فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 2431

والنصيحة: من نصح ينصح نصحا ونصاحة ونصاحية، وهو ناصح ونصيح، والاسم النصيحة، فالنون والصاد والحاء ـ كما يقول ابن فارس ـ أصل يدل على الملائمة بين شيئين وإصلاح لهما، وهي خلاف الغش، ونصحت له ونصحته بمعنى 45.

وفي الصحاح: وهو باللام أفصح، قال الله تعالى: {وَأَنْصَحُ لَكُمْ} 46.

وقال الزجاج: وفي الكلام: نصحت لك أكثر من نصحتك 47.

فأصل النصح في اللغة: الخلوص، فالنصيحة: كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها 48.

وهي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهي عما فيه الفساد، والنصح: إخلاص العمل عن شوائب الفساد 49.

قال الأصمعي: الناصح الخالص من العسل وغيره مثل الناصع، وكل شيء خلص فقد نصح 50.

وقد كثرت أقوال العلماء في تعريفها وبيان حقيقتها، وخلاصة ذلك أنها: إرادة الخير للمنصوح والإخلاص في ذلك.

وإذا علمنا أن النصح يعني الإخلاص والصدق والنقاء وأنه نقيض الغش، كما تقدم في المعنى اللغوي، فقد كان الأنبياء عليهم السلام كلهم كذلك.

وقد حدثنا القرآن الكريم أنهم أخلصوا النصح لقومهم في آيات بينات واضحات، تقدم ذكر بعضها، فلم يكن شعيب عليه السلام بدعا من الرسل في ذلك، لقد بذل جهده في نصح قومه، لاسيما وأنه خطيب الأنبياء عليهم السلام، ولا يخفى ما للخطابة من ميزة في حسن العرض وجودة التعبير، مما يكون أثر بالغ في إيصال المقصد الأعظم من الرسالة.

فقد أدى المهمة التي أرسل من أجلها على أتم وجه وأكمله.

قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) } [الأنعام: 48 - 49] .

وهكذا صنع شعيب عليه السلام مع قومه، كما أنهم كانوا فريقين تجاه دعوته، {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) } [الأعراف: 87] .

لقد اشتمل نصح شعيب عليه السلام لقومه على دروس متعددة، وفيه عبر وعظات متنوعة، تستفيد منها الأجيال على مر الدهور وتعاقب العصور، فقد كان نصحا صادقا، صادرا من مخلص مستجمع لما يجب أن يكون عليه الناصحون، ومن حكم الشعر 51:

فما كُل ذي نُصْحٍ بمؤْتِيك نُصْحَهُ

ولا كل مُؤْتٍ نُصْحَه بلبيب

ولكن إذا ما استجمعا عند صاحب

فحق له من طاعةٍ بنصيب

فكان حريًا بقومه أن يسمعوا ويطيعوا، ولكن أغلبهم كان على خلاف ذلك، وهكذا هو شأن من لا يحبون الناصحين.

ثانيًا: الدعوة إلى توحيد الله تعالى وعبادته.

إن الإيمان بالله تعالى وتوحيده وإفراده بالعبادة، مقصد مهم من مقاصد خلق الإنسان، ذاك أن الله تعالى هو الذي أنعم على هذا الإنسان وأخرجه بفضله من العدم، ولأهمية العبادة في حياة الإنسان، فقد توجه ربنا تبارك وتعالى بنداء جميع خلقه، وأمرهم بذلك بلا استثناء، فإنه بعد أن ذكر أصناف الناس في صدر سورة البقرة، أردف ذلك بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) } [البقرة: 21] .

«والإيمان لغة: التصديق، وشرعًا: تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به عن ربه» 52.

«والإيمان بالله تعالى هو التصديق القاطع الجازم بوجود الله تعالى، كما أخبر سبحانه وتعالى به، واطمئنان القلب وسكون النفس إلى ذلك، بحيث لا يبقى في القلب أدنى مرض وظلمة، ولا في العقل أقل شبهة أو ريبة في وجود الله جل جلاله ووجوب الإيمان به سبحانه، فلو زالت الجبال من مواضعها ما زال إيمان المؤمن عن قلبه، ولو ضل الناس عن الإيمان به سبحانه ثبت هو على إيمانه» 53.

فقوله: «ما جاء به عن ربه» ، ومثله «كما أخبر سبحانه وتعالى به» ، يخرج ما كان عليه المشركون من الاعتراف بوجود الله وإشراكهم غيره معه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

«والإيمان بالله عز وجل أساس مسائل العقيدة كلها، وعنه تتفرع بقية الأمور الاعتقادية التي يجب إنهاض العقل للتأمل فيها، ثم الإيمان بها، وبتعبير آخر نقول: إن ما تراه من حقائق الكون كلها، إنما هو فيض عن حقيقة واحدة كبرى، ألا وهي ذات الله عز وجل، ومن المحال أن تدرك ما هية الحقائق المتفرعة الصغرى قبل أن تدرك منبعها وأصلها الأول، فكان لابد إذًا لكي تستطيع التعرف على الكون من أن تعرف خالقه أولًا» 54.

ومن هنا فإن الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وإفراده بالعبادة، كانت من أبرز مهمات الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهي سمة ظاهرة، وقدر مشترك بين جميع الأنبياء من لدن آدم إلى محمد صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، فقد كانت هذه الدعوة من الألفاظ الدائرة في الكتاب العزيز على لسان الأنبياء جميعا، من ذلك قوله تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85] ونظائرها.

وقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] .

ولدى تتبع ما جاء عن شعيب عليه السلام في الكتاب الكريم، نجد أن لنصح شعيب دعائم يقوم عليها، وهي جملة من الأوامر والنواهي، تنظم لقومه شؤون حياتهم في الدنيا على أمن وسلام وطمأنينة، وتكفل لهم سعادة ونجاة وفوزا في الحياة الآخرة، وإن من أهم تلك الدعائم: توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.

وعند تأمل هذه الدعامة في قصة شعيب عليه السلام، نجد أنها جاءت متعددة متنوعة في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم، ففي سورتي الأعراف وهود وردت بلفظ: {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 85] و [هود: 84] .

وفي سورة الشعراء وردت بلفظ: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) } [الشعراء: 177 - 179] .

وفي سورة العنكبوت وردت بلفظ: {فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36] .

ويلاحظ أن شعيبًا عليه السلام قد ابتدأ الدعوة بالإيمان؛ لأن به صلاح الاعتقاد والقلب، وإزالة الزيف من العقل 55، وذلك أمر مهم لتلقي ما بعده.

وآيتا الأعراف وهود صريحتان في الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وتأتي الآيات في سورة الشعراء، مكملة لذلك بالدعوة إلى تحقيق التقوى والطاعة المطلقة لله ولرسوله شعيب عليه السلام، وذلك شامل للرسالة كلها، ذاك أن التقوى على مراتب أدناها اتقاء الشرك بالله، ثم امتثال الأوامر واجتناب النواهي 56.

وأما آية العنكبوت فنجد فيها التذكير باليوم الآخر: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ} [العنكبوت: 36] .

ذاك لأن العبادة هي سر وجود الإنسان، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .

ومن ضيع سر وجوده فقد ضاع منه كل شيء، ومن حكم الشعر:

لكل شيء إذا ضيعته عوض

وليس لله إن ضيعت من عوض

وأمره إياهم بأن يرجوا اليوم الآخر يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين بالبعث، لأن المراد بالرجاء هنا: الترقب واعتقاد الوقوع في المستقبل 57، ولأن عبادة الله تعالى يرجى منها الخير في الدارين 58، فمن آمن بالبعث وباليوم الآخر صح رجاؤه 59.

ثالثًا: إقامة القسط في الكيل والميزان:

إن من أهم مقاصد رسالة شعيب عليه السلام ومن أبرز أهدافها بعد الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة: تصحيح ما كان عليه قومه من تطفيف الكيل والميزان، بل إن الدعوة إلى إقامة القسط في الكيل والميزان مما تميز به شعيب عليه السلام، وهو ظاهر في دعوته، بل هو أظهر شيء وأهمه بعد التوحيد كما ذكرنا.

وفي هذا يقول الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) } [الشعراء: 181 - 183] .

ونظائرها من الآيات التي تحدثت عن قصة شعيب مع قومه.

لقد كان هذا الخلق السيء ديدن قوم شعيب، وقد كان ذلك أمرا مألوفا عندهم، لا يرون فيه بأسًا ولا غضاضة، به طبعوا، وعليه درجوا، ولذا فقد رفضوا دعوة شعيب هذه، وقابلوها بالإعراض والإنكار، فقالوا ما حكاه الله تعالى عنهم: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود: 87] .

وقولهم: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} قالوه على طريق الاستهزاء، فهم ينكرون على شعيب منعه لهم عن التطفيف؛ لأن تلك أموالهم فهم يفعلون بها ما يشاءون!

والبخس هو النقص في آلة الكيل والوزن، وهو جرم اجتماعي، ويكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه ـ كما يقول القرطبي ـ وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل 60.

ودعامة إقامة القسط في الكيل والميزان دعامة هامة جدًا في تماسك النظام الاقتصادي، وإن الإخلال بها يؤدي إلى اضطراب في المجتمع، ويفقده الأمن والاستقرار، وبه تظهر الطبقية والاستبداد، وعن طريقه تؤكل أموال الناس بالباطل، ولذا فقد جاءت شريعتنا - وهي شريعة الكمال - آمرة بما أمر به شعيب عليه السلام، فقال تعالى في الوصايا العشر في أواخر سورة الأنعام: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] .

والملاحظ أن هذه الوصية أدرجت ضمن وصايا عظيمة، ابتدأها ربنا بالنهي عن الشرك والأمر ببر الوالدين، وبذلك تدرك موقع هذه الوصية ومدى خطورتها، ولا يخفى أن من أسباب عاصفة الأزمة الاقتصادية التي مرت بالناس هذه السنوات اختلال ميزان العدل الذي وضعه الله تعالى لعباده.

قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } [الرحمن: 7 - 9] .

والأمر والنهي هنا شامل للبشرية جمعاء، ذاك أن رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم عامة شاملة، ولا شيء عند الله تعالى أقبح من الظلم، ولذا فقد حرمه على نفسه سبحانه وتعالى، كما في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) الحديث 61.

لقد أوضح شعيب عليه السلام لقومه كيفية بناء الاقتصاد السليم، على أسس من الرزق الحلال، وترك المحرمات التي نهانا الله عز وجل عنها، ومن ذلك نستفيد في بناء اقتصادنا العملي -كما يقول الدكتور نواف الحليسي- بأن نبتعد عن كل ما نهى الله تبارك وتعالى عنه على ضوء تاريخنا الاقتصادي من خلال قصة شعيب عليه السلام، وبذلك تتضح لنا القواعد الأساسية في حياتنا الاقتصادية 62.

وأعلمهم بأن قليل الحلال خير وأعظم بركة من كثير الحرام، دل على هذا قوله تعالى: {بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} [هود: 86] .

فكم جر الحرام على أصحابه من نكبات وويلات، ومن يقف على بعض دواعي الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم هذه الأيام يدرك سر ذلك.

وإن نصح شعيب عليه السلام ليعد الدرس الأول في الاقتصاد التطبيقي من ناحية الوزن والكيل، الذي يؤثر في حياة الناس اليومية، وتعاملهم الاقتصادي والمالي والتجاري في مختلف المجالات التي تحتاج إلى إيفاء من الكيل والميزان، كي تستقيم المعاملات بين الناس 63.

رابعًا: النهي عن الفساد في الأرض:

لم يكن تطفيف الكيل والميزان هو الذنب الوحيد الذي كان عليه قوم شعيب عليه السلام بعد الشرك بالله، بل ثمة ذنوب أخرى لا تقل جرما عن ذنب التطفيف، لقد كان التطفيف والبخس والإفساد في الأرض، والصد عن سبيل الله أمورًا متلازمة، يقوم بها قوم شعيب عليه السلام، وكلها أمراض خطيرة، متى ما استشرت في قوم أفسدتهم، وألحقت الدمار بهم، ولذا فقد حذر شعيب الشفيق على قومه من مغبة ذلك، وبالغ في النصح لهم، وأمرهم بالكف عن هذه المساوئ.

قال تعالى على لسانه: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 85 - 86] .

والفساد -كما يقول الراغب- خروج الشيء عن الاعتدال، قليلًا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة، يقال: فسد فسادًا وفسودًا، وأفسده غيره 64.

فهي إذًا كلمة جامعة لصنوف الشر، فشملت الصد عن سبيل الله تعالى، والسلب وقطع الطريق، وأكل أموال الناس بالباطل، فقوله: {وَلَا تُفْسِدُوا} نهي عام عن دقيق الفساد وجليله ـ كما يقول ابن عطية ـ وكذلك الإصلاح عام 65، فكل أعمالهم التي نهاهم شعيب عليه السلام عنها كانت من الفساد في الأرض، فهي شاملة لإفساد نظام المجتمع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق بارتكاب الفواحش، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام 66، وكل ذلك مما يمقته الله ولا يحبه، قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] .

وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} شرط لحصول الخير والنفع الذي وعدوا به، وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان 67، ومن هنا ندرك سر ابتداء شعيب عليه السلام تبليغ رسالة ربه بالدعوة إلى الإيمان والتوحيد كما تقدم، كما هو شأن سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

أولًا: التكذيب والاستهزاء:

لقد أخلص شعيب عليه السلام النصح لقومه كما تقدم، ومن أهم ذلك أن ذكرهم بنعم الله تعالى، وأمر هذه الدعامة عظيم، ذاك لأن الشكر سبب مهم في دوام النعم وازديادها، كما أن الكفر سبب في انمحاقها واضمحلالها.

قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) } [إبراهيم: 7] .

وقد كان قوم شعيب عليه السلام في نعمة سابغة، لاسيما نعمة الأولاد الذين كثروا بهم بعد قلة، فخشي عليهم زوال تلك النعمة بما كانوا عليه من الاعوجاج والكفر والطغيان، فقال لهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] .

ومن المعلوم أن الشكر ليس قولا باللسان، إنما يقوم على دعامتين هما: نسبة النعم إلى المنعم جل جلاله، والاجتهاد في استعمالها في طاعته.

فما كان من قومه بعد هذا النصح والتذكير إلا أن يقابلوه بالسخرية والاستهزاء، وتكذيبه فيما جاء به من ربه، بل واتهموه بالسحر، تلك التهمة التي لم يسلم منها نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [الذاريات: 52 - 53] .

ومن ذلك قول قوم شعيب له عليه السلام: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) } [الشعراء: 185 - 186] .

وما كان من شعيب في الوقت نفسه إلا أن يقابل ذلك بالثبات على ما جاء به، والصبر على أذية قومه، وهذه سمة ظاهرة في حياة الأنبياء جميعا، وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم سيدنا النبي المصطفى صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، فقد شاءت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الحياة دار ابتلاء، وأن الكفر لم يزل يصارع الإيمان.

قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] .

فلم يكن شعيب عليه السلام بِدْعًا من الرسل في هذا، فلاقى من أذى قومه ما لاقى إخوانه الأنبياء عليهم السلام، وصبر كما صبروا.

قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) } [الأعراف: 88 - 89] .

ويلاحظ هنا تفويض شعيب الأمر إلى الله، حيث قال: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} ، وفي هذا إشارة إلى أن الأمر كله لله، إنه ليس ثمة خلود إلى الرجاء، ولكنه المزج بينه وبين الخوف، ثم يعلن عن اعتماده على الله تعالى وحده، {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} ، إنه التوكل الصادق، بعيدا عن العجب والغرور، إنه التعويل على فضل الله، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] .

هكذا كان شعيب عليه السلام وأتباعه، إنهم يعولون على فضل الله، غير متعلقين بشيء سواه.

ثم ما كان من شعيب عليه السلام بعد أن استنفذ كل ما يمكنه من وسائل النصح إلا أن يتوجه إلى الله تعالى ويصدق في اللجوء إليه، ويطلب الإغاثة منه بأن يفصل بينه وبين قومه الذين أصروا على العناد، فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .

وذلك بعد أن تبجح قومه فقالوا: {لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} ، ثم زاد تعنتهم وبالغوا في التكذيب والاستهزاء حتى سألوا العذاب، وقالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) } [الشعراء: 187] .

هنالك دعا شعيب عليه السلام ربه، فكان دعاء صادقا، اتسم بتفويض الأمر لله، ليقضي سبحانه وتعالى بما يشاء، وهذا ما وضحه بقوله: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) } [الشعراء: 188] .

ذلك هو دعاء شعيب، لم يعرف أنه دعا بنزول عذاب معين، بل ولا حتى نزول العذاب، ولكنه أحال الأمر إلى العزيز الحكيم، فكان فتحا مبينا ونصرا عظيما له ولمن آمن به، حيث قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } [الأعراف: 91 - 92] .

وهكذا ينتصر الله تعالى للصادقين من عباده، كما قال تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] .

كما سيأتي توضيحه في المبحث الرابع إن شاء الله تعالى.

ومما ينبغي أن يذكر هنا: أن قوم شعيب عليه السلام لم يكونوا كلهم كذلك، بل إن منهم طائفة قد آمنت بشعيب عليه السلام، وصدقت في اتباعه، إلا أنهم كانوا قلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت