فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 2431

الرياء

أولًا: المعنى اللغوي:

الرياء من الرؤية مصدر من الفعل راءيته مراءاةً ورئاءً، وجذرها (رأي) ، وبالكسر: أريته أنّي على خلاف ما أنا عليه 1، وهو مهموز العين (رئاء) ؛ لأنه من الرؤية، ويجوز تخفيفها بقلبها ياء، فنقول: رياء، واسترآه: استدعى رؤيته، وأريته إياه إراءً وراءيته مراءاةً ورئاءً: أريته على خلاف ما أنا عليه 2، وفلان مراءٍ، وقوم مراؤون، والاسم الرياء، يقال: فعل ذلك سمعة ورياء، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) } [الماعون: 6] . يعني المنافقين إذا صلى المؤمنون صلوا معهم ليروهم أنهم على ما هم عليه 3.

وقال الهروي وابن منظور: «المرائي يري الذي يراه أنه يفعل، ولا يفعل بالنية» 4.

فالرياء: إظهار فعل جميل ليراه الناس؛ -لذلك قيل: رياء، أو رئاء-، وبهدف حمد الناس لا رغبة في ثواب الله.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: «الرياء: ترك الإخلاص في العمل بملاحظة غير الله فيه» 5.

وقيل: «الرّياء: وهو إظهار العمل للناس ليروه ويظنوا به خيرًا، فالعمل لغير اللّه نعوذ باللّه منه» 6.

وقال الغزالي: «الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادة» 7.

«وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله طلب المنزلة في قلوب الناس» 8.

فالرياء اصطلاحًا لا يختلف عن معناه اللغوي.

ورد الجذر (ر أ ي) في القرآن الكريم (328) مرة، وما يتعلق منها بموضوع الرياء (5) مرات 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 2 ... {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) } [الماعون: 6]

المصدر ... 3 ... {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} [البقرة: 264]

وجاء الرياء في القرآن بمعناه في اللغة، والمراد به إظهار جميل الفعل رغبة في حمد الناس لا في ثواب الله تعالى 10.

النفاق:

النفاق لغة:

والنفاق، بالكسر، فعل المنافق، والنفاق: الدخول في الإسلام من وجه والخروج من آخر، ونافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النافقاء لا من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره 11.

النفاق اصطلاحًا:

عرفه الجرجاني بقوله: «إظهار الإيمان باللسان، وكتمان الكفر بالقلب» 12.

الصلة بين الرياء والنفاق:

أن النفاق إظهار الإيمان مع إسرار الكفر، والرياء إظهار جميل الفعل رغبة في حمد الناس لا في ثواب الله تعالى 13.

الكذب:

الكذب لغة:

الكذب: خلاف الصدق، وكذب كذبًا، فهو كذاب وكذبة 14.

الكذب اصطلاحًا:

إخبار عن المخبر به على خلاف ما هو به مع العلم بأنّه كذلك 15.

الصلة بين الرياء والكذب:

يختلف الكذب عن الرياء، فالكذب خبر مخالف للواقع، بينما الرياء مخالفة النية لظاهر العمل.

الإخلاص:

الإخلاص لغة:

مصدر خلص، والإخلاص: التوحيد لله خالصًا 16.

الإخلاص اصطلاحًا:

التعريف المناسب للإخلاص هو القيام للعمل ابتغاء وجه الله تعالى.

الصلة بين الرياء والإخلاص:

هما ضدان، فالرياء فعل الشيء ليراه الآخرون، أما الإخلاص فهو ترك الرياء.

الشرك:

الشرك لغة:

مأخوذ من شرك، ومنه: (أشرك بالله: كفر أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك) 17، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.

الشرك اصطلاحًا:

تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه 18.

الصلة بين الرياء والشرك:

يعتبر الرياء من الشرك الخفي كما قال أهل العلم عنه 19، قال أبو السعود عند تفسير قوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] : «إشراكًا جليًّا كما فعله الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، ولا إشراكًا خفيًّا كما يفعله أهل الرياء ومن يطلب به أجرًا» 20.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) ، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: (الرياء) 21.

الرياء خلق ذميم يتصف به ضعاف الإيمان، يظهر على الإنسان بعلامات أهمها: النشاط في العمل ومضاعفة الجهد أمام الآخرين، والكسل والتقصير إذا بعد الإنسان عن الناس.

وإلى هاتين السمتين يشير سيدنا على رضى الله تعالى عنه: فيقول: (للمرائي علامات: كسل إذا كان وحده وينشط إذا كان في الناس ويزيد في العمل إذا أثنى عليه وينقص إذا ذم) 22.

وقد حذر الإسلام من هذه الصفة الذميمة، وبين عواقبها، ونفَّر منها في جميع مجالاتها، سواء كانت في العبادات أو الصدقات أو الجهاد في سبيل الله، فكل ذلك منهي عنه ويبطل الأعمال، وسوف نتناول هذه المجالات بشيء من التفصيل بإذنه تعالى.

أولًا: الرياء في العبادات:

خلق الله عز وجل الإنسان لغاية كريمة، واستخلفه في الأرض، وكرمه على سائر مخلوقاته بالعقل؛ ليقوم بهذا الهدف الأسمى، وهو العبادة، قال المولى عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .

فالعبادة هدف سامي يقوم بها الإنسان طاعة لله عز وجل وإرضاءً وتقربًا له تبارك وتعالى، وحتى تقبل العبادة من العبد ينبغي أن يكون مخلصًا فيها لله عز وجل، بعيدًا عن الرياء، فالإخلاص واجب في الطاعات حتى تقبل، وقد جاءت النصوص المتضافرة في الكتاب والسنة لتبين أهمية الإخلاص، فمن الكتاب قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .

وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) 23.

وقصة الثلاثة الذين تسعر بهم النار يوم القيامة 24.

والرياء ينافي الإخلاص لله عز وجل، فالرياء شعبة من شعب النفاق؛ وصفة ملازمة للمنافقين.

وقد بين لنا ذلك القرآن الكريم الرياء في العبادة، وأنها من صفات المنافقين في أكثر من موضع، قال المولى عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) } [النساء: 142] .

فمن صفاتهم، أنهم يأخذون من الدين ما سهل عليهم، أو ما فيه مصلحتهم، ولا يفعلون ذلك لوجه الله بل رياءً للمؤمنين، وإذا أدّوا شيئًا من العبادات فإنما يستكرهون أنفسهم عليه، ويؤدونه بتكاسل وتثاقل، هذا ديدنهم؛ لذا عبر الله عز وجل عن ريائهم بالفعل المضارع (يراؤون) الذي يفيد الاستمرار، فأعمالهم كلها رياء وسمعة، لا لمرضاة الله عز وجل.

هكذا هم المنافقون لهم علامات يعرفون بها، من أوضحها وأبرزها الرياء، فلهم عبادةٌ يعبدون الله بها في بيوتهم، ولهم عبادة يعبدون الله بها أمام الناس، أساس مواقفهم الرياء، وقعد بهم الكسل عمّا أمروا من أوامر، فأصبح الإخلاص عليهم ثقيلًا.

ففي صحيح الحديث (إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا) 25، فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من أن يقوم للصلاة؛ لأن صلاتهم لأجل الناس، لا طاعة لله عز وجل.

لذلك توعدهم الله عز وجل فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) } يعني المنافقين 26، فقد نزلت فيهم، ثم نعتهم فقال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) } فهم لا يرجون بصلاتهم ثوابًا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابًا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، ثم وصفهم الله عز وجل فقال: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) } فهم يراؤون المؤمنين في صلاتهم، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البر ليثنوا عليهم 27.

والمرائي يتحبب ويتقرب إلى العباد، ويبتعد من الله عز وجل، وهذا ما أشار إليه الإمام ابن الجوزي بقوله: «وقد لبس إبليس على جماعة من قوام الليل فتحدثوا بذلك بالنهار فربما قال أحدهم فلان المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس أنه كان منتبهًا، فأقل ما في هذا إن سلم من الرياء أن ينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فيقل الثواب تلبيسه عليهم في القرآن، وقد لبس على آخرين انفردوا في المساجد للصلاة والتعبد فعرفوا بذلك، واجتمع اليهم ناس فصلوا بصلاتهم وشاع بين الناس حالهم وذلك من دسائس إبليس وبه تقوى النفس على التعبد لعلمها أن ذلك يشيع ويوجب المدح» 28.

واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم الرياء في العبادة أشد خطرًا من فتنة المسيح الدجال، فقد جاء عن أبي سعيدٍ، قال: (خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدّجّال، فقال:(ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدّجّال؟) قال: قلنا: بلى، فقال: (الشّرك الخفيّ، أن يقوم الرّجل يصلّي، فيزيّن صلاته، لما يرى من نظر رجلٍ) 29.

فالمرائي يظهر ما ليس في قلبه من زيادة خشوع؛ ليعتقد فيه من يراه أنه متدين، والرياء يبطل العمل فلا ينتفع به صاحبه يوم القيامة. والدوافع للرياء في العبادة بينها لنا الإمام الغزالي رحمه الله فقال: «وإنما يبتلي به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة فإنهم مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم، فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم، فسارعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وحده، وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات وتوقيه الشبهات وتحمله مشاق العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء، وبالغوا في التقريظ والإطراء ونظروا إليه بعين التوقير والاحترام وتبركوا بمشاهدته ولقائه ورغبوا في بركة دعائه وحرصوا على اتباع رأيه وفاتحوه بالخدمة والسلام وأكرموه في المحافل غاية الإكرام، وسامحوه في البيع والمعاملات وقدموه في المجالس وآثروه بالمطاعم والملابس، وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضه موقرين» 30.

وللرياء ثلاثة أوجه حين يتصل بالعبادة، أشار إليها الإمام ابن القيم في جوابه على من يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضًا ولا للناس محضًا، هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله؟ فأجاب ابن القيم رحمه الله:

الوجه الأول: أن يكون الباعث لله، ثم يعرض له الرياء في أثناء العمل، فهذا المعول فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه بإرادة جازمة لغير الله فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أي ترك استصحاب حكمها.

الوجه الثاني: أن يكون الباعث الأول لغير الله، ثم يعرض له قلب النية لله، فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته؛ فإذا كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير الله ثم قلب نيته لله عند الوقوف والطواف.

الوجه الثالث: أن يبدأ العبادة لله والناس، فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس، كمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال فلان حج، فهذا لا يقبل منه العمل؛ لأن حقيقة الإخلاص التي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عدم عند عدمه 31، ودل على ذلك أيضًا ما ورد أن «رجلًا جاء إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد. فقال عبادة: ليس له شيء» 32.

وذكر ذلك ابن رجب فقال رحمه الله «اعلم أن العمل لغير الله أقسام؛ فتارة يكون رياء محضًا؛ كحال المنافقين؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ} ، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله؛ فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وأما إن كان العمل لله وطرأ عليه نية الرياء؛ فإن كان خاطرًا ثم دفعه؛ فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه؛ فهل يحبط عمله أو لا؛ فيجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجّحا أن عمله لا يبطل بذلك» 33.

وليس من الرياء أن يسرّ الإنسان بفعل الطاعة؛ لأن ذلك دليل إيمانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن) 34.

والرياء قد يقع من المسلم في أي عبادة يقوم به قاصدًا بها الحمد والشكر من الناس لا ثواب الخالق عز وجل، ومن ذلك العالم وقارئ القرآن، فقد جاء في أحاديث كثيرة فضل العلم والعلماء، خاصة تعلم القرآن، قال عليه السلام: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) 35، لكن العالم أو قارئ القرآن إذا كانت نيته غير خالصة لله عز وجل، وكان القصد الرياء والسمعة فكان جزاؤه النار والعياذ بالله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ... ، ورجل تعلم العلم، وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم، وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ... ) 36.

وقال عليه السلام: (من تعلّم علمًا ممّا يبتغى به وجه اللّه، لا يتعلّمه إلّا ليصيب به عرضًا من الدّنيا، لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة) 37.

فعلى الإنسان أن يكون شديد الحذر، ويراقب نفسه؛ خوف الوقوع في الرياء، وأن يجدد النية الخالصة لله عز وجل، وأن يحذر المنافقين وصحبتهم لينجوا بنفسه، ويفوز برضا الله عز وجل.

ثانيًا: الرياء في الصدقات:

قد ينفق الإنسان في سبيل الله عز وجل، لكنه لا ينال الأجر والثواب من الله تعالى، فهذا هو المرائي الذي يريد بظاهر عمله غير الباطن.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) } [البقرة: 264] .

ففي هذه الآية يخاطب الله عز وجل المؤمنين قائلًا لهم لا تُذهبُوا أجر صدقاتكم بالمن والأذى، فالصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذي الفقير بها، لا تقبل منه، وقيل: إنّ المن والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته، كإبطال المنافق الذي يرائي بإنفاقه فيظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: {وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، فالرياء يبطل الصدقة، ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين، لكن من فعل المنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء به، فمثل هذا المرائي بصدقته وسائر أعماله كمثل الحجر الأملس الصلب وعليه تراب فأصابه المطر الشديد العظيم القطر، فتركه أملس لا شيء عليه من ذلك التراب، فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن المنان بصدقته يؤذي الناس، يرى الناس أن لهؤلاء أعمالًا في الظاهر، كما يرى التراب على الصفوان فإذا جاء المطر أذهبه وأزاله، وكذلك حال هؤلاء يوم القيامة، تبطل أعمالهم وتضمحل؛ لأنها لم تكن لله تعالى كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب، والله لا يهدي القوم الكافرين إلى الخير والرشاد، وفيه تعريض بأن الرئاء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها 38.

وقد بين المولى عز وجل في محكم كتابه أن صفة الرياء إنما هي من تزيين الشيطان، فمن اتصف بها فقد اتبع خطوات الشيطان، فيكون مصيره النار وبئس المصير، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) } [النساء: 38] .

فالآية نزلت في المنافقين، الذين كان انفاقهم رياءً وسمعةً، فقوله (رياء) مفعول له، للإنفاق، يعنى ينفقون لأجل أن يراهم الناس ويقولوا ما أجودهم، فالمراؤون يتحرّون بإنفاقهم رضى الناس، والإنفاق رياء كفر وشرك خفىّ؛ لذلك عطف عليه قوله {وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} 39، وكان الشيطان قرينهم لا يفارقهم.

والمعنى من يكن عمله بما سول له الشيطان فبئس العمل عمله، وقيل هذا في الآخرة يجعل الله الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطان في سلسلة من النار 40.

ومع ذلك لا ينبغي للعبد أن يترك التصدق أو العمل الصالح خوف الرياء، فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص، قال الفضيل بن عياض: ترك العمل بسبب الخلق رياء، وفعله لأجل الخلق شرك 41.

وقال عليه السلام مبينًا جزاء من ينفق رياء وسمعة: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد ... ، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار) 42.

كما وجاءت الآيات صريحة الدلالة في تفضيل الصدقة سرًّا بعدًا عن الرياء، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) } [البقرة: 271] .

فالآية الكريمة ظاهرة في تفضيل صدقة السّر على صدقة العلانية، وذهب جمهور المفسرين في تفسير هذه الآية: إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، فكتمان صدقة التطوع وإخفائها أفضل من إظهارها، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها؛ لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات والفرائض، فيجب إظهار الفرائض من الصلاة والزكاة؛ لأنها شعائر الإسلام وتاركها مستحق للعن فيجب نفي التهمة بالإظهار، فالإظهار فيها أفضل، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفًا، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها 43.

فالأعمال والعبادات الخفيّة، والطاعة في الخلوات، تفضل الأعمال الجليّة غير الفرائض الظّاهرة، فضًلا عظيمًا، وتحميه من أدران الرّياء، والتّطلع لحبّ الثناء من الناس، وقد جاء التّوجيه عن السلف الصالح بحثّ العبد المؤمن على أن يكون له عبادة في السّر، فعن الزّبير بن العوام رضي الله عنه قال: (من استطاع منكم أن يكون له خبءٌ من عملٍ صالحٍ فليفعل) 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت