فهرس الكتاب

الصفحة 681 من 2431

هذه نعم حياتية نستطيع استشفافها من خلال آيات القرآن الكريم التي تقدم ذكرها في صفات القلوب السليمة من هذا البحث.

أما في الآخرة: فكفى صاحب القلب السليم شرفًا وفضلًا أن الله أعد له الجنة، وأعد له فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومن كان جزاؤه الجنة فقد رضي الله عنه، وفاز فوزًا عظيمًا، قال الله سبحانه وتعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ? وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران:185] .

ولما كان مآل أصحاب القلوب السليمة مفسرًا واضحًا فلا يحتاج إلى مزيد بيان وترغيب، اكتفيت بما ذكرته سابقًا مفصلًا، ولاحقًا مجملًا؛ لأسير على سنن القرآن وهديه، حيث إن الله عز وجل لم يفصل الحلال المباح ولكن فصل ما حرم علينا فحسب؛ لنتوقاه، وفي توقيه خروج من ضيق الحرام والمعصية إلى سعة الحلال الطيب.

ثانيًا: سنة الله في أصحاب القلوب المريضة:

اقتضت حكمة الله تعالى ألا يعاجل من عصاه بالنقمة، بل يمهله لعله يتوب ويتدارك أمره.

قال تعالى: (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(147 ) ) [الأنعام:147] .

وفي الصحيحين: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته) . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ڑوَكَذَ?لِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى? وَهِيَ ظَالِمَةٌ ? إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102] الآية 114.

وقال الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) [الحج:48] فمن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله وتاب إليه، تاب عليه، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء:110] .

ومن أمن العقاب أساء الأدب وكان جزاؤه ما يستحقه.

ومرضى القلوب إن لم يتداركوا مرضهم فإن سنة الله تعالى فيهم أن يزيد علتهم عللًا، وأمراضهم مرضًا، ويطمس على بصيرتهم بتسليط الرجس، والصرف على قلوبهم مما يفضي إلى هلاكها.

وهو عقاب يصيب به الله تعالى أصحاب القلوب المريضة ليزيدهم به مرضا على مرضهم، وقد اقترن بالقلب في قوله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَ?ذِهِ إِيمَانًا ? فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ?124?وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى? رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ?125?) [التوبة 124 - 125] .

في حق المنافقين نزلت هذه الآية وما بعدها، والمعنى: فإذا أنزلت سورة من سور القرآن فمن هؤلاء المنافقين من يقول استهزاءً: أيكم زادته هذه إيمانًا، فأما الذين آمنوا فزادتهم تصديقًا على ما فيهم من تصديق، وذلك بزيادة الأدلة والبراهين، وأما الذين في قلوبهم مرض النفاق والشك فزادتهم نفاقًا إلى نفاقهم وكفرًا إلى كفرهم، وماتوا على ذلك.

والقذر هنا في الاعتقاد الفاسد؛ لذا فسر الرجس في الآية بالعقائد الفاسدة الباطلة، أو الأخلاق المذمومة.

فإذا كان الأول كان المعنى: أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة، فقد انضم مرض عقدي إلى مرض عقدي.

وإن كان الثاني كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستبطان وجوه المكر والكيد، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة 115.

وكفى بالقذر نهاية للقلوب المريضة والعياذ بالله.

الصرف مرض يصيب القلب ليزداد ضلالًا.

وقد اقترن الصرف بالقلوب في قوله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى? بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا ? صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) [التوبة:127] .

والآية تخبر أن المنافقين كانوا إذا أنزلت سورة تفضح النفاق والمنافقين، وهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينظر بعضهم إلى بعض مستقرئين حال الجالسين، متحينين الفرصة للهرب والانصراف، فهم لا يطيقون سماع مذمتهم وفضيحتهم، فإذا وجدوا الأمر على ما يريدون انصرفوا وقاموا (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم) وهذه جملة دعائية، أي: صرفها عن الهدى والإيمان (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ الحق ولا يتدبرون.

فالصرف هنا: دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح بسبب أنهم قوم لا يفقهون 116.

وهو خذلان وإضلال للمنافقين ومن على شاكلتهم من أصحاب القلوب المريضة.

ثالثًا: سنة الله في أصحاب القلوب الميتة:

سنة الله في أصحاب القلوب الميتة أنه سبحانه وتعالى يذيقها من صفات العذاب ما يزيدها عزلة واحتجابًا، حتى أصحابها فمن الإرعاب إلى الطبع إلى الختم إلى القفل و الكنان.

الرعب: أصله التقطيع، من قولهم: رعبت السنام ترعيبًا إذا قطعته مستطيلًا، كأن الخوف يقطع الفؤاد، أو يقطع السرور بضده، ورعب السيل الوادي إذا ملأه، كأن السيل قطع السلوك فيه، أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات 117.

وقد ورد الإرعاب مقترنا بالقلب كعقوبة لأصحاب القلوب الميتة في قوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ? سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ?12?ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?13?) [الأنفال:12 - 13] .

والمعنى: اذكر يا محمد وقت إيحاء الله للملائكة بقوله: (أَنِّي مَعَكُمْ) بالعون والنصر (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ثبتوا المؤمنين وقووهم، سأقذف في قلوب الكافرين الخوف والفزع حتى ينهزموا، فاضربوهم على الأعناق واضربوا منهم كل بنان، وهذا في غزوة بدر الكبرى.

والمعنى عليه: سنملأ قلوب المشركين خوفًا ورعبًا، هذا الخوف والرعب يكاد يقطعهم عن الحياة لقسوته.

يقول الفخر الرازي مبينًا وجه الربط بين سابق هذه الآية واللاحق: «وهذا من النعم الجليلة؛ وذلك لأن أمير النفس هو القلب، فلما بين الله سبحانه وتعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها، ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين، فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين 118.

ومن فضل الله سبحانه وتعالى علينا جعله سبحانه الرعب في قلب كل من لا يسلم وجهه لله.

يقول الفخر: «وظاهر قوله: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) [آل عمران:151] .

يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار، فذهب العلماء إلى إجراء هذا العموم على ظاهره؛ لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين، إما في الحرب وإما عند المحاجة» 119.

ومن الملاحظ أن الإلقاء في آية آل عمران: سَنُلْقِي) وآية الأنفال (:سَألْقِي) مفسر بالقذف في سورة الأحزاب، قال تعالى في معرض حديثه سبحانه عن غزوة الأحزاب: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ? وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ? وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ?25?وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ?26?) [الأحزاب:25 - 26] .

وأصل القذف: الرمي بقوة، أو من بعد، وعليه يكون المعنى: وأنزل الله الرعب في قلوب بني قريظة إنزالًا شديدًا كأنه قد قذف الحجارة فيها، وهذا ما حدث فعلًا عندما قذف الله الرعب في قلوب اليهود حتى أسلموا أنفسهم للقتل، وأهليهم وأولادهم للأسر حسبما نطق القرآن العزيز: (فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) [الأحزاب:26] .

وما في سورة الأحزاب هو ما ازداد وضوحًا وبيانًا في سورة الحشر: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ? مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ? وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ? وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ? يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ?2?) [الحشر:2] .

وقد كان هذا الإرعاب لليهود بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان مقتله في ربيع الأول من السنة الثالثة، وكانت غزوة بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة، وسبب قتله أنه لما رأى ما وقع في غزوة بدر من عز الإسلام والمسلمين ازداد اللعين غيظًا وحسدًا، وكان شاعرًا فصار يهجو الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين بشعره، وذهب إلى مكة محرضًا قريشًا على حرب المسلمين وحزبهم، فجاؤوا في وقعة أحد، فلما ظهر أمره للنبي صلى الله عليه وسلم أرسل له محمد بن مسلمة ومعه أربعة، وكلهم من الأوس، فقتلوه في حصنه غيلة وخديعة، فألقى الله الرعب في قلوب بني النضير، وخافوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفًا شديدًا، فغزاهم صلى الله عليه وسلم وأمكنه الله منهم.

وكان الإشراك سببًا لإلقاء الرعب وقذفه في قلوبهم، أليس الشرك من موجبات الخذلان، كما أن الإيمان من موجبات التوفيق والنصر؟! 120.

والخلاصة أن الرعب يقذفه الله تعالى غالبا في قلوب أصحاب القلوب الميتة جزاءًا وفاقًا.

من سنن الله في أصحاب القلوب الميتة أن يجعل الحسرة والندامة صفة لهم تلازمهم، وذلك حين لا ينفع التحسر أو الندم، والحسرة: الغم على ما فاته، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسر قواه من فرط غم، أو أدركه إعياء من تدارك ما فرط منه 121.

وقد وردت الحسرة مقترنة بالقلب في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَ?لِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ? وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?156?) [آل عمران:156] .

معنى الآية: لما كان من طبيعة المنافقين تعيير المؤمنين على جهادهم مع الكفار بقولهم: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) ثم إنه لما ظهر عند بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع، وعفا الله ـ بفضله ـ عنهم، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم، فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد: لو لم تخرجوا لما متم، وما قتلتم، فإن الله هو المحي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، ومن قدر له الموت لم يبق، وإن لم يجاهد، وهو المراد من قوله: (وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ) وأيضًا الذي قتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم كان ذلك خيرًا له من أن يموت من غير فائدة.

وهو المراد من قوله: (وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [آل عمران:157] 122.

وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها لإرادة التمكن والإيذان بعدم الزوال 123.

أو الاهتمام على فائت لم يقدر بلوغه قال الله سبحانه وتعالى: (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى? مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ(56 ) ) [الزمر: 56] .

وإسناد الفعل إلى الله تعالى (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَ?لِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ) له نكتة، وهي كما يقول جار الله الزمخشري رحمه الله: «فإن قلتَ: ما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى؟

قلتُ: معناه: أن الله عز وجل عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة، فاعتقادهم فعلتهم وما يكون عنده من الغم والحسرة وضيق الصدور فعل الله عز وجل كقوله: (يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام:125] .

ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي، أي: «لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم» 124.

فالحسرة والندامة عقوبة لازمة لمن مات قلبه.

الشد على القلب عقاب لمن مرض قلبه حتى أجهز عليه فمات.

ومعنى الشد على القلوب: الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان 125.

وقد جاء الشد مقرونًا بالقلب في الاستعمال القرآن في قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى? رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ? رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى? أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى? يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ?88?قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ?89?) [يونس:88 - 89] .

والمعنى: قال موسى يا ربنا إنك أعطيت فرعون وكبراء قومه زينة من متاع الدنيا وأنواعًا كثيرة من المال.

(رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) : اللام: للعاقبة، أي: آتيتهم تلك الأموال الكثيرة لتكون عاقبة أمرهم إضلال الناس عن دينك، ومنعهم عن طاعتك وتوحيدك، ربنا أهلك أموالهم وأزلها وبددها.

والطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو.

(وَاشْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ) أي: اطبع عليها وقسها حتى لا تنشرح للإيمان فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وهذا دعاء عليهم بلفظ النفي، أي: اللهم فلا يؤمنوا حتى يذوقوا العذاب المؤلم، ويوقنوا به حيث لا ينفعهم ذلك، وإنما دعا عليهم موسى لطغيانهم ولعلمه بالوحي أنهم لن يؤمنوا.

قال الله سبحانه وتعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) على فرعون وأشراف قومه فكان الغرق لفرعون وقومه، وثبت الله موسى وأخاه هارون 126.

قال الجمل: (وَاشْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ) : أي: اربط على قلوبهم واطبع عليها وقسها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان 127.

وقال ابن عباس: (وَاشْدُدْ عَلَى? قُلُوبِهِمْ) امنعهم الإيمان.

وقيل: اطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان 128.

وكل هذه المعاني مختلفة اختلاف تنوع لا اختلاف تعارض بينها.

من سنة الله في أصحاب القلوب الميتة أنه سبحانه يطبع عليها.

والطبع: يطلق على تأثير الشيء بنقش الطابع، وعلى الأثر الحاصل عن النقش، يقول الراغب: الطبع: أن تصور الشيء بصورة ما، كطبع السكة وطبع الدراهم، وهو أعم من الختم وأخص من النقش، والأكثرون على تفسيره بالختم مرادًا به المنع.

وجاء الطبع بمعنى: الدنس، ومنه طبع السيف لصدئه ودنسه 129.

وقد سوى بعض العلماء بين الطبع والختم والرين كما يقول الفخر: «الطبع، والختم، والرين، والكنان، والغشاوة، والصد، والمنع، واحد» 130.

قلت: لعله أراد التوحد من حيث انتظام هذه الأوصاف تحت شيء واحد، ألا وهو العقاب لأصحاب القلوب الميتة، أما من حيث دلالات الألفاظ وما تحمله، فمن المقطوع به أن كل لفظ له دلالته وظلاله التي اختص بها.

وقد ترتب على الطبع عدة آفات، منها:

••عدم السمع: قال سبحانه وتعالى: (وَنَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) [الأعراف:100] .

••عدم الفقه: قال سبحانه وتعالى: (وَطُبِعَ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) [التوبة:87] .

••عدم العلم: قال سبحانه وتعالى: (وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [التوبة:93] .

وبالتأمل وجدنا أن عدم السمع وعدم الفقه، وعدم العلم يعني: اتباع الهوى والغفلة التامة، والاعتداء على حدود الله، وذلك كله مردود إلى الطبع.

قال الله سبحانه وتعالى: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد:16] .

وقال سبحانه وتعالى في الغافلين: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [النحل: 108] .

وقال سبحانه وتعالى في المعتدين: كَذَ?لِكَ نَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) [يونس:74] .

وكل ذلك كائن عند الكافرين الذين استجمعوا كل صفات المهانة والقبح، فقال عز من قائل: كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) [الأعراف:101] .

وقد ورد الطبع في الاستعمال القرآني في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ? وَنَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ?100?تِلْكَ الْقُرَى? نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ? كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ?101?) [الأعراف:100 - 101] .

يخاطب الله سبحانه وتعالى كفار مكة وكل من يصلح له هذا الخطاب محذرًا بقوله: (أَوَلَمْ يَهْدِ) أي: أولم يتضح ويتبين للذين يخلفون الأرض من بعد هلاك أهلها الذين عمروها قبلهم أن لو أردنا إهلاكهم لأهلكناهم بسبب ذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم، ونطبع: أي نختم (عَلَى? قُلُوبِهِمْ) فلا يقبلون موعظة ولا تذكيرًا لتعطلها.

تلك القرى نقص عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم من أخبارها وما حصل لأهلها من صنوف النكال والعذاب ليعتبر بذلك من يسمع، ولقد جاءتهم رسلهم بالحجج البينات (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) أي: ما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل؛ لتكذيبهم إياهم قبل مجيئهم بالمعجزات، وبعد مجيئهم بها، فحالهم واحد في العتو والضلال.

كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) أي: مثل ذلك الطبع الشديد المحكم نطبع على قلوب الكافرين، فلا تكاد تؤثر فيهم النذر والآيات.

أعاذنا الله بفضله وكرمه من الطبع ومن كل ما يقرب إليه من قول أو عمل.

[انظر: الطبع على القلوب: أسباب الطبع - نتائج الطبع على القلوب]

من سنة الله تعالى في أصحاب القلوب الميتة «الختم عليها» .

تناول المفسر القرطبي الختم تناولا لغويا فقال: «مصدر ختمت الشيء ختمًا فهو مختوم، ومختم» شدد للمبالغة «ومعناه: التغطية على الشيء بطابع ونحوه للاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه: ختم الكتاب والباب، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه، والختم يكون محسوسًا، ويكون معنويًا.

وكما يكون الختم على القلوب الذي يعني: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته، يكون على السمع: فيفسر بعدم السماع للحق، ويكون على الأبصار: ويفسر بعدم هدايتها للنظر في مخلوقات الله وعجائب مصنوعاته 131.

وسبب الختم استمراء المعاصي والولوغ فيها واستحسانها.

يقول الراغب: أجرى الله العادة أن الإنسان إذا تناهى في اعتقاد باطل وارتكاب محظور فلا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصي، وكأنما يختم بذلك على قلبه، وعلى ذلك قوله سبحانه وتعالى: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [النحل:108] .

إطلاقات الختم:

يطلق الختم على: المنع، والطبع، والحفظ، وبلوغ الآخر.

وقد فسر الختم في آية الأنعام، في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} [الأنعام:46] .

بالطبع، فقال: طبع على قلوبهم فلم يعقلوا الهدى، أو أزال عقولكم حتى تصيروا كالمجانين، أو المراد بالختم الإماتة، أي: يميت قلوبكم، وكله في معنى الطبع 133.

وقد وردت صفة الختم في آيات متعددة من القرآن الكريم مقترنة بالقلب، من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) } [البقرة:6 - 7] .

والمعنى: إن الذين جحدوا بآيات الله سبحانه وكذبوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم يتساوى عندهم تحذيرك يا محمد إياهم من عذاب الله وتخويفك وعدم تحذيرك، فهم لا يصدقون بما جئتهم به، فلا تطمع في إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وقد جاء هذا على سبيل التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له.

ولما حكم سبحانه وتعالى عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى العلة الموجبة له، فقال سبحانه وتعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} أي: طبع على قلوبهم فلا يدخلها نور {وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} وغطاء فلا يبصرون الهدى ولا يسمعون ولا يفقهون؛ لذلك يرون الحق فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه، ولهم عذاب شديد لا ينقطع في الآخرة.

وقد شنع الإمام القرطبي على الفرق الضالة التي حادت عن الحق منتصرًا لأهل السنة والجماعة فيقول: «في هذه الآية أول دليل على أن الله سبحانه وتعالى خالق الهدى والضلال والكفر والإيمان، فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم، فإن الختم هو الطبع، فمن أين لهم بالإيمان ولو جهدوا؟! وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة. فمتى يهتدون؟! أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم؟! {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33] .

وكان فعل الله ذلك عدلًا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعه حقًا وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم؛ ولأن الأمة مجمعة على أن الله سبحانه وتعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء:155] » 134.

وبناءً على ما تقدم نستطيع الجزم بأن الختم كما هو للحفظ والمنع يكون للطبع؛ عقوبة لصاحبه الذي أهمل قلبه حتى مات ثم استمرأ ذلك.

أعاذنا الله من الختم وما يقرب إليه من قول وعمل. آمين.

من سنن الله سبحانه وتعالى في أصحاب القلوب الميتة أنه يضع الأغطية والأغلفة على هذه القلوب فلا تعي شيئًا من الخير البتة.

و الأكنة: الأغطية، جمع كنان، مثل: الأسنة والسنان، يقال كننت الشيء في كنه إذا صنته فيه، وأكننت الشيء أخفيته، والكنانة: معروفة جعبة السهام، والكنان للقلب كالجنة للنبل 135.

وقد ورد الكنان مقترنا بالقلب في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) } [الإسراء:46] .

المعنى: وجعلنا على قلوب الكافرين أغطية وأغلفة؛ لئلا يفهموا القرآن مجازاة لهم على كفرهم، وجعلنا في آذانهم صمما، وإذا وحدت الله وأنت تتلو القرآن فر المشركون من ذلك هربًا من استماع التوحيد.

فكأن الكنان الذي كان على قلوبهم هو في الحقيقة كنان العناد والمكابرة مع تهيؤ نفوسهم للإسلام، وإلا لو غطى الله عليها بغطاء الطبع أو الختم فقد لا يؤمنون البتة ويموتون على الكفر كما حدث لغير من آمن في الوارد ذكرهم في هذا السبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت