فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 2431

فإيمانهن بالله ورسوله وحبهن لله ورسوله جعلهن يرضين بهذه القسمة، ولولا ذلك لدخل في أنفسهن حزن، ولكنهن -رضي الله عنهن جميعًا- تقبلن هذا بالرضا والتسليم. وبهذا ندرك أهمية الإيمان ومكانته في القلوب.

ومن خلال الآيات السابقة وتأويل المفسرين لها يتبين لنا أن علاج الحزن هو الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر، والأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وسائر أعمال الطاعة، وإصلاح القلب والعمل، وتقوى الله في السر والعلن، وترك ما حرم الله من الشرك والكبائر والصغائر.

ثانيًا: التقوى:

«التقوى: هي ترك ما تهوى لما تخشى» 185 بهذا عرفها الإمام أحمد.

وقال طلق بن حبيب: «التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نورٍ من الله، تخاف عقاب الله» 186.

وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه 187.

وحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالآمر وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالناهي وخوفًا من وعيده 188.

والتقوى من علاجات الحزن وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك، فقال: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف:35] .

أي: يا بني آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم من البشر يتلون عليكم آياتي التي أنزلها عليكم لبيان ما آمركم به من صالح الأعمال وترك ما أنهاكم عنه من الشرك والرذائل وقبيح الأعمال، فمن اتقى منكم ما نهيته عنه، وأصلح نفسه بفعل ما أوجبته عليه؛ فلا خوف عليهم من عذاب الآخرة، ولا هم يحزنون حين الجزاء على ما فاتهم 189.

قال ابن كثير: « (? ? ?) أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات» 190.

وقال السعدي: «لما أخرج الله بني آدم من الجنة، ابتلاهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم يقصون عليهم آيات الله ويبينون لهم أحكامه، ثم ذكر فضل من استجاب لهم، وخسار من لم يستجب لهم فقال: (? ?) ما حرم الله، من الشرك والكبائر والصغائر، (?) أعماله الظاهرة والباطنة (? ? ?) من الشر الذي قد يخافه غيرهم (? ? ?) على ما مضى، وإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، والسعادة، والفلاح الأبدي» 191.

وذكر الله سبحانه وتعالى أيضًا أن المتقين هم الفائزون، الذين لا خوف عليه ولاهم يحزنون.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک) [الزمر:61] .

أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله (ژ) أي: يوم القيامة (ژ ڑ ڑ) أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع مزحزحون عن كل شر مؤملون كل خير 192.

يقول السعدي: «ولما ذكر حالة المتكبرين، ذكر حالة المتقين، فقال: (? ? ? ? ?) أي: بنجاتهم، وذلك لأن معهم آلة النجاة، وهي تقوى الله تعالى، التي هي العدة عند كل هول وشدة. (ژ) أي: العذاب الذي يسوؤهم (ژ ڑ ڑ) فنفى عنهم مباشرة العذاب وخوفه، وهذا غاية الأمان.

فلهم الأمن التام، يصحبهم حتى يوصلهم إلى دار السلام، فحينئذ يأمنون من كل سوء ومكروه، وتجري عليهم نضرة النعيم، ويقولون: (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [فاطر:34] » 193.

فالله سبحانه ينجي من جهنم وعذابها، الذين اتقوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه في الدنيا 194.

يقول المراغي: « (? ? ? ? ?) أي: وينجّي الله من عذاب جهنم الذين اتقوا الشرك والمعاصي وينيلهم ما يبتغون، ويعطيهم فوق ما كانوا يؤملون.

(ژ ژ ڑ ڑ) أي: لا يمسهم أذى جهنم ولا يحزنون على ما فاتهم من مآرب الدنيا، إذ هم قد صاروا إلى ما هو خير منه، نعيم مقيم، في جنات تجري من تحتها الأنهار، ورضوان من الله أكبر.

وخلاصة ذلك: أنهم أمنوا من كل فزع، وبعدوا من كل شر، وفازوا بكل خير» 195.

كما أنّ الله تعالى ذكر أن المتّقي يجعل له من كل همّ فرجًا، ومن كلّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كلّ بلاءٍ عافية، ومن كل عسر يسرًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب.

قال تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [الطلاق:2 - 3] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الطلاق:4] .

قال الرّبيع بن خثيم: «يجعل له مخرجًا من كلّ ما ضاق على النّاس» 196. وكذلك يكفر الله سيئاته ويعظم أجره، ويضاعف حسناته؛ (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الطلاق:5] .

قال ابن كثير: «أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثّواب على العمل اليسير» 197.

ومن كان هذا ثوابه وهذه الفضائل والمكرمات جزاؤه فكيف يحزن، ولم يحزن؟! جعلنا الله من المتقين.

ومما يتبين لنا أن التقوى علاج للحزن ما ذكره ابن القيم عندما ذكر مراتب التقوى فقال: «التّقوى ثلاث مراتب إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرّمات، الثّانية: حميتها عن المكروهات، الثّالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى: تعطي العبد حياته، والثّانية: تفيده صحّته وقوته، والثّالثة: تكسبه سروره وفرحه وبهجته» 198.

وبعد الذي سبق ندرك أن التقوى وإصلاح القلب والعمل من علاجات الحزن، وهذه هي العلاجات الربانية الشافية، مع ما تقدم من الإيمان والعمل الصالح.

ثالثًا: الاستقامة:

الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم، من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك 199.

وعرفها القشيري فقال: «الاستقامة هي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلال بشيء من أقسامها» 200.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «أصل الاستقامة استقامة القلب على التّوحيد» 201.

والاستقامة ذكرها الله سبحانه وتعالى في موطنين على أنها سبب في عدم الخوف والحزن، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [فصلت:30] .

وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحقاف:13] .

أي: وحدوا الله تعالى وآمنوا به، ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعته سبحانه وتعالى، إلى أن توفوا على ذلك 202.

أي: إن الذين جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الدين التي هي منتهى العمل، وثمّ للتراخي الرتبي فالعمل متراخي الرتبة عن التوحيد، وقد نصوا على أنه لا يعتد به بدونه (? ? ?) من لحوق مكروه (? ? ?) من فوات محبوب 203.

وقد فسر الصحابة رضي الله عنهم الاستقامة في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) ، بالتوحيد، وأداء الفرائض، والاستجابة للأمر والنهي، وإخلاص العمل لله تعالى:

سئل صدّيق الأمّة وأعظمها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم استقامة أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال: «ألّا تشرك باللّه شيئا» ، يقول ابن القيم معلقًا على هذا: «يريد الاستقامة على محض التّوحيد» 204.

وقال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه: «الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنّهي، ولا تروغ روغان الثّعالب» ، وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «استقاموا: أخلصوا العمل لله» . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس -رضي الله عنهما-: «استقاموا: أدوا الفرائض» . وقال أيضًا ابن عباس: «أخلصوا له الدّين والعمل. وقال فيها: استقاموا على طاعة اللّه» 205.

وهذه الاستقامة لا تكون في حال دون حال بل يكون حال صاحبها دائمًا عليها حتى يلقى ربه، وهذا هو الذي يفهم من الآية، يقول القشيري: « (? ?) : ثم حرف يقتضي التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا يكونون مستقيمين، ولكن معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخر أحوال كونهم مكلّفين» 206. ويقول الألوسي: «أي داوموا على الاستقامة دوامًا متراخيًا ممتد الأمد وتلك الاستقامة هي المعتبرة لا ما هو منقطع إلى ضده من الحيد إلى الهوى والشهوات» 207. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «أعظم الكرامة لزوم الاستقامة» 208.

وقد رتب الله على الاستقامة ثمارًا عظيمة يجد صاحبها ذلك في حياته وعند مماته وبعد مماته؛ ومنها:

-تتنزل عليه الملائكة عند الموت تبشره بالجنة.

-لا خوف عليه من فزع يوم القيامة وأهواله.

-لا يحزن على ما فاته ولا ما خلفه بعد مماته.

-يعيش مطمئنًّا هادئ البال؛ لأنه قائم بما أمره الله به.

وهذا ما دلت عليه الآيتان السابقتان.

يقول الإمام الطبري: « (? ? ? ? ?) الذي لا إله غيره (? ?) على تصديقهم بذلك فلم يخلطوه بشرك، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيه (? ? ?) من فزع يوم القيامة وأهواله (? ? ?) على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم» 209.

ويقول القشيري: «من كان له أصل الاستقامة أمن من الخلود في النار، ومن له كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن يلحقه سوء بحال» 210.

فالإيمان والاستقامة سببان في الاطمئنان النفسي، والراحة القلبية، وهما علاجٌ شافٍ للهم والحزن، ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى قرنهما معا في الآيتين السابقتين، وختم كلا الآيتين بأنهم لا خوف عليه ولا هم يحزنون.

رابعًا: الإحسان:

(الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) 211، هكذا عرفه النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد جاءت كلمة الإحسان في القرآن الكريم كلمة جامعة بحيث شملت الحياة كلها، كعلائق الإنسان بخالقه جل وعلا، وعلائقه بالمخلوقات قاطبة، ومن ذلك قول الله تعالى: (چ چ چ ? ?) [النحل:90] .

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: «أجمع آية في القرآن لخير أو لشر» 212.

والإحسان في العلاقة بين العبد وربه وبينه وبين خلقه من أسباب ذهاب الحزن، والله سبحانه وتعالى قد وعد من أحسن أنه لا خوف عليه ولا حزن، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:112] .

ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية التي قبل هذه أن اليهود والنصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان منهم، (? ? ? ? ? ? ? ? ? ) ، فرد الله عليه بقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:111 - 112] .

فاليهود والنصارى حكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أماني غير مقبولة، إلا بحجة وبرهان، وهكذا كل من ادعى دعوى، لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا، فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى 213.

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) .

المعنى: بلى إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنّة (? ? ? ?) من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره. وإنما عبر عن النفس بالوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء، ومجمع المشاعر، وموضع السجود، ومظهر آثار الخضوع. أو المعنى: من أخلص توجهه وقصده، بحيث لا يلوي عزيمته إلى شيء غيره (? ?) في عمله، موافق لهديه صلى الله عليه وسلم، وإلا لم يقبل، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) 214. (? ? ? ?) وهو عبارة عن دخول الجنة، وتصويره بصورة الأجر للإيذان بقوة ارتباطه بالعمل.

(? ? ?) من لحوق مكروه (? ? ?) من فوات مطلوب 215.

فرحمة الله ليست خاصة بشعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بينه سبحانه وتعالى بقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) 216.

قال الطنطاوي: «وقوله تعالى: (? ? ?) المراد به اتجه إليه، وأذعن لأمره، وأخلص له العبادة، وأصل معناه الاستسلام والخضوع. وخص الله تعالى الوجه دون سائر الجوارح بذلك، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة، فإذا خضع الوجه الذي هو أكرم أعضاء الجسد فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعًا.

وقوله تعالى: (? ?) من الإحسان، وهو أداء العمل على وجه حسن أي: مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف. والمعنى: ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله، وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن، فإنه يدخل الجنة، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) » 217.

وعند قراءة الآية نجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر الله التوحيد والإيمان الخالص ولم يحمل عليه الوعد بالأجر عند الله تعالى واستحقاق الكرامة في دار المقامة إلا بعد أن قيده بإحسان العمل، فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) ، وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان بعمل الصالحات، كقوله: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [النساء:123 - 124] .

فنفى أماني المسلمين كما نفى أماني أهل الكتاب، وجعل أمر سعادة الآخرة منوطًا بالإيمان والعمل الصالح معًا 218.

يقول سيد قطب: «هنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد. إنما هو الإسلام والإحسان، لا الاسم والعنوان (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) » 219.

ثم قال: «و (? ? ? ? ? ?) . . فأخلص ذاته كلها لله، ووجّه مشاعره كلها إليه، وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة .. (? ? ? ?) . هنا تبرز سمة الإسلام الأولى: إسلام الوجه-والوجه رمز على الكل-ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم. الاستسلام المعنوي والتسليم العملي. ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: (? ?) . . فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي .. بذلك تستحيل العقيدة منهجًا للحياة كلها وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) . الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم .. والأمن الموفور لا يساوره خوف، والسرور الفائض لا يمسه حزن .. وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعًا. فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة» 220.

والآية ذكرت جزاء من أسلم وجهه لله وهو محسن بأن أجره على الله ولا خوف عليه ولا حزن، (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) ، فضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما مضى مما يتركونه 221.

وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتي:

-إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة.

-بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة، إلا إذا أسلموا وجوههم لله، وأحسنوا له العمل فيكون ذلك ترغيبًا لهم في الإسلام، وبيانًا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة، لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة.

-بيان أن العمل المقبول عند الله تعالى يجب أن يتوفر فيه أمران:

أولهما: أن يكون خالصًا لله وحده.

ثانيهما: أن يكون مطابقًا للشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإسلام 222.

-المحسن أشرح الناس صدرًا وأطيبهم نفسًا، وأنعمهم قلبًا 223.

ونخلص من هذا أن الإحسان جزاؤه عظيم، والمتصف به موعود بالأجر الكثير، وأنه لا خوف عليه ولا حزن، وهذا هو الذي يسعى إليه الناس ويرجونه.

خامسًا: ولاية الله عز وجل:

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب وتبغض ما يبغض وتكره ما يكره وتسخط ما يسخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي» 224.

ومن كان وليًّا لله سبحانه وتعالى فلا شك ولا ريب أن المعية الإلهية تحوطه وتحفظه وتسدده، ويعيش عيشة مطمئنة، لا خوف فيها ولا حزن، ولا هم ولا غم، ولا نكد ولا كدر.

يقول الله تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) } [يونس:62] .

أي: إن أولياء الله الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده والتوكل عليه ولا يتخذون له أندادًا يحبونهم كحبه، ولا يتخذون من دونه وليًّا ولا شفيعًا يقربهم إليه زلفى {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الآخرة مما يخاف منه الكفار والفساق والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الآخرة {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} من لحوق مكروه أو ذهاب محبوب، ولا يعتريهم ذلك فيها، لأن مقصدهم نيل رضوان الله المستتبع للكرامة والزلفى، ولا ريب في حصول ذلك ولا خوف من فواته بموجب الوعد الإلهي 225.

يقول السعدي: «يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم، وثوابهم فقال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فيما يستقبلونه مما أمامهم من المخاوف والأهوال.

{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما أسلفوا، لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا كانوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا الله تعالى» 226.

وقال الإمام الشوكاني: «والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين؛ كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته، وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } [يونس:63] .

أي: يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه» 227.

وقال الدكتور إبراهيم هلال: «وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي ومشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أولياء أعداء الله وأعداء الشيطان» 228.

ثم إن من شرط ولاية الله سبحانه وتعالى هو أن يؤمن الإنسان بالله وبرسوله وأن يتبع الرسول في الظاهر والباطن، وكل من يدعي محبة الله وولايته بدون متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كاذب.

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] .

وذكرت الآية جزاء هؤلاء فقال الله سبحانه وتعالى: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

قال أبو السعود: « {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الدارين من لحوق مكروهٍ، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} من فوات مطلوب، أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك، لا أنه يعتريهم، لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزنٌ أصلًا، بل يستمرون على النشاط والسرور، كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظامًا لجلال الله سبحانه وهيبته واستقصارًا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواصّ والمقرّبين، والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما، كما يوهمه كون الخبر في الجملة الثانية مضارعًا لما مر مرارًا من أن النفي إن دخل على نفس المضارع يفيد الاستمرار والدوام بحسب المقام، وإنما يعتريهم ذلك؛ لأن مقصدهم ليس إلا طاعة الله تعالى ونيل رضوانه المستتبع للكرامة والزّلفى، وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال لفواته بموجب الوعد بالنسبة إليه تعالى، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهي بمعزل من الانتظام في سلك مقصدهم وجودًا وعدمًا حتى يخافوا من حصول ضارّها أو يحزنوا بفوات نافعها» 229.

ولعلنا ندرك كذلك مكانة الولاية وعظيم نفعها عندما نقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) 230.

فولي الله إذا حزبه أمر أو نزل به كرب أو ألمت به حاجة فهو دائمًا ملتجئ إلى الله يسأله ويستعيذه ويطلب منه ما يريد، يقول ابن دقيق العيد: «قوله: (ولئن استعاذني لأعيذنه) يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين» 231.

سادسًا: الشكوى إلى الله:

الحياة لا تخلو من مصائب ومحن، وقد تزيد على الإنسان فلا يجد بدًّا من شكواها؛ ليخفف عن نفسه، وينفس من كربه، وفي سير الأنبياء والصالحين دروس للمصابين، فقد شكوا ما أصابهم إلى ربهم، فعاد عاقبة ذلك سكون القلب وتفريج الكرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت