بي الدهر حتى صار إبليس من جندي
فلو مات قبلي كنت أدركت بعده
دقائق كفرٍ ليس يدركها بعدي
ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها في الحصول، فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة شيطانية، مكنت الشيطان من استخدامه وإدامة إضلاله، فالانسلاخ عن الآيات أثر من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده، فسخره وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بـ (أتبعه) فصار بذلك في زمرة الغواة المتمكنين من الغواية 56.
وقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف: 176] .
أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سببًا للهداية والتزكية لو شاء الله له التوفيق، وعصمه من كيد الشيطان وفتنته، فلم ينسلخ عنها، وهذه عبرة للموفقين؛ ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم، فما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى، ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله تعالى؛ إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه.
فالمعنى: ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات، فلرفعه الله بعمله، والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها؛ لأن الصفات الحميدة تخيل صاحبها مرتفعًا على من دونه، أي: ولو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلًا وزكاء وتميزًا بالفضل، فمعنى {لَرَفَعْنَاهُ} ليسرنا له العمل بها الذي يشرف به، وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الأعراف: 176] .
بذكر ما يناقض تلك المشيئة الممتنعة، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله، فأخلد إلى الأرض، أي: ركن ومال إلى الأرض، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى بحال من كان مرتفعًا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض علم أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل، أي: تلبس بالنقائص والمفاسد، واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها 57.
وقوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176] .
فهو دائم اللهث في الحالين؛ لأن اللهث طبيعة فيه، وكذلك حال الحريص على الدنيا المعرض عن الآيات بعد إيتائها إن وعظته فهو لإيثاره الدنيا على الآخرة لا يقبل الوعظ، وإن تركت وعظه فهو حريص أيضًا على الدنيا وشهواتها.
فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح، وصار يطلبه في حين كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة، فلقي من ذلك نصبًا وعناء، فلما حان حين اتباع الحق ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديرًا فيه بأن يستريح من عنائه لحصول طلبته، فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الموصوف باللهث، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب والمشقة، وهي حالة الحمل عليه، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب، وهي حالة تركه في دعة ومسالمة، والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله: {أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} .
ونلحظ أنه ليس لشيء من الحيوان حالة للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب اللاهث؛ لأنه يلهث إذا أتعب وإذا كان في دعة، فاللهث في أصل خلقته، وهذا التمثيل من بلاغة القرآن، فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه، وإن لم يكن لاضطراب باطنه سبب آتٍ من غيره، فمعنى {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ} إن تطارده وتهاجمه.
فهذا تشبيه تمثيل مركب منتزعة فيه الحالة المشبهة والحالة المشبه بها من متعدد، ولما ذكر {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} في شق الحالة المشبه بها تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة، وتتقابل أجزاء هذا التمثيل بأن يشبه الضال بالكلب، ويشبه شقاؤه واضطراب أمره في مدة البحث عن الدين بلهث الكلب في حالة تركه في دعة تشبيه المعقول بالمحسوس، ويشبه شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس 58.
وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعاني، فمنها قوله: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، والله هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها، وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم، ولم يقل: فسلخناه منها؛ لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه، ومنها قوله سبحانه: {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} أي: لحقه وأدركه ... ، وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله، محمي الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غرة وخطفة، فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} العاملين بخلاف علمهم، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه، كعلماء السوء.
ومنها: أنه سبحانه قال: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق، وإيثاره وقصد مرضاة الله، فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه الله بعلمه، ولم ينفعه به، فنعوذ بالله من علم لا ينفع، وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسًا، فإن الخافض الرافع هو سبحانه، والمعنى: لو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه.
وقوله: {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} المخلد من الرجال هو الذي يبطئ مشيته، ومن الدواب التي تبقى ثناياها إلى أن تخرج رباعيتها 59.
1.مقاصد ضرب الأمثال في القرآن لا تنحصر، لكنها ترد في جملتها إلى مقصد واحد، وهو بيان الحق الذي جاءت به الرسل لهداية الخلق، ودعوتهم إلى عبادة الله وحده، والانقياد لطاعته؛ وذلك بوضع منهج متكامل روعيت فيه مصالح العباد في العاجل والآجل 60.
وقد جمع الزركشي عددًا من فوائد ضرب الأمثال في القرآن فذكر: التذكير، والوعظ، والحث والزجر، والاعتبار، وترتيب المراد للعقل، وبيان تفاوت الأجر، والمدح والذم، والثواب والعقاب، وعلى تفخيم أمر أو تحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله، فامتن الله علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد، فقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم: 58] .
«ومن حكمته تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان» 61.
وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر، وعلى المدح والذم، وعلى الثواب والعقاب، وعلى تفخيم الأمر وتحقيره، وعلى تحقيق أمر أو إبطاله.
وإذا كان العلماء قد أظهروا أهمية المثل البيانية والفنية الإبداعية، وأثر ذلك في النفس وفاعليته، فإن هناك أمورًا أخرى شرعية تستفاد من ضرب الأمثال في القرآن، وقد ذكر الإمام الماوردي أن «من أعظم علم القرآن علم أمثاله، والناس في غفلة عنه؛ لاشتغالهم بالأمثال، وإغفالهم الممثلات، والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام، والناقة بلا زمام» 62.
فالأمثال القرآنية جاءت شاملة متضمنة كل ما تقدم، ولها من القدرة ما يمكنها من تحقيق أغراضها وغاياتها عبر صور بيانية، ومشاهد فنية، تلقي بظلالها وآثارها الفاعلة في النفس البشرية، والتي ما سيقت هذه الأمثال إلا لها ومن أجلها؛ بغية خيرها وصلاحها في حالها ومآلها.
وعلى هذا يمكننا القول: إن الأمثال القرآنية تعد مقاييس عقلية، وقواعد عامة، وكليات شاملة، وعلامات هادية شاخصة ومنتصبة، تصلح أن يقاس عليها ما يؤكد علوها على الحصر، مما يمكن أن يكون حسيًا أو عقليًا أو نفسيًا، حقيقة أو مجازًا، وهي تدور حول محور واحد، متمثل في هذا الإنسان بعناصره المختلفة، وأبعاده المتجاورة والمتآلفة: العقل، والروح، والحس، والوجدان، تحقيقًا لتطلعاته إلى سعادته في معاشه ومعاده.
وعلى هدي هذا المفهوم للمثل القرآني نستطيع الوقوف على معنى قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] .
أولًا: التوضيح والتقريب:
التوضيح والتقريب أبرز مقاصد الأمثال.
فيقرب صورة المُمَثَل له إلى ذهن المخاطب؛ وذلك بأن يكون المخاطب جاهلًا بحقيقة الشيء الممثل له فيأتي المثل القرآني لرفع هذه الجهالة، وإزالة هذا الغموض.
قال ابن القيم: «وقد ضرب الله ورسوله الأمثال للناس؛ لتقريب المراد، وتفهيم المعنى، وإيصاله إلى ذهن السامع، وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به، فقد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره، فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس، وسرعة قبولها، وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد، ولا ينكره، وكلما ظهرت الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، وهي خاصية العقل ولبه وثمرته» 63.
ويقول رحمه الله: «إن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، وبالأمثال يزداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته» 64.
وقد أشار الزمخشري أيضًا إلى هذا المقصد من الأمثال، حيث قال: «ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثل والنظائر شأنٌ ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمعٌ لسورة الجامح الأبي، ولأمرٍ ما أكثر الله في كتابه المبين وسائر كتبه أمثاله» 65.
وقال أبو السعود: «إن التمثيل ليس إلا إبراز المعنى المقصود في معرض الأمر المشهور، وتحلية المعقول بحلية المحسوس، وتصوير أوابد المعاني بهيئة المأنوس لاستمالة الوهم واستنزاله عن معارضته للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهم الدقائق الأبية؛ كي يتابعه فيما يقتضيه، ويشايعه إلى ما لا يرتضيه؛ ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، والكلمات النبوية، وذاعت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء ... ، فالتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة الجامح الأبي، كيف لا وهو رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازها لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار للوحشي في هيئة المألوف» 66.
هكذا يأتي المثل لزيادة الإفهام والتوضيح والتذكير؛ ولتصوير المعنوي بالمحسوس والمشهد بالغائب، فيكون وقعه بذلك أمكن في النفوس، وأشد علقة بالقلوب، وهذا من شأنه أن يبعد الحيرة والشكل عن المترددين، وضعاف الإرادة.
ومن الأمثلة القرآنية التي جاءت لهذا الغرض -وهو التوضيح والتقريب-: ما ضربه الله تعالى من مثلٍ لحال الدنيا، وركون الناس إليها، والإعراض عن الآخرة، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .
فالمثل المضروب هنا لتقريب وتوضيح حال الدنيا، وهو مثل قصير موجز، يتناسق مع حال الدنيا في سرعة زوالها، وقد أسهمت البنية الأسلوبية له في إلقاء ظل الفناء في حس الإنسان وذهنه، وهو يتابع الماء النازل بسرعة ممتزجًا بنبات الأرض، ثم يغدو هشيمًا تذروه الرياح من غير تصوير للنبات النامي بثماره وأزهاره، فيبقى الإنسان مشدودًا إلى صورة النهاية للحياة لا إلى بهجتها ولذاتها.
يقول ابن القيم معلقًا على هذا المثل: «شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها، وتعجبه فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتعشب، ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها، مالك لها، فيأتيها أمر الله، فتدرك نباتها الآفة بغتة، فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه، وتصبح يداه صفرًا منها، فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء، وهذا من أبلغ التشبيه والقياس» 67.
وتشبيه الحياة الدنيا بالنبات يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في هذه الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأن المتمسك بالدنيا إذا عظمت رغبته فيها يأتيه الموت، وهو معنى قوله: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} [الأنعام: 44] .
وثانيها: أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبةٌ تحمد، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.
وثالثها: أن هذا التشبيه كقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] .
أي: لما صار سعي هذا الزرع باطلًا بسبب حدوث المهلك فكذلك سعي المغتر بالدنيا.
ورابعها: أن مالك هذا البستان لما أتعب نفسه في عمارته، وكذلك الروح، وعلق قلبه بالانتفاع به، فإذا حدث السبب المهلك صار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سببًا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل في قلبه من الحسرات.
فكذلك حال من أحب الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات وفاته كل ما نال صار العناء الذي تحمله في تحصيل الدنيا سببًا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة.
وخامسها: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد؛ لأنا نرى الزرع الذي انتهى إلى الغاية في الحسن، ثم إن ذلك الحسن يزول بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى، فذكر تعالى هذا المثال؛ ليدل على أن من قدر على ذلك كان قادرًا على إعادة الأحياء في الآخرة؛ ليجازيهم على أعمالهم 68.
وقد قامت (الفاء العاطفة) في قوله: {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} [يونس: 24] .
في تسريع حركة التصوير لأطوار النبات التي هي في حقيقتها أطوار الحياة، وجاء التعقيب على المثل في الآية الأخرى بقوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45] ؛ لترسيخ معنى القدرة الإلهية على الإحياء بعد الإماتة، كي لا تكون صورة الفناء هي الصورة النهائية للإنسان بعد المثل المضروب.
وقوله: {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} [يونس: 24] .
فلو قلنا: بأن الباء للمصاحبة يكون معناه أي: اختلط مع ذلك الماء نبات الأرض؛ لأن المطر ينفد في خلل النبات، وإن كانت الباء للسببية يكون المراد أنه اختلط بسبب الماء بعض النبات ببعض، حيث إن الماء صار سببًا لرشده، والتفاف بعضه ببعض.
وقوله: {إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} [يونس: 24] .
تعبير رائع حيث جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس؛ إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزينة، وقوله: {قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس: 24] .
أي: متمكنون من استثمارها والانتفاع بثبوتها، وقوله: {أَتَاهَا أَمْرُنَا} [يونس: 24] .
كناية عن نزول بعض الآفات على الجنات والمزارع حيث يجعلها {حَصِيدًا} شبيهًا بما يحصد من الزرع في استئصاله.
وقوله: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ} [يونس: 24] بمنزلة قوله: كأن لم ينبت زرعها، على وجه يلتف بعضه ببعض، يروق الإنسان منظره، فلم يزل على تلك الحال إلى أن ينتقل إلى حالة لا نجد فيها غضاضة، وهذا ما يعبر عنه القرآن بقوله: {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا} [الكهف: 45] .
أي: كثيرًا مفتتًا، تذروه الرياح، فتنقله من موضعه إلى موضع، فانقلاب الدنيا كانقلاب هذا النبات.
ثانيًا: الترغيب:
ومن مقاصد ضرب المثل في القرآن الترغيب بالأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة التي تهذب النفوس وترقق الطباع.
فنجد المثل القرآني يحث النفس الجموح على إنفاق المال في سبيل الله، ويعد المتقين وعدًا حسنًا على ذلك، ويضاعف لهم الأجر في صورة اعتمد فيها التشبيه صيغة تهيئ المناخ النفسي للبر بتفاعلها مع الجو الداخلي عند الإنسان، حيث يجد إنفاقه مضاعفًا بإمدادٍ غير مترقب مما يدفعه عن طيب خاطر، وتسليم لأمر الله إلى الإنفاق بيد مبسوطة، يقول تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] .
وقد يطنب المثل القرآني في الأمور الترغيبية، ويوالي ضرب الأمثال لها، ويحذر من مخالفتها، ويريدها خالصة لله وحده، ويستقصي المعاني على أكمل وجه، ويأتي بجميع لوازمها ومتعلقاتها، وهو ما يسمى عند البلاغيين (الاستقصاء) ، وهو نوع من أنواع الإطناب بذكر محاسن ما يرغب فيه، كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 24 - 26] .
يقول الرازي: «إن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه؛ وذلك لأن الغرض في المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقًا للعقل، وذلك في نهاية الإيضاح، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجردًا عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل ب، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول، كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الإخبار بضعفه مجردًا؛ ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين، وفي سائر كتبه أمثاله، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} [العنكبوت: 43] » 69.
واتخذها المربون وسيلة للترغيب، ويستطيع معلم التربية الإسلامية أن يستخدم ضرب الأمثال للترغيب ولتقريب المعاني المجردة التي ترد في القرآن والسنة إلى أذهان التلاميذ؛ ويمكنه أن يستخدم هذا الأسلوب كوسيلة للتهذيب الخلقي من حثه على الخير أو دفع للشر، فالأمثال بما فيها من تجسيد للمعاني المجردة أقرب إلى النفوس في إحداث الترغيب والترهيب من الوعظ المباشر.
ومن الأمور التي رغب فيها المثل القرآني: الجنة.
قال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} [الرعد: 35]