فهرس الكتاب

الصفحة 1747 من 2431

أولًا: اسمه:

اختلف فيه على أقوال كثيرة، فقيل: هو الإسكندر المقدوني.

وهناك من زعم أنه قورش الفارسي، أو دارا الفارسي، أو ملك من ملوك اليمن، أو ابن فرعون مصر.

ويرى أبو الكلام أزاد في كتابه: ويسألونك عن ذي القرنين، أنه قورش امبراطور فارس الذي غزا بلاد اليونان، وأنه كان عادلًا.

بينما يرى البعض أنه الإسكندر المقدوني الذي غزا بلاد فارس، وكان عادلًا.

قال المسعودي: «الإسكندر وذوالقرنين: وقد تنازع الناس فيه: فمنهم من رأى أنه ذو القرنين، ومنهم من رأى أنه غيره، وتنازعوا أيضًا في ذي القرنين: فمنهم من رأى أنه سمي بذي القرنين لبلوغه أطراف الأرض، وأن الملك الموكل بجبل قاف سماه بهذا الاسم، ومنهم من رأى أنه من الملائكة» 1.

قلت: جبل قاف هذا من أخبار الإسرائيليات التي لا دليل عليها، ولا مستند من كتاب، أو سنة أو أثر صحيح، والقول بأنه ملك من الملائكة قول بعيد غريب، بل هو من البشر.

وقال القزويني: «وذكر بعض النساب أن أفريدون هو ذو القرنين الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز، لأنه ملك المشرق والمغرب، وأمر بعبادة الله تعالى، وكان ذا عدل وإحسان» 2.

والمتأمل في هذه الأقوال وما استندت إليه يجدها لا أصل لها في الكتاب أو السنة، كما أنها مبنيةٌ على الظن والاحتمال، فضلًا عن أن ذا القرنين كان مؤمنًا موحدًا.

وقيل: كان نبيًا من الأنبياء، فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو قال: ذو القرنين نبي 3.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ذو القرنين نبي 4.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أدري أتبع لعينًا كان أم لا، وما أدري ذو القرنين نبيًا كان أم لا، وما أدري الحدود كفاراتٌ لأهلها أم لا) 5.

وهذا الحديث إن صح ففيه ردٌ على من قال بنبوة ذي القرنين.

والذي يتجلى لنا من خلال حديث القرآن عنه أنه ملك مؤمن على علمٍ وصلاحٍ، مكن الله له، فسعى جاهدًا ومتجردًا لنشر الحق والعدل.

والذي يعنينا أن نتدبر في قصته، ونستخلص منها الدروس والعبر في الدعوة والإصلاح والقيادة والإدارة والسياسة والقضاء. ثم إن السؤال ليس عن شخص ذي القرنين، وإنما عن حياته وجهاده وأمجاده.

قال البغوي: «والأكثرون على أنه كان مَلِكًا عادلًا صالحًا» 6.

قال ابن القيم: «الإسكندر المقدوني، وهو ابن فيلبس، وليس هو بالإسكندر ذي القرنين الذي قص الله تعالى نبأه في القرآن، بل بينهما قرون كثيرة، وبينهما في الدين أعظم تباين، فذو القرنين كان رجلًا صالحًا موحدًا لله تعالى، يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكان يغزو عباد الأصنام، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وبنى السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج.

وأما هذا المقدوني فكان مشركًا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته، وكان بينه وبين المسيح نحو ألف سنة وستمائة سنة، والنصارى تؤرخ له، وكان أرسطاطاليس وزيره، وكان مشركًا يعبد الأصنام، وهو الذي غزا دارا بن دار ملك الفرس في عقر داره، فثل عرشه ومزق ملكه وفرق جمعه، ثم دخل إلى الصين والهند وبلاد الترك فقتل وسبى. وكان لليونانيين في دولته عز وسطوة بسبب وزيره أرسطو، فإنه كان مشيره ووزيره ومدبر مملكته.

وكان بعده لليونان عدة ملوك يعرفون بالبطالسة، واحدهم بطليموس، كما أن كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، ثم غلبهم الروم واستولوا على ممالكهم، فصاروا رعية لهم وانقرض ملكهم، فصارت المملكة للروم، وصارت المملكة واحدة، وهم على شركهم من عبادة الأصنام، وهو دينهم الظاهر ودين آبائهم» 7.

وأثبت ابن عاشور أنه ليس إسكندر المقدوني، قال: «لأنه لم يكن ملكًا صالحًا، بل كان وثنيًا، فلم يكن أهلًا لتلقي الوحي من الله، وإن كانت له كمالات على الجملة، وأيضًا فلا يعرف في تاريخه أنه أقام سدًا بين بلدين» 8.

وذكر أبو السعود أقوالًا عديدة في سر تسميته بذي القرنين، أكتفي بذكر أقربها للصواب، قال: «واختلف في وجه تسميته بذي القرنين، فقيل: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها. وقيل: لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: الروم والترك. وقيل: لأنه كان في تاجه ما يشبه القرنين. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان. وقيل: لقب به لشجاعته» 9.

ثانيًا: صفات ذي القرنين:

قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) } [الكهف: 83 - 84] .

ذو القرنين كان عبدًا صالحًا، وقائدًا حكيمًا محنكًا، وملكًا عادلًا، جمع الله له بين الصلاح والملك والعلم والهمة العالية في إقامة العدل ونشر الخير، والتيسير على الخلق، أخذ بالأسباب، بل طورها حتى مكن الله له.

قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) } [الكهف: 84 - 85] .

مكن الله له في الأرض، ووهبه أسباب النصر والتمكين، وأصول السياسة وفنون التدبير، فأحسن استغلال هذه المنح والمواهب على أتم وجهٍ، بل جعلها ركيزةً ومنطلقًا إلى ريادة الكون بالعلم والإيمان، والعدل والإحسان.

مكن له صاحب العظمة والسلطان تمكينًا عظيمًا في أنحاء المعمورة، وآتاه من الأسباب ما يحتاج إليه في توطيد ملكه وبسط سلطانه، وكبت أعدائه وتحقيق أهدافه.

قال ابن عاشور: «وجعل خبر ذي القرنين تلاوة وذكرًا للإشارة إلى أن المهم من أخباره ما فيه تذكير، وما يصلح لأن يكون تلاوة حسب شأن القرآن، فإنه يتلى لأجل الذكر، ولا يساق مساق القصص» 10.

ورد ذكر (ذو القرنين) عليه السلام في القرآن الكريم (3) مرات، في سورة الكهف.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في سورة الكهف.

السورة ... الآيات

الكهف ... 73 - 98

أولًا: مناسبة القصة:

تتجلى لنا المناسبة بين هذه القصة والقصص التي سبقتها، وبين القصة ومحور السورة ومقصودها:

فبعد الحديث عن رحلة موسى مع الخضر وما انطوت عليه من عجائب وآيات، وما تفتقت عنه من فوائد وثمرات، وما أسفرت عنه من عبرٍ وعظاتٍ، يأتي الحديث عن قصةٍ أخرى عجيبة، قصة ذلك الرجل الصالح الذي مكن الله له، وهيأ له الأسباب فأخذ بها، واجتهد في استثمارها وتطويرها، فطوف في الأرض، وجال في أقطارها، قائدًا ظافرًا، وحكمًا عادلًا، وسلطانًا قويًا، وعبدًا شكورًا، فملأ الدنيا عدلًا ونورًا.

طاف موسى عليه السلام طلبًا للعلم النافع، وطاف الخضر بأمر الله تعالى حاملًا لواء الجهاد وراية الإصلاح والتغيير، كذلك طاف ذو القرنين بجنده وعتاده، لينشر العدالة في ربوع الكون، ويبلغ دعوة الحق، ويصحح المفاهيم، ويقيم الموازين القسط، ويرسخ القيم الأصيلة، والأخلاق الفاضلة.

قال البقاعي: «ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم، عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم؛ لأنه أساس كل سعادةٍ، وقوام كل أمرٍ» 11.

كذلك تضعنا الآيات أمام مقارنةٍ بينة بين صاحب الجنتين الذي اغتر بجنتيه وجحد النعمة وتمادى في الضلال، وبين صاحبه الذي يذكره بالله ويحذره من عقابه، وبين ذي القرنين الذي يتذكر دائمًا فضل الله عليه ورحمته به، ويلهج دائمًا بحمده تعالى على ما أولاه من النعم وأسداه من الكرم، ويوظف هذه النعم في نشر الحق والفضيلة في أرجاء الأرض.

{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) } [الكهف: 35 - 39] .

أما ذو القرنين فإنه نموذجٌ رائعٌ للملك الصالح المتعفف الذي مكنه الله في الأرض فأقام ميزان العدل والإحسان، وأزال سلطان الكفر والطغيان، وحمل راية الحق ومصابيح الهدى، وعاش الناس في عهده حياةً آمنة مطمئنةً. فشتان بين عهدين: عهدٍ ساد فيه الكفر والفساد، وعهد أشرقت فيه شمس الهداية وأضاءت أنوار العدالة. مملكة كافرة تجعل الكفر لها دستورًا وسياجًا، وملكٌ غاصبٌ طاغيةٌ، ومملكة مؤمنة تجعل الإيمان لها عصمةً ومنهاجًا ونورًا وسراجًا! وبضدها تتبين الأشياء.

ومن أوجه المناسبة بين قصة أصحاب الكهف والهدف الرئيسي لسورة الكهف أنها خطت لنا طريق النجاة من الفتن، وأوردت نموذجا عمليًا يحتذى به، حيث تعرض الفتية لفتنة عظيمة عصمهم الله منها، حين سعى الملك إلى فتنتهم في دينهم واستغل سلطانه في مساومتهم على الحق وإغرائهم بكل المغريات، كما استخدم فتنة التهديد والوعيد، فعصمهم الله من كل تلك الفتن، لما خلصت نيتهم وصفت سريرتهم وقويت عزيمتهم وصدق توجههم إلى الله.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16) } [الكهف: 9 - 16] .

وهكذا نجد السورة الكريمة تبرز لنا طريق النجاة من جميع الفتن، فتنة السلطان وفتنة الأهل والعشيرة وفتنة المال وفتنة الولد وفتنة العلم وفتنة إبليس اللعين وفتنة القوة والتمكين من خلال قصة ذي القرنين، وفتنة يأجوج ومأجوج وفتنة اتباع الأهواء والاغترار بزخرف القول، مما يتواكب مع خواص السورة وفضائلها وعصمتها لتاليها من الفتن الحوالك.

لما بين الله عز وجل أن ما على الأرض من زينة إنما هو للابتلاء والامتحان الذي يبرز معادن الناس، ويجلي عن قصدهم وهمتهم نحو العمل الصالح.

قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) } [الكهف: 7 - 8] .

لما بين الله تعالى ذلك ضرب أمثلة تكشف عن موقف الناس من زينة الدنيا، فبدأ بقصة أصحاب الكهف الذين لم يغتروا بزينة الشباب وزينة الأهل والعشيرة وزينة الأبهة والسلطان، بل تركوا كل هذه الملذات، وأعرضوا عن جميع الإغراءات، وهجروا الأهل والخلان في سبيل الله جل في علاه.

ثم جاءت قصة صاحب الجنتين الذي غره المال ولم يحمد الله عليه، بل ازداد بطرًا وأشرًا، في حين نجح صاحبه في الابتلاء حيث عرف حقيقة هذه الدنيا الفانية، فكان له ناصحًا أمينًا وواعظًا بليغًا.

ثم يأتي التعقيب على هذه القصة مبينًا حقيقة الدنيا الفانية، وما فيها من زينة تسلب القلوب وتأسر النفوس، وتصرفها عن غاية وجودها وعاقبة أمرها.

وإذا كان هناك من يغتر بالمال أو بالولد، فإن هناك من يغتر بالوعود الكاذبة والأماني الباطلة التي يمني بها إبليس اللعين، هذا العدو القديم الذي أظهر عداوته قديمًا يوم أن امتنع عن السجود لآدم.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) } [الكهف: 50] .

ومن أشد أسلحة إبليس اللعين سلاح التزيين، فكم من معصية زينها، وكم من بدعة حسنها، وكم من طاعة صرف الناس عنها، وكم من ضلالة زخرفها، وكم من توبة سوَفها.

ثم يورد لنا السياق حقائق ساطعة، وسننًا ربانية، وقضايا عقدية حول الألوهية والرسالة واليوم الآخر، وسنن الله الماضية والجارية في الأمم، ومن الناس من يغتر بنعمة العلم، بل وربما ظن أنه أعلم الناس، وهنا تأتي قصة موسى والخضر عليهما السلام؛ لتبين أن العالم مهما بلغ من العلم، فإن هناك من هو أعلم منه، ومهما أوتينا من العلم فما قيمته وما قدره أمام علم علام الغيوب!

ثم يضرب الله مثلًا لمن لم يغتر بالقوة والسلطان العبد الصالح ذو القرنين الذي وظف ملكه وسلطانه في نشر الدين ورفع الظلم عن المظلومين ورد الطغاة الباغين، وكان كلما جدد الله له نعمة جدد لها شكرًا، وردها إلى المنعم عز وجل.

{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) } [الكهف: 95] .

{قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) } [الكهف: 98] .

فلنقارن بين من اغتر بجنتيه وجحد النعمة وتمادى في الضلال، وبين من يتذكر دائمًا فضل الله عليه ورحمته به، ويلهج دائمًا بحمده تعالى.

كما تدور هذه القصة مع المحور العام للسورة: العواصم من الفتن، فتبرز لنا أهمية التوكل على الله تعالى واليقين به تعالى مع الأخذ بالأسباب في النجاة من الفتن، كما يتجلى لنا من خلال هذه القصة دور الحاكم العادل في حماية البلاد من شرور الفتن.

ثانيًا: سبب نزول القصة:

ذكر ابن إسحاق: أن قريشًا بعثوا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود، وقالوا لهما: سلاهم عن محمدٍ، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علمٌ ليس عندنا من علم؛ فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا؟

فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاثٍ نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسلٌ، وإن لم يفعل فالرجل متقول، ٌ فروا فيه رأيكم.

سلوه عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول: ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديثٌ عجبٌ. وسلوه عن رجلٍ طوافٍ قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك، فاتبعوه فإنه نبيٌ، وإن لم يفعل فهو رجلٌ متقولٌ فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريشٍ، فقالا: يا معشر قريشٍ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمدٍ، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبيٌ، وإن لم يفعل فالرجل متقولٌ، فروا فيه رأيكم. فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا عن فتيةٍ ذهبوا في الدهر الأول، قد كانت لهم قصةٌ عجبٌ، وعن رجلٍ كان طوافًا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ وأخبرنا عن الروح ما هي؟

قال فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غدًا، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم -فيما يذكرون- خمس عشرة ليلةً لا يحدث الله إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمدٌ غدًا، واليوم خمس عشرة ليلةً قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الله الفتية والرجل الطواف 12.

أولًا: بلوغه مغرب الشمس:

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) } [الكهف:86 - 88] .

كانت له ثلاث رحلات رئيسة، والظاهر أنه انطلق من المشرق إلى رحلته الأولى جهة المغرب، حيث بلغ بجنوده أقصى الغرب مستعينًا بما هيأه الله له من أسبابٍ، وهدف الرحلة كما يظهر من خلال الآيات نشر الحق، وهداية الناس، وإقامة العدل، انطلق في رحلته حتى شاهد غروب الشمس، {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} عين ماء ذات حمأة، وقرئ {فِي عَيْنٍ حاميةٍ} يعني: أنها تغرب في عين ماء حارة، تلك إشارة إلى نظر المؤمن وتمتعه بجمال الكون وروعته، فللنظرة الجمالية انعكاسها على جمال الحضارة، جمعت بين كونها حمئة وبين حرارتها 13.

{وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) } : لما تمكن منهم، وخير في شأنهم: كان حكمًا مقسطًا، إذ حكم على من بقي على الظلم بالعذاب، وعلى من اختار طريق الهداية بالخير والإحسان، فقال: {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) } .

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ذكر جزاء الله له في الآخرة {فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} أي: الجنة، ثم أتبع ذلك بإحسانه له في الدنيا بقوله: {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} أي: لا نقول له ما يتكلفه مما هو شاقٌ عليه، بل قولًا ذا يسر وسهولة، قولًا ميسورًا.

وقوله: {ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا} أي: يوم القيامة فيعذبه العذاب الشديد الأليم، الذي يحار العقل في أمره، لأنه لم ير مثله، ولا قريبًا منه ليعتبره به 14.

{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى} أي: يستحق البشارة بها، فضلًا عن حسن معاملته في الدنيا، {وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} فهو أهلٌ لكل فضل وسماحةٍ.

«فالمؤمن المستقيم يجد الكرامة والود والقرب من الحاكم العادل، ويكون من بطانته وموضع عطفه وثقته ورعاية مصالحه وتيسير أموره، أما المعتدي المتجاوز للحد، المنحرف الذي يريد الفساد في الأرض، فسيلقى العذاب الرادع من الحاكم المقسط في الدنيا، ثم يرد إلى ربه يوم القيامة ليلقى العقوبة الأشد بما اقترفت يداه في حياته الأولى» 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت