فهرس الكتاب

الصفحة 2359 من 2431

أخرج البخاري بسنده عن ابن عباسٍ رضى الله عنهما قال: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ?214?) صعد النبى صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: (يا بنى فهرٍ، يا بنى عدىٍ) لبطون قريشٍ حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ فقال: (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقى) . قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال (فإنى نذيرٌ لكم بين يدى عذابٍ شديدٍ) . فقال أبو لهبٍ تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا فنزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ?1?مَا أَغْنَى? عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ?2?) [المسد: 1 - 2] .68.

وأخرج مسلم بسنده عن قبيصة بن المخارق وزهير بن عمرٍو قالا: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ?214?) قال: انطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى رضمةٍ من جبلٍ فعلا أعلاها حجرًا ثم نادى: (يا بنى عبد منافاه إنى نذيرٌ إنما مثلى ومثلكم كمثل رجلٍ رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشى أن يسبقوه فجعل يهتف يا صباحاه) 69.

والحديث صريح الدلالة في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرخ جهارًا داعيًا قومه ومحذرًا لهم.

ثانيًا: الإنفاق في سبيل الله تعالى:

الإنفاق في سبيل الله تعالى، ينقسم إلى قسمين: الإنفاق الواجب، وهو الزكاة، والإنفاق التطوع وهو الصدقة، وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير صراحة إلى موضوع الجهر بالنفقة أو السر بها، وذلك في قول الله تعالى: (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ? وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ? وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(271 ) ) [البقرة: 271] . 70.

وللمفسرين كلام طيب ولطائف تفسيرية بليغة في هذه الآية الكريمة:

ومن تلك اللطائف: الموازنة بين الإخفاء والإظهار في الصدقات:

من جوانب أفضلية إخفاء الصدقة ما يلي:

الأول: أن الإخفاء يجعل الصدقة أبعد عن الرياء والسمعة، والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما، وقد بالغ قوم في قصد الإخفاء، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي، وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة، لأن الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معًا وليس في معرفة المتوسط الرياء.

الثاني: أن المتصدق إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم، فكان ذلك يشق على النفس، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثوابًا.

الثالث: ورود العديد من الأحاديث الدالة على فضل إخفاء الصدقة، منها حديث: (سبعةٌ يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشابٌ نشأ في عبادة ربه، ورجلٌ قلبه معلقٌ في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ طلبته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدق، أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) 71.

الرابع: أن إظهار الصدقة يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه، والإخفاء لا يتضمن ذلك، فوجب أن يكون الإخفاء أولى، ومن وجوه الضرر المترتبة على الإظهار:

ولهذا تجد حكمة في قول الله تعالى: (والله بما تعملون خبير) وهي: الإشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية، والمعنى: أن الله عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته، فقد حصل مقصودكم في السر، فما معنى الإبداء، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء 73.

ومن جوانب أفضلية الإظهار ما يلي:

الأول: أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها، صار ذلك سببًا لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل.

هذا وقد حكى بعض المفسرين اتفاق العلماء على أن: إخفاء صدقة التطوع أفضل من إظهارها، وأن الخلاف جارٍ في الزكاة المفروضة 74 على نحو ما سيأتي ذكره في موضعه.

وما أجمل ما ذكره ابن العربي: أنه ليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الاجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحًا، أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها، والمعطى إياها والناس الشاهدين لها.

أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة؛ وهذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل، وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل 75.

ثالثًا: إقامة الحدود:

شرع الله تعالى الحدود جزاء للجرائم التي يرتكبها البعض في حق الله تعالى، وفي حق المجتمع، كجرائم الردة والسرقة، والحرابة، والزنا، والقذف، وشرب الخمر، ونبه سبحانه وتعالى على أن يكون تنفيذ هذه العقوبات علنًا حتى تكون رادعًا لمن تسول له نفسه أن يقدم على جريمة في حق غيره.

قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ? وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النور: 2] .

وقد اتفق الفقهاء على ضرورة الجهر بإقامة الحدود، كما هو مبسوط في مواضعه من كتب الفقه، وإن كان الحكم يختلف عند بعضهم من الوجوب إلى السنية إلى الاستحباب 76.

قال الكاساني: «ينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس لقوله تبارك وتعالى -عز اسمه-: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) والنص وإن ورد في حد الزنا لكن النص الوارد فيه يكون واردا في سائر الحدود دلالة» 77.

الحكمة من حضور طائفة من المؤمنين إقامة الحد:

ذكر الكاساني حكمًا تشريعية مختلفة من إقامة الحدود علنا هي:

وذكر السمرقندي أن في حضور الطائفة ثلاث فوائد:

الأولى: أنهم يعتبرون بذلك ويبلغ الشاهد الغائب.

والثانية: أن الإمام إذا إحتاج إلى الإعانة أعانوه.

والثالثة: لكي يستحي المضروب فيكون زجرا له من العود إلى مثل ذلك الفعل 79.

ومن حكمة حضور الطائفة: أن حضور الطائفة ليس بقصد الفضيحة، إنما ذلك لِيُدْعَى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة، وهو مروي عن نصر بن علقمة 80.

وقد جرى خلاف في الطائفة المرادة في الآية من حيث العدد، وحاصل ما في المسألة الأقوال التالية:

القول الأول: أن الطائفة معناها رجل واحد فما فوق، حيث إن العرب تسمي الواحد طائفة، وعليه فيكفي في شهود الحد رجل واحد وهو أقل ما يطلق عليه طائفة، وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وعامر الشعبي 81.

القول الثاني: أن الطائفة المراد بها رجل واحد، وهو مروي عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمة 82.

القول الثالث: أن أقل الطائفة اثنان، وهو مروي عن عكرمة وعطاء 83، ومشهور مذهب مالك 84.

القول الرابع: أن أقل الطائفة ثلاثة، وهو مروي عن قتادة وابن شهاب الزهري 85.

القول الخامس: أن أقل الطائفة أربعة رجال، وهو مروي عن أنس بن مالك، وابن أبي زيد 86، وهو الأظهر من مذهب مالك 87 والشافعي 88. وحجتهم أنه لا يكون شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعدًا 89.

القول السادس: أن الطائفة عشرة رجال، وهو مروي عن الحسن 90.

وما أجمل ما قاله الماوردي في تفسير الطائفة: «أما الطائفة فقد ورد القرآن بها في مواضع يختلف المراد بها من الأعداد لاختلاف ما اقترن بها من الأحكام، والمراد بقوله تعالى: (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) وقوله تعالى: (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى? لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَٹ) [النساء: 102] .

أقلها ثلاثة: لأن المأمور فيها أن يصلي بجماعة وأن تحرسه جماعة فكانت الطائفة عبارة عن الجماعة، وأقل الجمع في الإطلاق ثلاث وإنما يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع بدليل لا بمطلق العبارة وظاهرها.

وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) [الحجرات: 9] .

فحمل على الفريقين والقبيلتين من الناس، وقال تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النور: 2] .

فحمل على الأربعة في الآيات لتعلقه بالزنا ولا يثبت بأقل من أربعة، وقال تعالى: (? فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة: 122] .

فحمل على الواحد لأن الإنذار يقع به فكان ذكر الطائفة في هذا الموضع يختلف حملا على ما يليق بها» 91.

قلت: المقصود من العلنية تحقيق مصالح شرعية من الزجر والردع، والاشتهار -أي: التشهير- والدعاء للمحدود، ونحو ذلك مما سبق ذكره، ولهذا يذكر بعض فقهاء القانون المعاصرين: أن علانية تنفيذ الحد ضرورية عملا بالآية الكريمة، وأن كثيرا من القوانين الوضعية الأوربية والعربية تتفق مع ما قرره القرآن من اشتراط العلانية في تنفيذ عقوبة الإعدام خاصة، وأما في حد الزنا فإنه كلما كان الحد رجمًا فالمفروض أن عدد الرماة غير محدود وأنه يجب أن يكون من الكثرة بحيث يقضى على المرجوم بسرعة، أما في الجلد فيكفى في إقامة الحد شخص واحد 92.

رابعًا: العبادات:

العبادات كما هو معروف تشمل صنوفا مختلفة، فمنها البدنية فقط كالصلاة والصيام، ومنها المالية فقط كالزكاة، ومنها ما يجمع بين البدنية والمالية كالحج، ويدخل في العبادات الذكر من تسبيح وتكبير وتحميد وتهليل ودعاء واستغفار وقراءة القرآن، وكل هذه العبادات يؤديها الإنسان سرًا وجهرًا.

قال الغزالي رحمه الله: «كل عمل لا يمكن إسراره كالحج والجهاد والجمعة فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب الرياء، وأما ما يمكن إسراره كالصدقة والصلاة فإن كان إظهار الصدقة يؤذي المتصدق عليه ويرغب الناس في الصدقة فالسر أفضل؛ لأن الإيذاء حرام، فإن لم يكن فيه إيذاء فقد اختلف الناس في الأفضل» 93.

وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى ذلك، ونصت السنة النبوية على الجهر بعبادات بعينها نظرًا لما للجهر من أثر في العبادة وتعظيم لها، وأورد هنا طرفا من جوانب العلن المحمود في العبادات على النحو التالي:

1.العلن في الصلاة.

الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة 94.

وتنقسم الصلاة من حيث السرية والجهرية إلى قسمين: صلوات سرية وهي الظهر والعصر، والركعة الأخيرة من المغرب، والركعتين الأخيرتين من العشاء، وصلوات جهرية: وهي الفجر والركعتين الأوليين من المغرب ومثلهما من العشاء، وصلاة الجمعة، وما عدا الصلوات الخمس فيه صلوات سرية وجهرية كما هو معروف في مواضعه من كتب الفقه.

ولما كانت الصلاة مشتملة على أقوال كالقراءة والتسبيح والتكبير والتشهد، فإن من هذه الأقوال ما يجهر فيه ومنها ما يسر به، فقراءة الفاتحة والسورة والتكبيرات مما يجهر به الإمام في الجهرية، ويجهر به المنفرد في الجهرية كذلك، وما عدا ذلك يسر به.

ويقسم بعض الفقهاء الجهر والسر إلى درجات أربعة: أدنى الجهر وأعلى الجهر، وأدنى السر وأعلى السر.

فأدنى الجهر: هو أن يسمع نفسه ومن يليه، وأعلى الجهر لا حد له، أو هو أقواه أو المبالغة فيه جدًا.

وأدنى السر أن يحرك لسانه بالقراءة، وأعلاه أن يسمع نفسه فقط 95.

والآية الوحيدة في القرآن التي ورد فيها ذكر الجهر في الصلاة والمخافتة بها هي قول الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَ?نَ ? أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? ? وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَ?لِكَ سَبِيلًا ?110?) [الإسراء: 110] .

ومن لطيف ما يتعلق بها عن الصاحبين رضي الله عنهما ما رواه محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي، عز وجل، وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان 96 قيل أحسنت. فلما نزلت: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَ?لِكَ سَبِيلًا) قيل لأبي بكر: ارفع شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا 97.

وقد اختلف المفسرون والفقهاء في المقصود بالصلاة في الآية هل القراءة أم الدعاء على رأيين:

الرأي الأول: أن المقصود بالصلاة فيها الدعاء، وهو رأي كثير من السلف، فأكثرهم يحملون الآية على الدعاء وليس على قراءة القرآن، حيث روي ذلك عن ابن عباس، وعائشة، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعطاء رضوان الله عليهم 98.

والآثار المروية عن هؤلاء الصحابة والتابعين كثيرة في كتب السنة والتفسير، لا يتسع المقام لسردها.

الرأي الثاني: أن المقصود بها القراءة في الصلاة.

وبناء عليه جرى الخلاف في بعض مسائل القراءة في الصلاة كجهر الإمام بالبسملة في القراءة، حيث وصل الخلاف فيها إلى سبعة أقوال، ولكن أشهرها ثلاثة أوردها ببعض أدلتها على هذا النحو:

القول الأول: أن الإمام يجهر بالبسملة في الصلاة استحبابًا.

وهو للشافعية وبعض المالكية وبعض الحنابلة، وروي عن جمع من الصحابة والتابعين وتابعيهم 99.

واستدلوا بما يلي:

••قول الله تعالى (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَ?لِكَ سَبِيلًا) [طه: 110] .ووجه الدلالة منها أنها تدل على مشروعية الجهر بالبسملة إذا المراد بخفض قراءته دون الجهر الشديد الذي يبلغ أسماع المشركين 100.

••ما روي عن ابن عمر، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكرٍ، وعمر رضي الله عنهما فكانوا يجهرون بـ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) 101.

••ما روي عن نعيمٍ المجمر، أنه قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) ، قال: آمين وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر وإذا قام من الجلوس من اثنتين قال: الله أكبر، ثم يقول إذا سلم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم 102.

••من المعقول أن البسملة آية من الفاتحة فلها حكم باقي آياتها في الجهر والإسرار، حيث دل الاستقراء على أن السورة الواحدة بتمامها إما أن تكون سرية أو جهرية، فأما أن يكون بعضها جهر فهذا مفقود 103.

القول الثاني: أنه يسن للإمام الإسرار بالبسملة أي: إخفائها في الصلاة.

وهو مذهب الحنفية والمالكية في الفرض، وجمهور الحنابلة، ورأي للإباضية، وروي عن بعض الصحابة والتابعين 104.

واستدلوا بما يلي:

••قول الله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَ?لِكَ سَبِيلًا) [طه: 110] . ووجه الدلالة منها كما روي عن سعيد بن جبيرٍ قال: كان المشركون يحضرون بالمسجد، فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بسم الله الرحمن الرحيم» قالوا: هذا محمدٌ يذكر رحمان اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزل: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) ، قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة 105.

••حديث أنسٍ: كان النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ، وعمر يفتتحون (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال: قلت: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال: خلفها يقول: خلفها يقول: أسررها 106.

••القياس على الاستعاذة بجامع أن كلاهما افتتاح للصلاة فيأخذ حكما واحدًا.

••بالمعقول أنه لو كان الجهر بالبسملة ثابتًا لنقل متواترا أو مستفيضا كوروده في سائر القراءة 107.

القول الثالث: أن الإسرار بها والجهر سواء.

وهو قول عند الحنابلة، وروي عن ابن أبي ليلى والحكم 108.

وهؤلاء نظروا إلى أدلة المثبتين للجهر والمثبتين للسر، فأزالوا ما بينهما من التعارض وجعلوا الأمر بالخيار.

أما بقية الأقوال الأخرى فهي:

القول الرابع: أن الإمام يجهر بها مطلقا في الصلوات الجهرية والسرية. وهو مروي عن بعض أهل البيت 109.

القول الخامس: أن الجهر بالبسملة واجب في الجهرية «الصبح وأوائل المغرب والعشاء» ، وهو مذهب الإمامية 110.

القول السادس: أن البسملة لا يسر بها ولا يجهر في الصلاة مطلقا، فلا تقرأ.

وقد حكاه الشوكاني عن بعض العلماء وهم النافين لكونها من القرآن مطلقا 111.

القول السابع: أنه يجهر بها في حالات معينة على تفصيل في تلك الحالات:

••أنه يجهر بها في النوافل فقط.

••أنه يجهر بها في صلاة الجنازة ونحوها لأجل التعليم.

••أنه يجهر بها في المدينة المنورة. وهذه الحالات كلها مروية عن بعض الحنابلة 112.

وسبب الخلاف في المسألة كما ذكره بعض العلماء أمران:

الأمر الأول: تعارض الآثار الواردة في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.

الأمر الثاني: الخلاف الواقع في البسملة هل هي آية من الفاتحة أم لا 113.

الرأي المختار: بعدما تقدم ذكره من الأقوال في الجهر بالبسملة أو الإسرار بها يمكن اختيار القول الثالث وهو: أن الجهر بها والإسرار سواء، وذلك جمعا بين الأدلة وإعمالا لأدلة المثبتين للجهر والنافين له، حيث إن أدلة الفريقين كثيرة من الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين 114.

أما بقية مسائل الجهر الأخرى في الصلاة فهي على النحو التالي إجمالا:

••الحنفية: يجب الجهر على الإمام في كل ركعات الوتر في رمضان وصلاة العيدين والتراويح ويجب الإسرار على الإمام والمنفرد في صلاة الكسوف والاستسقاء والنوافل النهارية أما النوافل الليلية فهو مخير فيها 120.

••المالكية: يندب الجهر في جميع النوافل الليلية ويندب السر في جميع النوافل النهارية إلا النافلة التي لها خطبة كالعيد والاستسقاء فيندب الجهر فيها 121.

••الشافعية: يسن الجهر في العيدين وكسوف القمر والاستسقاء والتراويح ووتر رمضان وركعتي الطواف ليلا أو صبحًا، والإسرار في غير ذلك إلا نوافل الليل المطلقة فيتوسط فيها بين الجهر مرة والإسرار أخرى 122.

••الحنابلة: يسن الجهر في العيد والاستسقاء والكسوف والتراويح والوتر إذا وقع بعد التراويح ويسر فيما يسر.

2.العلن في الصيام.

يشير الإمام الغزالي إلى أن الإسرار للأعمال فيه فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء، وفي الإظهار فائدة الإقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء، وروى عن الحسن قوله: «قد علم المسلمون أن السر أحرز العملين» .

ولكن في الإظهار أيضا فائدة، والإظهار قسمان:

أحدهما: في نفس العمل.

والآخر: التحدث بما عمل.

القسم الأول إظهار نفس العمل؛ كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها، وقال- أي الغزالي- إن سائر الأعمال تجري هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيرها 123.

والصيام عبادة بدنية تشتمل على فرض ونفل كما هو معروف، غير أنه يعد من العبادات التي فيها سر بين العبد وربه جل وعلا، وقد افترضه الله تعالى على الأمة بهذه الآيات البينات من سورة البقرة. (?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ? فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ? وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ? إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى? وَالْفُرْقَانِ ? فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ? وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى? سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى? مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَہھ) [البقرة: 183 - 185] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت