فيها مظهرًا من مظاهر الجبروت الرباني العظيم، وأثرًا من آثار العزة الإلهية، ولمحة من لمحات عذاب الله الأليم، فينتفض قلبه كلما هم بمعصية أو وقع فيها، ويتوجه إلى الله ضارعًا أن يقيه شر السيئات وأن يوفقه للتوبة كلما استزله الشيطان. ولقد ذم الله أصحاب القلوب القاسية، المحبوسة في سجن الغفلة، المقفرة من الخوف، والتي لا تتأثر بالنذر والمواعظ، بل ويستقبلونها بالضحك والاستهزاء، في قوله تعالى: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) } [النجم:59 - 61] .
«أي: كيف تعجبون منه تكذيبًا وتضحكون منه استهزاءًا مع كونه غير محلٍّ للتّكذيب ولا موضعٍ للاستهزاء ولا تبكون خوفًا وانزجارًا لما فيه من الوعيد الشّديد. والسّمود: الغفلة والسّهو عن الشّيء» 112.
رابعًا: البكاء من خشية الله:
إن القلب إذا مازجته الخشية والخوف من الله، كان رفيقًا رقيقًا خاشعًا مستكينًا، لا تمر عليه آية رحمة أو عذاب إلا أثرت فيه أثرًا بليغًا، فلا ترى صاحبه إلا هطّال الدمع شوقًا وحزنًا، ورغبة فيما عند الله ورهبة من عقابه .. وقد أثنى الله عز وجل على أنبيائه لخشوعهم وبكائهم في قوله: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] .
«فهم أتقياء شديدو الحساسية بالله، ترتعش وجداناتهم حين تتلى عليهم آياته، فلا تسعفهم الكلمات للتعبير عما يخالج مشاعرهم من تأثر، فتفيض عيونهم بالدموع ويخرون سجدًا وبكيًّا» 113.
كما وصف سبحانه صالحي أهل الكتاب في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:107 - 109] .
«هكذا يخر عباد الرحمن لربهم، كلما وقعت الذكرى بقلوبهم! يخرون كما تخر الجبال الرواسي إذا ازّلزلت الأرض من تحتها وانهارت من أعلاها خشوعًا وخضوعًا لله الواحد القهار! فلا يملك العباد عند ذلك إلا البكاء، البكاء الحار العميق، لما وقع في مواجيدهم من المعرفة بقدر الله العظيم وبمقامه العلي الكريم ولما تنثره أسماؤه الحسنى على قلوبهم المتضرعة من أنوار التسبيح وجمال التقديس! وما يقتضيه ذلك كله من المشاهدة لحقوق الله على عباده! فيهرع العبد إلى منازل البوء بالنعمة والبوء بالذنب معًا، تائبًا منيبًا، تسبقه دموعه إلى حدائق السجود ومن ذا يقدر على حبس عيون الروح أن تتدفق بأشجان الذكرى؟! إلا من كانوا صمًّا بكمًا عميًا فهم لا يفقهون» 114.
أولًا: جزاء الخائفين من الله في الدنيا:
1.النصر على الأعداء والتمكين في الأرض.
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) } [إبراهيم:13 - 14] .
«فقوله ذلك إشارةٌ إلى أنّ ما قضى اللّه تعالى به من إهلاك الظّالمين وإسكان المؤمنين ديارهم إثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي، وفيه وجوهٌ:
الأوّل: المراد موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنّ ذلك الموقف موقف اللّه تعالى الّذي يقف فيه عباده يوم القيامة، ونظيره قوله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} [النازعات: 40] .
وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) } [الرحمن:46] .
الثاني: أن المقام مصدرٌ كالقيامة، يقال: قام قيامًا ومقامًا، قال الفرّاء: ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إيّاه كقوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [الرعد:33] .
الثّالث: ذلك لمن خاف مقامي، أي: إقامتي على العدل والصّواب، فإنّه تعالى لا يقضي إلّا بالحقّ ولا يحكم إلّا بالعدل، وهو تعالى مقيمٌ على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف البتّة.
الرّابع: ذلك لمن خاف مقامي، أي: مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول.
ثم قال تعالى: {وَخَافَ وَعِيدِ} قال الواحديّ: الوعيد اسمٌ من أوعد إيعادًا وهو التّهديد. قال ابن عبّاسٍ: خاف ما أوعدت من العذاب» 115.
{ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} «أي: إنّ ذلك الجزاء الحسن وهذا النصر العظيم، إنما هو لمن خاف مقام ربّه، وخشى بأسه، فوقّره وعظّمه، واتقى حرماته، وعظم شعائره، والرسل من هذا في المقام الأول، ثم من اقتفى أثرهم» 116.
وهكذا فالخوف من الله يدفع المؤمنين إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، والابتعاد عن الفساد والإفساد، والعلو والاستكبار، فهم يريدون التمكين في الأرض من أجل نشر العدل والإصلاح؛ لذا وعدهم الله تعالى بوراثة الأرض والنصر على أعدائه والتمكين لهم.
2.قبول الدعاء.
قال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] .
«أي: خوفًا ممّا عنده من وبيل العقاب، وطمعًا فيما عنده من جزيل الثّواب. ثمّ قال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} أي: إنّ رحمته مرصدة للمحسنين، الّذين يتّبعون أوامره ويتركون زواجره» 117.
{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} «أي: إن رحمته تعالى قريبة من المحسنين أعمالهم؛ لأن الجزاء من جنس العمل كما قال: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) } [الرحمن:60] .
فمن أحسن في عبادته نال حسن الثواب، ومن أحسن في الدعاء أعطى خيرًا مما طلبه، أو مثل ما طلبه» 118.
ففي هذه الآية ارتباط وثيق بين الخوف من الله وقبول الدعاء، وكيف لا والخوف يحمل صاحبه على التشمير في الطاعات والاجتهاد في العبادات، فكلما وهن عزمه أو فترت همته ساقه الخوف إلى الجد في الطاعات والبعد عن السيئات، فهو يتقلب دائمًا بين خوفه من ربّه وطمعه في رحمته.
3.التوفيق للهداية.
قال تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة:150] «وهذه الآية تدل على أنّ الواجب على المرء في كلّ أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب اللّه، وأن يعلم أنّه ليس في يد الخلق شيءٌ البتّة، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم» 119.
فهذا هو الطريق للهدى والثبات على المنهج الحق، وتجنب الضلال، ومشابهة الأعداء والتلقي منهم خشية منهم، فالخوف من الله رأس كل خير، وأساس كل هداية.
قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) } [النازعات:26] .
«والعبرة: الحالة الّتي ينتقل الذّهن من معرفتها إلى معرفة عاقبتها وعاقبة أمثالها، وهي مشتقّةٌ من العبر، وهو الانتقال من ضفّة وادٍ أو نهرٍ إلى ضفّته الأخرى. والمراد بالعبرة هنا الموعظة وجعل ذلك عبرةً لمن يخشى، أي: من تخالط نفسه خشية اللّه؛ لأنّ الّذين يخشون اللّه هم أهل المعرفة الّذين يفهمون دلالة الأشياء على لوازمها وخفاياها» 120.
وهكذا إن الذي يعرف ربه ويخاف منه يهتدي إلى المواعظ والإنذار، وينتفع بهما، وتغرس في قلبه شجرة التقوى لتثمر نظرة سديدة بعواقب الأمور والاستعداد لها قبل وقوعها، «أما الذي لا يعرف قلبه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز، وبينه وبين العظة حجاب. حتى يصطدم بالعاقبة اصطدامًا. وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى. وكل ميسر لنهج، وكل ميسر لعاقبة. والعبرة لمن يخشى» 121.
ثانيًا: جزاء الخائفين من الله في الآخرة:
1.المغفرة والأجر الكبير.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) } [الملك:12] .
يقول تعالى مخبرًا عمّن يخاف مقام ربّه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن النّاس، فينكفّ عن المعاصي ويقوم بالطّاعات، حيث لا يراه أحدٌ إلّا اللّه، بأنّه له مغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ، أي: يكفّر عنه ذنوبه، ويجازى بالثّواب الجزيل.
«والذين يخشون ربهم بالغيب، هم الذين خافوا عذاب يوم القيامة، وخافوا لقاء ربهم، قبل هذا اليوم الغائب عنهم. ثم إنهم هم الذين يخشون ربهم في سرهم، كما يخشونه في علانيتهم، حيث يشهدون سلطان اللّه قائمًا عليهم في كل حال من أحوالهم. فهم لشهودهم هذا السلطان، لا يعصون اللّه، ولا يفعلون ما لا يرضاه، وهم لهذا مجزيّون من اللّه تعالى، بمغفرة ذنوبهم التي تقع منهم، وإلى جانب غفران ذنوبهم يكون مضاعفة أجرهم لما يعملون من حسنات» 122.
فيا لسعادة المؤمنين الخائفين بما أعده الله عز وجل لهم من النعيم المقيم، والملك الكبير، واللذات المتواصلات، والقصور العاليات، والحور الحسان، والخدم والولدان.
2.الفوز بالجنة وحصول الأمن في الآخرة.
قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) } [الرحمن:46] .
قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات:40 - 41] .
«أي: خاف القيام عليه ومجازاته بالعدل، فأثر هذا الخوف في قلبه فنهى نفسه عن هواها الذي يقيدها عن طاعة الله، وصار هواه تبعًا لما جاء به الرسول، وجاهد الهوى والشهوة الصادين عن الخير، {فَإِنَّ الْجَنَّةَ} «المشتملة على كل خير وسرور ونعيم» {هِيَ الْمَأْوَى} لمن هذا وصفه» 123.
ونظير ذلك قوله تعالى: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) } [ق:32 - 34] .
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ} «أي: خافه على وجه المعرفة بربه، والرجاء لرحمته ولازم على خشية الله في حال غيبه، أي: مغيبه عن أعين الناس، وهذه هي الخشية الحقيقية، وأما خشيته في حال نظر الناس وحضورهم، فقد تكون رياء وسمعة، فلا تدل على الخشية، وإنما الخشية النافعة، خشية الله في الغيب والشهادة. {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} أي: دخولًا مقرونًا بالسلامة من الآفات والشرور، مأمونًا فيه جميع مكاره الأمور، فلا انقطاع لنعيمهم، ولا كدر ولا تنغيص، {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} الذي لا زوال له ولا موت، ولا شيء من المكدرات» 124.
كما أخبر تعالى في موضع آخر عن حال عباده الذين ألزموا قلوبهم الخوف منه سبحانه ومن عذابه، فأثابهم الله بالأمن والأمان والنجاة من عذاب النار، وذلك في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) } [الطور:26 - 27] .
ونظير ذلك قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) } [الإنسان:10 - 12] .
وهكذا فالجزاء من جنس العمل؛ فالخوف من الله في الدنيا هو سبيل الأمن في الآخرة. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه عن ربه جلا وعلا، أنه قال: (وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، إذا خافني في الدّنيا أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدّنيا أخفته يوم القيامة) 125.
3.نيل رضا الله عز وجل.
قال تعالى وهو يصف ما أعده من النعيم والتكريم لعباده الصالحين: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) } [البينة:8] .
{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} «ومقام رضاه عنهم أعلى ممّا أوتوه من النّعيم المقيم، {وَرَضُوا عَنْهُ} فيما منحهم من الفضل العميم. وقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} أي: هذا الجزاء حاصلٌ لمن خشي اللّه واتّقاه حقّ تقواه، وعبده كأنّه يراه، وقد علم أنّه إن لم يره فإنّه يراه» 126.
فيا لقرة أعين المؤمنين بهذه المنزلة العظيمة والكرامة السامقة برضا مولاهم عنهم، «هذا الرضا من الله وهو أعلى وأندى من كل نعيم، وهذا الرضا في نفوسهم عن ربهم؛ الرضا عن قدره فيهم، والرضا عن إنعامه عليهم، والرضا بهذه الصلة بينه وبينهم، الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء والطمأنينة والفرح الخالص العميق، إنه تعبير يلقي ظلاله بذاته.
{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} حيث يعجز أي تعبير آخر عن إلقاء مثل هذه الظلال!
{ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} وذلك هو التوكيد الأخير. التوكيد على أن هذا كله متوقف على صلة القلب بالله، ونوع هذه الصلة، والشعور بخشيته خشية تدفع إلى كل صلاح، وتنهى عن كل انحراف، الشعور الذي يزيح الحواجز، ويرفع الأستار، ويقف القلب عاريًا أمام الواحد القهار، والذي يخلص العبادة ويخلص العمل من شوائب الرياء والشرك في كل صورة من صوره» 127.
موضوعات ذات صلة:
الأمن، التقوى، الجهاد، الحذر، الخشية، القتل، القتال
1 مقاييس اللغة 2/ 230.
2 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 81، لسان العرب، ابن منظور 2/ 1290، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 512.
3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 303.
4 التعريفات، الجرجاني ص 90.
5 التوقيف، المناوي ص 161.
6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 246 - 248، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الخاء ص 488 - 491.
7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 200 - 201، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 279 - 281، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 576 - 579، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 1/ 540 - 542.
8 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 148.