أولًا: المعنى اللغوي:
شرك: قال ابن فارس: «الشين والراء والكاف أصلان، أحدهما يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة، فالأول الشركة، وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانا في الشيء، إذا صرت شريكه، وأشركت فلانا، إذا جعلته شريكا لك، قال الله جل ثناؤه في قصة موسى: {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) } [طه: 32] .» 1، وقد جاء بمعنى المخالطة 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه عبد المحسن قاسم بقوله هو: «دعوة غير الله معه» 3، أو هو: «مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله» 4، وقال ابو بكر الجزائري: هو ما ينافي التوحيد 5، وعرفه أ. د. سعد عاشور بأنه «اتخاذ الند مع الله تعالى سواء أكان هذا في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، أي: جعل شريك مع الله في التوحيد» 6، ويغلب هذه التعريفات الصبغة العقدية الصرفة، ولكن من خلال النظر في سياق القرآني الذي جاءت فيها ألفاظ الشرك يمكن القول بأن الشرك هو: «أن يكون مع الله ندًا أو مثيلًا فيما يخص الله من معتقد، أو عبادة، أو طاعة» .
العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي يتجه إلى المعنى الأول من المعاني اللغوية؛ إلا أنه يخص بجعل الشريك مع الله.
وردت مادة (شرك) في القرآن الكريم (169) مرة، يخص موضوع البحث منها (163) مرة 7.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 18 ... {أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} [الأعراف:173]
الفعل المضارع ... 52 ... {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26]
المصدر ... 5 ... {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:13]
الصفة المشبهة ... 3 ... {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } [الأنعام:163]
اسم ... 36 ... {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ} [الأنعام:100]
اسم فاعل ... 49 ... {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28]
وجاء الشرك في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 8:
الأول: الإشراك بالله، وهو أن يعدل به غيره، ومنه قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] . أي: لا تعدلوا به شيئًا سواه.
الثاني: الشرك في الطاعة من غير عبادة، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} [الأعراف: 190] . أي: جعلا إبليس شريكًا مع الله سبحانه.
الثالث: الرياء، ومنه قوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] . يعني: ولا يرائي.
الكفر:
الكفر لغة:
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي بسلاحه، وهو ضد الايمان، لأنه تغطية للحق 9.
الكفر اصطلاحًا:
«الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها» 10.
الصلة بين الكفر والشرك:
«أن الكفر اسم يقع على ضروب من الذنوب فمنها الشرك بالله» 11، فالشرك يتعلق بالله من ناحية التوحيد والعمل والطاعة، بينما الكفر يتعلق بالجحود والإنكار في نواحي الإيمان والنعم الإلهية، فبينهما عموم وخصوص، فكل مشرك كافر، وليس كل كافر مشرك.
الإلحاد:
الإلحاد لغة:
قال ابن فارس: اللام والحاء والدال أصل يدل على ميل عن استقامة، يقال: ألحد الرجل، إذا مال عن طريقة الحق والإيمان 12.
الإلحاد اصطلاحًا:
هو: «الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان» 13.
الصلة بين الإلحاد والشرك:
ولما كان الشرك أن يجعل لله ندًا، والالحاد حيودًا عن الحق وانحرافًا عن المعتقد كان الشرك وجهًا من وجوه الإلحاد، فالإلحاد أعم وأشمل من الشرك.
التوحيد:
التوحيد لغة:
من وحد يوحد توحيدًا، ووحد الشيء، أي: جعله واحدًا ونفى عنه التعدد 14، وقال ابن فارس: الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد 15، فالتوحيد نسبة الانفراد للشيء.
التوحيد اصطلاحًا:
عرفة الجرجاني بأنه «ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة» 16، وعرفة أبو بكر الجزائري بأنه: «نفي الكفء والمثل عن ذات الله وصفاته وأفعاله، ونفي الشريك في ربوبيته وعبادته عز وجل» 17.
الصلة بين الشرك والتوحيد:
في ضوء ما سبق من تعريف الشرك والتوحيد في اللغة والاصطلاح يتبين أن التوحيد والشرك في مسألة ما نقيضان لا يجتمعان، فإن أشرك في المسألة فهو غير موحد بها، وإن وحد نفى عن نفسه الشرك بها.
إن تنزيه الله عن الشرك واجب شرعي، بل وضرورة شرعية؛ فقد نزه الله نفسه عن الشرك، ونزهه جميع الرسل، كما نزهته الملائكة، وجميع المؤمنين من الثقلين، وقد تبرأ الله ممن أشرك به شيئًا، وفيما يلي تفصيل ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: تنزيه الله تعالى نفسه عن الشركاء:
لقد نزه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز نفسه عن الشركاء، وبين أنه الواحد الأحد، الذي يستحق من عباده الإيمان به، فهو المعبود الحق، الذي يجب أن نتوجه إليه بالعبادة، فلا يستحقها أحد غيره، ويمكن بيان ذلك فيما يأتي:
زعمت اليهود والنصارى أن الله سبحانه اتخذ لنفسه ولدًا.
قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) } [التوبة: 30] .
فرد الله عليهم في كتابه العزيز، مقيمًا الحجة عليهم، وداحضًا زعمهم الباطل في كثير من الآيات، قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) } [البقرة: 116] .
قال الزمخشري: «فالله سبحانه نزه نفسه عن ذلك، فكل ما في السموات والأرض هو خالقه ومالكه، ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح كلٌ له قانتون منقادون، لا يمتنع شيء منه تكوينه وتقديره ومشيئته، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد، ويجوز أن يراد كل من جعلوه لله ولدًا له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم» 18.
فالله سبحانه أحد لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، فمن كان له زوجة فهو ليس بإله ولا يستحق العبادة، كذلك من كان له ولد، لذلك دعا الله سبحانه أهل الكتاب إلى الانتهاء عن قولهم: إن الله ثالث ثلاثة، وتوعدهم إن لم ينتهوا عن ذلك بالعقاب الشديد.
قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) } [النساء: 171] .
فهذه الآية تبين حقيقة المسيح ابن مريم، أنه عبد الله رسوله، وأنه ابن مريم وليس ابنًا لله 19، فالمسيح من جملة قوله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فالجميع ملك لله، هو خالقهم ومدبر أمورهم، فكيف يكون ابنا لله؟! 20.
وفي قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) } [الأنعام: 100 - 101] .
قال البيضاوي: «وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه:
الأول: أنه من مبدعاته السموات والأرضون، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء نظيره، ولا نظير له فلا ولد.
الثاني: أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين، والله سبحانه وتعالى منزه عن المجانسة.
الثالث: أن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له لوجهين: الأول: أن كل ما عداه مخلوقه، فلا يكافئه. والثاني: أنه سبحانه وتعالى لذاته عالم بكل المعلومات: ولا كذلك غيره بالإجماع» 21.
وزعم مشركو العرب أن الملائكة بنات الله، قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) } [النحل: 57] .
فرد أباطيلهم بقوله: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) } [الإسراء: 40] .
قال ابن عطية: «هذا تعديد لقبح قول الكفار: الملائكة بنات الله، ورد عليهم من وجهين، أحدهما: نسبة النسل إلى الله تعالى عن ذلك، والآخر: أنهم نسبوا من النسل الأخس المكروه عندهم» 22.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [التوبة: 31] .
وصف الله اليهود والنصارى بضرب من الشرك بقوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} والأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا فيهم أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم 23.
وقد نزه الله تعالى نفسه عن الشركاء في الأمر والنهي، فقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
ونفى سبحانه وجود الشريك بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) } [المؤمنون: 91] .
ففي الآية دليل عقلي منطقي ينفي وجود الشريك أو المثيل لله، حيث نزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك، فلو قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما يخلق، فلا ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، وفي غاية الإتقان والتكامل، وهذا دليل على أن الإله واحد لا شريك له في ملكه، والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا، فأراد واحد تحريك جسم وأراد الآخر سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين، والإله لا يكون عاجزا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد. وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالًا، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الإله 24.
ويصدق ذلك قول الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) } [الأنبياء: 22] .
وقوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) } [الإسراء: 42 - 43] .
وقوله: {أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) } [الطور: 43] .
قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) } [يونس: 18] .
فالآية توضح أن المشركين اتخذوا مع الله شركاء، وظنوا أنهم سيشفعون لهم في الآخرة، فبين سبحانه أن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن له تعالى بالشفاعة، فهي ليست حقا لأحد، ولكنها عطاء ومنحة من الله تعالى، لذلك يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] 25، «فالشفاعة علاقة بين المشفوع والشفيع، فإذا كانت حقيقية فلا بد أن يعلم المشفوع بها» 26.
قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) } [طه: 109] .
وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [الأنبياء: 28] .
والحقيقة التي لا تقبل الشك، أن الله واحد أحد منزه عن الشركاء والوسطاء، وهذا ما دلت عليه النصوص، وقد نزه الله نفسه عن الشركاء في كتابه العزيز في أكثر من آية، وهذا بيان لها.
ثانيًا: تنزيه الملائكة الله تعالى عن الشركاء:
قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) } [سبأ: 40 - 41] .
فهذه الآية تبين أن الملائكة الكرام يتبرؤون يوم القيامة من المشركين، ومن عبادتهم إياهم، وينزهون الله تعالى أن يكون له شريك في العبادة، فلا موالاة بينهم وبين المشركين، بل إنهم كانوا يعبدون الشياطين الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وأكثر المشركين مصدقون للجن فيما يلقونه إليهم من الوساوس، ومنها الأمر بعبادة غير الله تعالى من الأصنام وغيرها 27.
ثالثًا: تنزيه الرسل الله سبحانه وتعالى عن الشركاء:
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) } [المائدة: 116 - 117] .
ففي الآية الكريمة بيان لقبح ادعاءات النصارى، وبيان لركاكة ما ذهبوا إليه من وصف الله تعالى بما لا يليق به سبحانه وهو اتخاذ الزوجة والولد، وجعلوا من ذلك دينا، فهذا سر سؤاله تعالى لعيسى عليه السلام على رؤوس الأشهاد، ليقر عليه السلام بالعبودية لله تعالى، وأنه ما أمرهم إلا ليعبدوا الله تعالى، إلهًا واحدا لا شريك له 28.
ويقول محمد رشيد رضا: «إن عيسى عليه السلام بدأ جوابه بتنزيه الله عز وجل عن أن يكون معه إله، فأثبت بهذا أنه على علم يقيني ضروري بأن الله تعالى منزه في ذاته وصفاته عن أن يشارك في ألوهيته» 29.
وقد ورد أيضًا ما يبين أن المرسلين قد نزهوا الله عن أن يشاركه أحد في التصرف في ملكه أو التحكم عليه.
قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) } [الإسراء: 90 - 93] .
فهذه الآية تشير إلى أن الرسول بشر، لا يأتي قومه إلا بالمعجزات التي يظهرها الله على يديه، وليس لأحد أن يحكم على الله تعالى، أو يتخير عليه 30.
قال الماتريدي: «وقوله عز وجل: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي} أمره أن ينزه ربه عن أن يكون لأحد الاحتكام عليه والحكم، والذي سألوه احتكام منهم على الله» 31.
وقال ابن عاشور في التحرير: «ولما كان اقتراحهم اقتراح ملاجة وعناد أمره الله بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة {سُبْحَانَ رَبِّي} التي تستعمل في التعجب، كما تقدم في طالع هذه السورة، ثم بالاستفهام الإنكاري، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا، أي: لست ربا متصرفا أخلق ما يطلب مني» 32.
فالدعوة إلى الله وحده وتنزيهه عن الشرك هي أعظم ما بعث من أجله المرسلون.
قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف: 108] .
ففي الآية بيان للسبيل الذي يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: الدعوة إلى الله على بصيرة، وتنزيه الله تعالى من الشركاء، والبراءة من المشركين 33.
قال ابن باديس: «وكان من سبيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يدعو الخلق إلى الله، وينزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون وتخيله المتخيلون، وهو معنى قوله: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ} ، فهو يدعوهم إلى الله الذي قد عرفوا وجوده بفطرتهم، وعرفوا أنه هو خالق الكون وخالقهم، لا يسميه إلا بما سمى به نفسه، ولا يصفه إلا بما وصف به نفسه، ويعرفهم بآثار قدرته، ومواقع رحمته، ومظاهر حكمته، وآيات ربوبيته وألوهيته، ووحدانيته في جلاله وسلطانه، وينزهه عن المشابهة والمماثلة لشيء من مخلوقاته لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهذا التنزيه- وإن كان داخلًا في الدعوة إلى الله - فإنه خصص بالذكر، لعظم شأنه؛ فإنه ما عرف الله من شبهه بخلقه، أو نسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو أشرك به سواه، وإن ضلال أكثر الخلق جاءهم من هذه الناحية، فمن أعظم وجوه الدعوة وألزمها، تنزيه الله تعالى عن الشبيه والشريك، وكل ما لا يليق» 34.
رابعًا: تنزيه المؤمنين الله عن الشركاء:
وقد نزه المؤمنون ربهم عز وجل عن الشركاء والأنداد، في معتقدهم وعبادتهم وولائهم.
قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } [آل عمران: 64] .
فهذه الآية الكريمة تناولت جوانب متعددة من الشرك التي وقع بها المشركون من أهل الكتاب، ونزه المؤمنون ربهم عنها، وبيانها فما يأتي:
1.ألا نعبد إلا الله.
2.أن لا نشرك به شيئًا.
3.أن لا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله.