فهرس الكتاب

الصفحة 2311 من 2431

النجوى

أولًا: المعنى اللغوي:

النجوى: اسم مصدر مأخوذ من مادة (ن ج و) قال ابن فارس: «النون والجيم والحرف المعتل أصلان، يدل أحدهما على كشط وكشف، والآخر على ستر وإخفاء 1.

والنجوى: السر بين اثنين، يقال: (ناجيته) ، و (تناجوا) و (انتجوا) ، وهو (نجي) فلان والجمع (أنجيةٌ) 2.

والنجي: هو المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له دون من سواه، ومنه موسى نجي الله 3.

وقد يطلق اسم (النجوى) ويراد به فعل المتناجي، كقوله تعالى: {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء:47] .

فجعلهم هم (النجوى) ، وإنما (النجوى) فعلهم، كما تقول: قوم رضا، وإنما الرضا فعلهم.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني في تفسيره: «والنجوى تقال للحديث الذي تفرد به اثنان فصاعدًا أو للقوم المتناجين» 4.

وباعتبار أن النجوى قد تكون في خير، وقد تكون في مقابل ذلك في شر، كما قررته آية النساء عند قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} [النساء:114] .

فإن التعريف الاصطلاحي لكلمة النجوى هو: المسارة بين اثنين فأكثر في خير أو في شر 5.

وردت مادة (نجو) في القرآن الكريم (83) مرة، يخص موضوع البحث منها (17) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة:12]

الفعل المضارع ... 2 ... {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} [المجادلة:8]

فعل الأمر ... 1 ... {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المجادلة:9]

المصدر ... 11 ... {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) } [طه:62]

اسم ... 1 ... {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف:80]

وجاءت النجوى في القرآن بمعناها في اللغة، وهو: السر بين اثنين 7. وناجيته أي: ساررته، وأصله أن تخلو به في نجوة من الأرض 8.

الخلوة:

الخلوة لغة:

« (الخلو) :الانفراد، (خلا) به أي: انفرد» 9، قال صاحب التهذيب: «ويقول الرجل للرجل: اخل معي حتى أكلمك، و (اخلني) حتى أكلمك أي: كن معي خاليًا» 10.

و (خلا) الشيء من باب سما، و (خلوت) به (خلوةً) و (خلاءً) و (خلا) إليه اجتمع معه في (خلوةٍ) ، قال الله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة:14] 11.

قال الزمخشري: «وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه» 12.

و (خلا) الرجل بصاحبه وإليه ومعه، عن أبي إسحاق (خلوًا وخلاءً وخلوةً) الأخيرة عن اللحياني: اجتمع معه في (خلوة) 13.

الخلوة اصطلاحًا:

المعنى الذي دل عليه لفظ خلا في بعض معانيه اللغوية، والسياق القرآني الذي جاء فيه، يدلان على أن خلوة أولئك المختلين كانت من أجل الإسرار بكلام لا يحبون أن يطلع عليه أحد من المؤمنين،14 فهي كقوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه:62] .

الصلة بين الخلوة والنجوى:

اتحدت كلمة خلا مع كلمة النجوى في بعض معانيها في اللغة، واتحدا أكثر حسب السياق القرآني الذي جاءت فيه هذه الكلمة بصيغتيها (خلو) و (خلا) .

السر:

السر لغة هو:

ما يكتم في النفس من الحديث، وهو خلاف الإعلان، والجمع الأسرار، يقال: سررته: كتمته 15.

السر اصطلاحًا هو:

اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها 16.

الصلة بين والسر والنجوى:

النجوى فيها إسرار، فهي صورة من صور السر، فالصلة بينهما صلة عموم وخصوص.

الإخفاء:

الإخفاء لغة:

الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد 17.

والإخفاء اصطلاحًا هو:

الستر ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها 18.

الصلة بين الإخفاء والنجوى:

الإخفاء أعم، يشمل الحديث وغيره، تقول: أخفيت الدرهم في الثوب. ولا تقول: كتمت ذلك، والنجوى تقال للحديث الذي تفرد به اثنان فصاعدًا أو للقوم المتناجين.

الجهر:

الجهر لغة:

جهرت الشيء إذا كشفته، وجهرته واجتهرته أي: رأيته بلا حجاب بيني وبينه، والجهر العلانية وفي الحديث (وكان عمر رجلًا مجهرًا) 19 أي: صاحب جهرٍ ورفع لصوته، والجهر هو ما ظهر وهو رفع الصوت يقال: جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها 20.

الجهر اصطلاحًا:

هو «رفع الصوت بحيث يسمع نفسه ومن جاوره» 21.

الصلة بين الجهر والنجوى:

أن الجهر خلاف النجوى، وهو إظهار المعنى للنفس ورفع الصوت به.

أولًا: علم الله بأحوال المتناجين:

لا يخفى على القارئ للآيات المتعلقة بالنجوى ـ والتي عرضت في المبحث أعلاه ـ أن كلا من الأخبار والأحكام التي جاء لفظ النجوى في سياقها هي تعبير واضح عن علم الله الواسع.

فكل خبر أخبرنا الله تعالى من خلاله عن المتناجين ونجواهم، مع حرصهم الشديد على توخي السر والستر والكتمان؛ ليدل دلالة قاطعة أن من أخبر عن كل تلك الأحداث بتفاصيلها ليعلم كل شيء.

كما أن الحكم لا يمكن أن يكون له واقع إلا إذا علم بأصل القضية، وجوهر المسألة التي سيصدر من أجلها ذلكم الحكم، فكان العلم بكل ذلك شرط لصدور الأحكام المناسبة، والله تعالى قد شرع تلك ما يتعلق بالنجوى من أحكام وهو يعلم أحوال أصحابها، وملابساتهم، ومن ثم فإن كل الأحكام التي تضمنتها آيات النجوى أيضا تدل على واسع علم الله عز وجل.

وقد قرر الله تعالى أنه يعلم بكل المتناجين، وبكل ما يتناجون به فقال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) } [المجادلة:7] .

قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره، يقول جل ثناؤه: فكيف يخفى عليَّ من كانت هذه صفته؟! أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم، ثم وصف جل ثناؤه قربه من عباده وسماعه نجواهم، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم، فيتحدثونه سرًا بينهم، فقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ} من خلقه {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} ،يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} يقول: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم كذلك {وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ} يقول: ولا أقل من ثلاثة {وَلَا أَكْثَرَ} من خمسة، {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} إذا تناجوا {أَيْنَ مَا كَانُوا} يقول: في أي موضع ومكان كانوا. وعني بقوله: {هُوَ رَابِعُهُمْ} بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه» 22.

وهذا ما أجمع عليه السلف من أئمة السنة، قال ابن كثير: «ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء» 23.

وهذه الآية قد جاءت في سياق آية ابتدأها الله تعالى بالعلم واختتمها بالعلم.

قال القرطبي: « {إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} يعلم ويسمع نجواهم، يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم» 24.

ليستدل بذلك كله على علمه تعالى بأي متناج وبأي نجوى، مهما أسرها أصحابها، ومهما أخفوها عن غيرهم، ومهما قل عددهم أو كثر، فهو معهم يعلم سرهم ونجواهم، كما قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) } [التوبة:78] .

قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ورسوله سرًا، ويظهرون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهرًا {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} الذي يسرونه في أنفسهم، من الكفر به وبرسوله {وَنَجْوَاهُمْ} يقول: {وَنَجْوَاهُمْ} إذا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله، وذكرهم بغير ما ينبغي أن يذكروا به، فيحذروا من الله عقوبته أن يحلها بهم، وسطوته أن يوقعها بهم، على كفرهم بالله وبرسوله، وعيبهم للإسلام وأهله، فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه {وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} يقول: ألم يعلموا أن الله علام ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسهم، مما أكنته نفوسهم، فلم يظهر على جوارحهم الظاهرة، فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب، ويزجرهم عن إضمار غير ما يبدونه، وإظهار خلاف ما يعتقدونه» 25.

بل إن الله سبحانه يعلم أكبر من ذلك، وعلى علم بما يخفى عن غيره، فهو تعالى يعلم ما في السماوات وكل ما في الأرض بأدق تفاصيله قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) } [الأنعام:59] .

قال ابن جرير: «يقول تعالى ذكره: ولا تسقط ورقةٌ في الصحاري والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} يقول: ولا شيء أيضًا مما هو موجود، أو مما سيوجد ولم يوجد بعد، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسوم عدده ومبلغه، والوقت الذي يوجد فيه، والحال التي يفنى فيها» 26.

ولعل الكفار الذين لا يؤمنون بالله عز وجل ولا بأسمائه ولا بصفاته قد ظنوا أن الله تعالى لا يعلم سرهم ونجواهم، فهم يخفون أسرارهم عن غيرهم من البشر، ويعتقدون أن لا أحد غيرهم يعلم بأمرهم وسرهم {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) } [النساء:108] .

فأبطل الله تعالى تصورهم وبين سوء ظنهم وقبح اعتقادهم فقال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) } [الزخرف:80] .

قال ابن جرير: « {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} يقول: أم يظن هؤلاء المشركون بالله أنا لا نسمع ما أخفوا عن الناس من منطقهم، وتشاوروا بينهم وتناجوا به دون غيرهم، فلا نعاقبهم عليه لخفائه علينا.

وقوله: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} يقول تعالى ذكره: بل نحن نعلم ما تناجوا به بينهم، وأخفوه عن الناس من سر كلامهم، وحفظتنا لديهم، يعني: عندهم يكتبون ما نطقوا به من منطق، وتكلموا به من كلامهم» 27

وجلى الله هذا العلم ـ علمه الواسع ـ حينما فضح من عادوا إلى التناجي بعد أن نهوا عنه وهم اليهود والمنافقون، وبين أنواع تناجيهم، فوبخهم على تعمد ذلك، وذمهم لرجوعهم إليه، مما يوضح شدة تمردهم وطغيانهم، وإلحاحهم على التناجي، رغم أن الله قد بين لهم أنه يعلم سرهم ونجواهم.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) } [المجادلة:8] .

ثانيًا: علم الله بمقاصد الشيطان من النجوى:

لم يترك الله تعالى أمر النجوى يمر دون أن يذكر ما للشيطان من يد في واقع المتناجين، وما له من تأثير على مشاعر المؤمنين، موضحًا مقصده من أز المنافقين والكفار إلى التناجي، وإن كان المؤمنون وغيرهم لا يعلمون أن الشيطان بوسوسته كان وراء فعل الكافر، وأيضا كان وراء ما حدث للمؤمن من تأثر بفعل نجواهم، وهذا ما بينه الله عز وجل حينما قال: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) } [المجادلة:10] .

قال ابن كثير: «أي: إنما النجوى-وهي المسارة-حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا {مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه» 28.

ولا شك أن النجوى التي يكون الشيطان سببا فيها، هي ما تكون بالإثم والعدوان، لا التي فيها البر والإحسان، فلا تعم جميع أنواع النجوى، كما قال الفخر الرازي: «الألف واللام في لفظ النجوى لا يمكن أن يكون للاستغراق؛ لأن في النجوى ما يكون من الله ولله، بل المراد منه المعهود السابق وهو النجوى بالإثم والعدوان، والمعنى أن الشيطان يحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التي هي سبب لحزن المؤمنين» 29.

وليس ما يشعر به المؤمن من الحزن قاصر على نجوى المنافقين واليهود، بل إن ما يلقيه الشيطان من الحزن في قلب المؤمن، هو ناتج عن كل نجوى حصلت في حضرة من انعزل الناس دونه يتناجون، بغض النظر عن دين من يتناجى، سواء كان كافرًا أو مؤمنًا؛ لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تناجي اثنين دون الثالث فما رواه عبد الله بن مسعود حينما قال: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه) 30.

فالشيطان بوساوسه حاضر في كل نجوى، إذا كان سيحقق من خلالها ما به يدخل الحزن على المؤمن، فهو بتزيينه لأمر النجوى، وحمل الناس على فعلها يسهل وقوعها، فيجني ثمرة الإيقاع بالمؤمن في الغيظ والحزن؛ مما ينتج عنه التباغض والتنافر، وإن كان مقصد الشيطان من النجوى قد يتعدى ذلك الحزن إلى أغراض أخرى، ليست مقصورة على محاولة إيقاع الحزن في قلوب المؤمنين، يقول ابن عاشور: «لأن الأغراض التي يتناجون فيها من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه؛ ليحزن الذين آمنوا بما يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى، وهذه العلة ليست قيدًا في الحصر فإن للشيطان عللا أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية» 31.

لذلك فإن إخبار الله تعالى بأحوال المتناجين، وبيانه لمقصد الشيطان من تناجي المتناجين، وما وقع في قلب المؤمنين من الحزن؛ ليعد دليلًا واضحًا على سعة علمه، وإحاطته بكل شيء ولو كان في كوامن القلوب.

ثالثًا: علم الله بما يشعر به المؤمنون عند تناجي المتناجين:

لقد أخبر الله عز وجل عن تسبب الشيطان في حصول النجوى بتزيين شأنها، وتهوين أمرها، ولم يكتف بذلك إنما تعداه بذكره تعالى لما تحدثه تلك النجوى في قلوب المؤمنين.

فشعور المؤمن بالحزن من تناجي المتناجين قد علمه الله، وإن حاول المؤمن إخفاءه، ولم يستطع أحد إدراكه والتحقق من وقوعه؛ لأنه يتعلق بالشعور الذي مكمنه في القلب، لكن الله علمه فبينه ووضحه وجلاه، وأعطى الاطمئنان لمن وقع في قلبه.

قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} .

قال الشوكاني في تفسيره: «إنما النجوى -يعني: بالإثم والعدوان ومعصية الرسول -من الشيطان لا من غيره، أي: من تزيينه وتسويله؛ ليحزن الذين آمنوا أي: لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها، وليس بضارهم شيئا أو: وليس الشيطان أو التناجي الذي يزينه الشيطان بضار المؤمنين شيئًا من الضرر إلا بإذن الله أي: بمشيئته، وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوضونه في جميع شؤونهم، ويستعيذون بالله من الشيطان، ولا يبالون بما يزينه من النجوى» 32.

فالله عز وجل برحمته بالمؤمنين وحبه لهم لم يشأ أن يقع ذلك كله بهم إلا اختبارًا وابتلاءًا لهم؛ حتى يصدقوا في توكلهم على الله، وفي ذلك يقول القرطبي: « {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانًا ولو شاء لصرفه عنه» 33.

فازداد المؤمن يقينًا ألا أحد يمكن أن يضرهم إلا بقدر الله ومشيئته، وليس ما يوسوس لهم به الشيطان وما يقذفه في قلوبهم من الحزن، قال السعدي: «يقول تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى} أي: تناجي أعداء المؤمنين بالمؤمنين، بالمكر والخديعة، وطلب السوء من الشيطان، الذي كيده ضعيف ومكره غير مفيد {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} هذا غاية هذا المكر ومقصوده، {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} فإن الله تعالى وعد المؤمنين بالكفاية والنصر على الأعداء، وقال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43] .

فأعداء الله ورسوله والمؤمنين، مهما تناجوا ومكروا فإن ضرر ذلك عائد إلى أنفسهم، ولا يضر المؤمنين إلا شيء قدره الله وقضاه {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي: ليعتمدوا عليه ويثقوا بوعده، فإن من توكل على الله كفاه، وتولى أمر دينه ودنياه» 34.

فرفع الله بهذه الآية ما كان يقع في قلوب المؤمنين من الحزن، وبين لهم أن هذا من تزيين الشيطان ومكره السيئ بالكفار، فطمأنهم أن ضرر الشيطان غير لاحق بهم، ومكر الكفار لن يطولهم، وأمرهم بالتوكل عليه والاستعاذة به.

قال ابن عطية: «ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحدًا إلا أن يكون ضر بإذن الله، أي: بأمره وقدره. ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك وتعالى، وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما هو الذي وقع منه للمؤمنين خوف» 35.

وهكذا أسدلت هذه الآيات الستارة على ما كان يعانيه المؤمنون من الأحزان؛ بسبب ما كان يقذفه الشيطان في قلوبهم، نتيجة سعيه الحثيث بوساوسه المتواصلة أن يقع التناجي من أعداء هذا الدين ويكثر، ففضح الله أمر إبليس وبين مقصده وغايته، وحدد أعوانه، كما أنه جل وعلا وصف العلاج الناجع للقضاء على ظاهرة تناجي الكفار لإضعاف المسلمين، بإرشادهم إلى وجوب التوكل عليه سبحانه؛ لأنه هو العاصم من كل القواصم، وتنبيههم إلى أن الضرر لن يلحق بهم إلا بمشيئة الله وإذنه، فكبت بهذا البيان الواضح الكفار، وأكد ضعف كيد الشيطان، وطمأن المؤمنين لأنهم أولياء الرحمان.

الكثير من النجوى كما بين ذلك الله تعالى في كتابه لا تكون إلا مذمومة، ولا تكون إلا في الشر وسوء الصنيع، لكنه تعالى استثنى من ذلك الكثير نجوى أخرى محمودة، رغب فيها الله عز وجل وأرشد إليها، وجعل الأجر الكبير في ابتغائها.

ففي سورة النساء قوله سبحانه: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء:114] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت