أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (ذم م) تدل على خلاف الحمد 1.
يقال: ذممته أذمه ذمًا خلاف مدحته، فهو ذميم ومذموم، أي: غير محمود 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
خلاف المدح، وهو الانتقاد واللوم، والوصف بالمعايب التي في الموصوف 3.
فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي.
وردت مادة (ذ م م) في القرآن الكريم (5) ، والذي يخص موضوع البحث (3) مرات 4.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم المفعول ... 3 ... {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) } [الإسراء:22]
وجاء الدفع في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الذي هو خلاف المدح.
الشتم:
الشتم لغة:
السب، والاسم الشتيمة، والشتم: الكلام القبيح وليس فيه قذف 5.
الشتم اصطلاحًا:
وصف الغير بما فيه نقص وإزراء 6.
الصلة بين الذم والشتم:
والصلة بين الذم والشتم: أن كلًا منهما يقال لأجل الانتقاص والاستخفاف.
السب:
السَّبُّ لغة:
هو الشتم، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) } [الأنعام:108] 7.
السَّبُّ اصطلاحًا:
الشتم الوجيع، والسُّبَّة: ما يسب به، وكني بها عن الدبر، وتسميته بذلك كتسميته بالسوءة 8.
الصلة بين الذم والسب:
والصلة بين الذم والسب: أن كلًا منهما يقصد به الانتقاص والاستخفاف.
المدح:
المدح لغة:
نقيض الهجاء وهو حسن الثناء على الغير لما فيه من الصفات، سواء أكانت تلك الصفات خلقية أم اختيارية، وهو أعم من الحمد 9.
المدح الاصطلاح:
الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدًا 10.
الصلة بين الذم والمدح:
العلاقة بين الذم والمدح علاقة ضدية، فكل واحد منها ضد الآخر.
من أسباب الذم في القرآن الكريم: الأعمال السيئة، والصفات الخلقية القبيحة، والصفات الخلقية، وسوء العاقبة، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الأعمال السيئة:
ذم القرآن الكريم الأعمال السيئة من عبادة غير الله وتطفيف الميزان والتخلف عن الجهاد وموالاة الكافرين وبيان ذلك كما يأتي:
من أسباب الذم التي ذكرها القرآن الكريم: عبادة غير الله تعالى من الأصنام وغيرها.
قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) } [الأنفال:34 - 35] .
ذم الله تعالى الكفار بأفعالهم القبيحة وسوء العاقبة واستحقاقهم العذاب، ونفي الولاية عنهم، وأنهم ليسوا بأولياء البيت الحرام، وقوله: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} ، «أي: وأي شيء يمنع من عذاب مشركي قريش بعد خروجك -يا محمد- وخروج المؤمنين المستضعفين من بين أظهرهم؟ إنه لا مانع أبدًا من وقع العذاب عليهم، وقد وجد مقتضية منهم، حيث اجترحوا من المنكرات والسيئات ما يجعلهم مستحقين للعقاب الشديد» 11.
ثم بين صفاتهم الذميمة، فقال تعالى: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، جملة حالية مبينة لجريمة من جرائمهم الشنيعة، أي: لا مانع يمنع من تعذيبهم: وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالمسجد الحرام، ومن زيارته، ومن مباشرة عباداتهم عنده .. ؟ إنهم لا بد أن يعذبوا على هذه الجرائم 12.
ثم ذمهم بنفي الولاية عنهم، والمقصود إظهار اعتدائهم في صدهم عن المسجد الحرام، {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} ، أي: وما كانوا مستحقين للولاية عليه لشركهم وعمل المفاسد فيه كطوافهم فيه عراة رجالًا ونساء، وهذا رد لقولهم: نحن ولاة البيت الحرام، نصد من نشاء وندخل من نشاء، {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} ، أي: إنه لا يلي أمره إلا من كان برًا تقيًا، لا من كان كافرًا عابدًا للصنم 13، إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه، إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف، إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله .. ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم -عليه السلام-، فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب إنما هي وراثة دين وعقيدة 14.
وقوله تعالى: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} ، تعيين لأوليائه الحق، وتقرير لمضمون {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} مع زيادة ما أفاده القصر من تعيين أوليائه، فهي بمنزلة الدليل على نفي ولاية المشركين، ولذلك فصلت، وإنما لم يكتف بجملة القصر مع اقتضائه أن غير المتقين ليسوا أولياء المسجد الحرام، لقصد التصريح بظلم المشركين في صدهم المسلمين عن المسجد الحرام بأنهم لا ولاية لهم عليه، فكانت جملة: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} ، أشد تعلقًا بجملة: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ، من جملة: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} ، وكانت جملة: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ} ، كالدليل، فانتظم الاستدلال أبدع انتظام، ولما في إناطة ولاية المسجد الحرام بالمتقين من الإشارة إلى أن المشركين الذين سلبت عنهم ولايته ليسوا من المتقين، فهو مذمة لهم وتحقيق للنفي بحجة 15.
وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، أنهم ليسوا أولياء الله، ولا أن أولياءه ليسوا إلا المتقين، فهم الآمنون من عذابه بمقتضى عدله في خلقه والجديرون بولاية بيته 16.
ثم ذم أفعالهم القبيحة عند البيت الحرام، فقال سبحانه: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} ، المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وكان أحدهم يضع يده على الأخرى ويصفر.
قال ابن عباس: «كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، وروي عنه أن الرجال والنساء منهم كانوا يطوفون عراة مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون» 17.
فعلى قول ابن عباس كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وهو صحيح، لأن الله سبحانه وتعالى سمى ذلك صلاة، فإن قيل: كيف سماها صلاة وليس ذلك من جنس الصلاة؟ الجواب: إنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة، فخرج ذلك على حسب معتقدهم 18.
ثم ذمهم بقوله تعالى: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ، ودل فعل الأمر في قوله: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ} ، على عذاب واقع بهم، إذ الأمر هنا للتوبيخ والتغليظ، وذلك هو العذاب الذي حل بهم يوم بدر، من قتل وأسر وحرب، {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} ، أي: بكفركم فـ (ما) مصدرية، وكان إذا جعل خبرها جملة مضارعية أفادت الاستمرار والعادة، وعبر هنا بـ {تَكْفُرُونَ} لأن العذاب المتحدث عنه لأجل الكفر والإضلال وما يجره الإضلال من الكبرياء والرئاسة 19.
من أسباب الذم في القرآن الكريم: التطفيف والخيانة في الكيل والوزن، قال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) } [المطففين:1 - 3] .
في الآيات ذم التطفيف والخيانة في الكيل والوزن، وهو أخس ما يقع من المعصية، وهو التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئًا في تثمير المال وتنميته 20.
وقوله: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} ، قيل: الويل شدة الشر، وقيل: الحزن والهلاك، وقيل: العذاب الأليم، وقيل: جبل في جهنم 21.
والتطفيف: البخس والنقص في الكيل والوزن ولما أن ما يبخس في كيل أو وزن واحد شيء طفيف، أي: نزر حقير 22.
وحسبهم أن التطفيف يجمع ظلمًا واختلاسًا ولؤمًا، والعرب كانوا يتعيرون بكل واحد من هذه الخلال متفرقة ويتبرؤون منها، ثم يأتونها مجتمعة، وناهيك بذلك أفنًا 23.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} ، أي: إذا أخذوا من الناس ما أخذوا بحكم الشراء ونحوه كيلًا يأخذونه وافيًا وافرًا، وتبديل كلمة {عَلَى} ، هنا بمن قيل: لتضمين (الاكتيال) معنى الاستيلاء، أو للإشارة إلى أنه اكتيال مضر للناس 24، وللإشارة إلى ما فيه عملهم المنكر من الاستعلاء والقهر، شأن المتغلب المتحامل المتسلط، الذي لا يستبرئ لدينه وذمته 25.
وجملة {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} ، إدماج، مسوقة لكشف عادة ذميمة فيهم هي الحرص على توفير مقدار ما يبتاعونه بدون حق لهم فيه، والمقصود الجملة المعطوفة عليها، وهي جملة: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} ، فهم مذمومون بمجموع ضمن الجملتين 26.
وقوله تعالى: {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} ، للناس وما تقدم في الأخذ من الناس وهذا في الإعطاء، فالمعنى وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم للبيع ينقصون 27.
ومدار الذم ما تضمنه مجموع المتعاطفين، والكلام كقولك: فلان يأخذ حقه من الناس تامًا ويعطيهم حقهم ناقصًا، وهي عبارة شائعة في الذم بل الذم بها أشد من الذم بنحو: يأخذ ناقصًا ويعطي ناقصًا، وكونه دون الذم بنحو قولك: يأخذ زائدًا ويعطي ناقصًا، لا يضر كما لا يخفى 28.
قال الألوسي: «ولعل الاقتصار على الاكتيال في صورة الاستيفاء وذكر الكيل والوزن في صورة الإخسار أن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة، وإذا أعطوا كالوا ووزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعًا، والحاصل أنه إنما جاء النظم الجليل هكذا ليطابق من نزل فيهم، فالصفة تنعى عليهم ما كانوا عليه من زيادة البخس والظلم، وهذا صحيح، جعلت الصفة مخصصة لهؤلاء المطففين كما هو الأظهر أو كاشفة لحالهم فقد أريد بالأول معهود ذهني» 29.
وقوله تعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} استئنافٌ واردٌ لتهويل ما ارتكبوه من التطفيف، والهمزة للإنكار والتعجيب، وأدخل همزة الاستفهام على النافية توبيخًا وليست (ألا) هذه للتنبيه 30.
وقال سبحانه: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ} ، ولم يقل: ألا يظنون، لقصد تمييزهم والتشهير بهم، زيادة في ذمهم، وفي تقبيح أفعالهم 31.
وللإشعار بأنهم ممتازون بذلك الوصف القبيح عن سائر الناس أكمل امتياز، نازلون منزلة الأمور المشار إليها إشارة حسية، وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد درجتهم في الشرارة والفساد.
والمعنى: أبلغت الجرأة بهؤلاء المطففين، أنهم صاروا من بلادة الحس، ومن فقدان الشعور، لا يخشون الحساب يوم القيامة، ولا يخافون العذاب الشديد الذي سينزل بهم، يوم يقوم الناس من قبورهم استجابة لأمر رب العالمين، حيث يتلقون جزاءه العادل، وحكمه النافذ 32.
{لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} ، يعني: يوم القيامة، أي: لا يظن أولئك الموصوفون بذلك الوصف الشنيع الهائل أنهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ لا يقادر قدر عظمه، فإن من يظن ذلك وإن كان ظنًا ضعيفًا لا يكاد يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن يتيقنه، ووصف اليوم بالعظيم لعظم ما فيه كما أن جعله علة للبعث باعتبار ما فيه وقدر بعضهم مضافًا، أي: لحساب يوم، وقيل: الظن هنا بمعنى اليقين، والأول أولى وأبلغ 33.
وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، أي: لحكمه تعالى وقضائه عز وجل، ووصفه تعالى بربوبية العالمين من البيان البليغ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف ما لا يخفى، وليس ذلك نظرًا إلى التطفيف من حيث هو تطفيف، بل من حيث إن الميزان قانون العدل الذي قامت به السماوات والأرض، فيعم الحكم التطفيف على الوجه الواقع من أولئك المطففين وغيره 34.
قال القرطبي: «وفي هذا الإنكار، والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه الله خاضعين، ووصف ذاته بـ (رب العالمين) ، بيان بليغ لعظيم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية» 35.
وفي الآيات بيان تحريم التطفيف في المكيال والميزان، وإنذار من يفعل ذلك، بأنه مبعوث لحساب لا تساهل فيه بتطفيف أو نحوه، ومثل التطفيف في الكيل والوزن النقص في الذرع وجر السلعة حالة الذرع، ويوشك أن لا يكاد في هذا الزمن كيال أو وزان أو ذراع يسلم من نقص إلا من عصمه الله تعالى، أجارنا الله من النقص المادي والمعنوي بمنه وكرمه 36.
وقد جاء الأمر بإيفاء الكيل والميزان، والنهي عن تطفيفهما، في آيات كثيرة، منها:
قوله تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) } [هود:84] .
وقوله سبحانه: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) } [الإسراء:35] .
وقوله جل وعلا: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } [الأنعام:152] .
من أسباب الذم التي ذكرها القرآن الكريم: التخلف عن الجهاد.
قال تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) } [التوبة:86 - 87] .
يذم تعالى المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، والناكلين عنه مع القدرة عليه، ووجود السعة والطول، واستأذنوا الرسول في القعود، {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ} ، يؤمرون فيها بالإيمان بالله والجهاد في سبيل الله، {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ} يعني: أولي الغنى والأموال، الذين لا عذر لهم، وقد أمدهم الله بأموال وبنين 37.
والاقتصار على الطول يدل على أن أولي الطول مراد بهم من له قدرة على الجهاد بصحة البدن، فبوجود الطول انتفى عذرهم إذ من لم يكن قادرًا ببدنه لا ينظر إلى كونه ذا طول 38.
{وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} ، ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف، بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلامًا.
كما قال الله تعالى، عنهم في الآية الأخرى: {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) } [الأحزاب:19] أي: علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن، وفي الحرب أجبن شيء 39.
وقوله تعالى: {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} استئنافٌ قصد منه التعجيب من دناءة نفوسهم وقلة رجولتهم بأنهم رضوا لأنفسهم بأن يكونوا تبعًا للنساء، وفي اختيار فعل (رضوا) إشعار بأن ما تلبسوا به من الحال من شأنه أن يتردد العاقل في قبوله، والخوالف: جمع خالفة وهي المرأة التي تتخلف في البيت بعد سفر زوجها، فإن سافرت معه فهي الظعينة، أي: رضوا بالبقاء مع النساء 40.
وذلك أبلغ في الذم، فكونهم رضوا بأن يكونوا قاعدين مع النساء في المدينة أبلغ ذم لهم وتهجين، لأنهم نزلوا أنفسهم منزلة النساء العجزة اللواتي لا مدافعة عند هن ولا غنى 41.
وقوله تعالى: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، والطبع تمثيل لحال قلوبهم في عدم قبول الهدى بالإناء أو الكتاب المختوم، والطبع مرادف الختم، وأسند الطبع إلى المجهول إما للعلم بفاعله وهو الله، وإما للإشارة إلى أنهم خلقوا كذلك وجبلوا عليه، {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} ، أي: فلأجل الطبع لا يفقهون ولا يتدبرون ولا يتفهمون ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من الشقاء والضلال، فآثروا نعمة الدعة على سمعة الشجاعة، وعلى ثواب الجهاد إذ لم يدركوا إلا المحسوسات، فلذلك لم يكونوا فاقهين، وذلك أصل جميع المضار في الدارين 42.
من أسباب الذم التي ذكرها القرآن الكريم: موالاة الكافرين.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) } [الممتحنة:1] .
نهى الله تبارك وتعالى، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم، وأن يتخذوهم أولياء وأصدقاء وأخلاء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين 43.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، نداء من ربهم للذين آمنوا به، يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه، يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم، ويحذرهم حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم، وفي مودة يجعل عدوهم عدوه، وعدوه عدوهم: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} ، فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه، يعاديهم من يعاديه، فهم رجاله المنتسبون إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض، وهم أوداؤه وأحباؤه، فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه 44.
ثم فسر هذه الموالاة فقال: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} ، بدأه هنا بـ {تُلْقُونَ} ، وبعده بـ {تُسِرُّونَ} ، تنبيهًا بالأول على ذم مودة الأعداء، جهرًا وسرًا، وبالثاني على تأكيد ذمها سرًا، وخص الأول بالعموم لتقدمه، وباء {بِالْمَوَدَّةِ} ، زائدةٌ، وقيل: سببيةٌ، والمفعول محذوفٌ والتقدير: يلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب المودة التي بينكم وبينهم 45.
ثم ذكر أن مما يمنع هذا الاتخاذ أمرين: الأول: {وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} ، أي: وقد كفروا بالله ورسوله وكتابه الذي أنزله عليكم! فكيف بكم بعد هذا تجعلونهم أنصارًا وتسرون إليهم بما ينفعهم ويضر رسولكم، ويعوق نشر دينكم، والثاني: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} ، أي: يخرجون الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ولم يكن لهم جريرة ولا جرم سوى ذلك 46.