فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 2431

قال الشوكاني: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: من شأنه وعظمته وجودة ألفاظه وقوة مبانيه وبلاغته واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب، أنه لو أنزل على جبل من الجبال الكائنة في الأرض لرأيته مع كونه في غاية القسوة وشدة الصلابة وضخامة الجرم {خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا} أي: متشققًا من خشية الله سبحانه حذرًا من عقابه وخوفًا من أن لا يؤدي ما يجب عليه من تعظيم كلام الله، وفيه توبيخٌ وتقريعٌ للكفّار حيث لم يخشعوا للقرآن، ولا اتّعظوا بمواعظه، ولا انزجروا بزواجره، والخاشع: الذّليل المتواضع 33.

إذن فعلى من يريد أن يصل إلى درجة الخشوع أن يتدبر آيات القرآن الكريم، وكيفية التدبرأن يقرأ الآيات بتأمل وتفكر وعناية، حتى يصلح قلبه ويأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه، وهناك وسائل للوصول إلى التدبر منها: إدراك القارئ بأنه مخاطب بالقرآن وآياته، والاهتمام بالتأني في التلاوة، والتعرف على أسباب النزول ومواضع الوقف والابتداء، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، ومعرفة المعنى الإجمالي للآيات، والاهتمام بالقراءة الشمولية لآيات القرآن وقصصه وحواراته، والاهتمام بالمناسبات والروابط بين الآيات والسور.

ثالثًا: ذل العذاب.

من الأسباب الموجبة للخشوع ذل عذاب الكفار والمنافقين، وهذا الخشوع هو الذي يقع يوم القيامة، وهو الذي يكون لونًا من ألوان عذابهم، وحينها لا يقع منهم اختيارًا، وإنما يكون إجبارًا، وهذا اللون من الخشوع يختلف عن الخشوع الذي يقع من المؤمنين في الدنيا، وقد ورد هذا في أكثر من آية من الآيات التي تتحدث عن الخشوع.

ففي سورة الشورى يقول الله عز وجل: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) } [الشورى:45] .

قال ابن كثير: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي: على النار {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} أي: الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله تعالى {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} قال مجاهد: يعني: ذليل، أي: ينظرون إليها مسارقة خوفًا منها والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك 34.

وقال ابن عاشور في وصف الظالمين المشركين يوم القيامة: والمراد بالخشوع في هذه الآية: ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة، و «من» للتعليل، أي: خاشعين خشوعًا ناشئًا عن الذل، أي: ليس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية؛ لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا 35.

وقريب منه كلامه حينما يفسر آية القمر يقول: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} أي: ذليلة ينظرون من طرف خفي لا تثبت أحداقهم في وجوه الناس، وهي نظرة الخائف المفتضح، وهو كناية؛ لأن ذلة الذليل وعزة العزيز تظهران في عيونهما 36.

ومن هذا القبيل قوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) } [القلم:43] .

وفي آية سورة المعارج {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} قال الشوكاني: والخشوع: الذّلّة والخضوع، أي: لا يرفعونها لما يتوقّعونه من العذاب {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: تغشاهم ذلّةٌ شديدةٌ 37.

وفي أكثر من آية يفسر ابن كثير الخشوع بالذلة ففي آية {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) } [النازعات:8 - 9] .

أي: أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال.

وفي قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) } [الغاشية:2 - 3] .

أي: ذليلة، قاله قتادة، وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها 38.

أما المسلم فإذا أدرك ذلك حقًّا اجتهد في دنياه وفي وقت العبادة خاصة بالتذلل لله عز وجل فينحني بظهره وجبهته لله سبحانه، يحسن التفكر في عظمة الله وكبريائه وسلطانه وملكوته، ويتذكر ذنوبه وتقصيره في حق ربه، فيتذلل بفقره ويظهر احتياجه لله وحده قائلًا: (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) 39.

والمسلم الذي يجتهد في دنياه ليحصل هذا الخشوع ويعتاده بين يدي ربه عز وجل يجنبه الله خشوع الذل في الآخرة، وخشوعه في الآخرة يكون خشوع تكريم، واستيضاحًا لذلك نقرأ قول ابن كثير: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب عز وجل فيسجد له المؤمنون ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كلما أراد أحدهم أن يسجد خرّ لقفاه عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون 40.

إذن نستطيع أن نقول: إن معرفة ذل العذاب الذي يلحق المنافقين والكفار والمشركين في الآخرة، وتدبر ذلك سبب يدفع المسلم إلى بذل الجهد في الخشوع والتذلل لله في الدنيا، وتعظيمه حق قدره ومقداره، والخوف الدائم له سبحانه عله يجنبه خشوع الآخرة.

والتذلل في الصلاة واستحضار القرب من الله في السجود من الأسباب التي تدفع المسلم إلى الخشوع والاستكانة والتذلل لله، وخاصة حال السجود؛ لأنه أعلى درجات الاستكانة، وأبرز حالات الخضوع لله القوي القاهر.

وأشد أوقات القرب من الله عند المسلم هي أوقات السجود، ففيه يستحضر القلب معنى القرب من خالق الخلق، وحين ينتاب المسلم في صلاته وسجوده هذا الشعور يخضع ويخشع.

والسجود أقرب وقت وموضعه أقرب موضع لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب ورفع الدرجات. قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19] .

إذن فالتذلل في الصلاة واستحضار القرب من الله في السجود سبب موصل إلى خشوع العبد لربه وخالقه، وجنبًا إياه ذل عذاب الآخرة، بل هو رافع بمشيئة الله درجاته فيها.

ورب سائل يسأل: هل خُصَّ الخشوع الذي ورد في آيات القرآن الكريم بمواطن معينة؟

والجواب: نعم، فمن يستقرئ الآيات بروية وتدبر يدرك أن الآيات خصت الخشوع بمواطن، ورد فيها أشد تأكيدًا في مواطن ثلاثة، نتحدث عنها في النقاط الآتية:

أولًا: الخشوع في الصلاة:

الخشوع في الصلاة من أهم الأسباب لحصول الفائدة المرجوة منها، وهو لب الصلاة وقلبها النابض، وبدونه ربما لا يحصل المصلي الأجر كاملًا.

والخشوع له أهمية كبرى في الصلاة، وتكمن هذه الأهمية في أنه عبادة جليلة تجعل في الصلاة روحًا تسري، وهو صفة من صفات المؤمنين التي يتوقف عليها فلاحهم، وفي ذلك ورد قول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } [المؤمنون:1 - 2] .

يورد ابن كثير حينما يفسر هذه الآية قول محمد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم، إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } [المؤمنون:1 - 2] .

خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. قال محمد بن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض، والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها واشتغل بها عما عداها وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين 41.

وقد عدّ الخشوع في الصّلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين الّذين يرثون الفردوس، وبيّن أنّ من لم يتّصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصّلاة في قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [البقرة:45] 42.

ويفصل ابن عاشور في ذلك فيقول: وتقييده هنا بكونه في الصلاة لقصد الجمع بين وصفهم بأداء الصلاة وبالخشوع، وخاصة إذا كان في حال الصلاة؛ لأنّ الخشوع لله يكون في حالة الصلاة وفي غيرها، إذ الخشوع محلّه القلب، فليس من أفعال الصلاة ولكنه يتلبس به المصلي في حالة صلاته، وذكر مع الصلاة لأن الصلاة أولى الحالات بإثارة الخشوع وقوّته؛ ولذلك قدمت، ولأنه بالصلاة أعلق، فإن الصلاة خشوع لله تعالى وخضوع له، ولأن الخشوع لما كان لله تعالى كان أولى الأحوال به حال الصلاة، لأن المصلي يناجي ربه فيشعر نفسه أنه بين يدي ربه فيخشع له 43.

والمعنى: قد فاز وظفر بالمطلوب، أولئك المؤمنون الصادقون، الذين من صفاتهم أنهم في صلاتهم خاشعون، بحيث لا يشغلهم شيء وهم في الصلاة عن مناجاة ربهم. وعن أدائها بأسمى درجات التذلل والطاعة 44.

مظاهر الخشوع في الصلاة:

ومن مظاهر الخشوع: أن ينظر المصلي وهو قائم إلى موضع سجوده، وأن يتحلى بالسكون والطمأنينة، وأن يترك كل ما يخل بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشيء من جسده 45.

ومن المظاهر: التذلل في الصلاة واستحضار القرب من الله في السجود؛ فالقيام والركوع والسجود في الصلاة من الأسباب التي تدفع المسلم إلى الخشوع والاستكانة والتذلل لله، وخاصة حال السجود؛ لأنه أعلى درجات الاستكانة، وأبرز حالات الخضوع لله القوي القاهر.

وأشد أوقات القرب من الله عند المسلم هي أوقات السجود، ففيه يستحضر القلب معنى القرب من خالق الخلق، وحين ينتاب المسلم في صلاته وسجوده هذا الشعور يخضع ويخشع.

والسجود أقرب وقت وأقر بموضع لإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب ورفع الدرجات. قال الله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه هو ساجد، فأكثروا الدعاء فيه) 46.

إذن فالتذلل في الصلاة واستحضار القرب من الله في السجود سبب موصل إلى خشوع العبد لربه وخالقه.

حكم الخشوع في الصلاة:

حري بنا ونحن نتحدث عن موطن الخشوع في الصلاة أن نشير ولو بإيجاز إلى حكم الخشوع في الصلاة، وآراء الفقهاء في ذلك، فنقول:

اختلف العلماء في حكم الخشوع؛ هل هو من فرائض الصلاة، أو من سننها، أو من شروط صحتها؟

فمن العلماء من قال بوجوب الخشوع في الصلاة، ومنهم من قال: بل هو من سننها.

فممن قال بوجوبه الإمام الغزالي في الإحياء، وتابعه فريق من العلماء، ومنهم ابن تيمية حين قال في الفتاوى:

دل كتاب الله عز وجل على من كبر عليهما يحبه الله أنه مذموم بذلك في الدين، مسخوط منه ذلك، والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم. وإذا كان غير الخاشعين مذمومين، دل ذلك على وجوب الخشوع.

ثم يقول في موضع آخر: فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة 47.

واعتبره القرطبي من فرائضها حين قال: اختلف الناس في الخشوع؛ هل هو من فرائض الصلاة أو مكملاتها على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب، وهو أول عمل يرفع من الناس 48.

وحكى النووي الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب 49.

وفي شرح أصول الفقه الشافعي: «ومن سنن الصلاة الخشوع، وترتيل القراءة وتدبرها، وتدبر الذكر، والدخول فيها بنشاط وفراغ القلب 50.

وقال في المجموع: المسألة الثالثة: يستحب الخشوع في الصلاة، والخضوع، وتدبر قراءتها، وأذكارها، وما يتعلق بها، والإعراض عن الفكر فيما لا يتعلق بها، فإن فكر في غيرها، وأكثر من الفكر، لم تبطل صلاته لكن يكره 51.

ولكن هل هذا الحكم من العلماء حكم للإجزاء أو حكم للقبول؟ الذي يظهر أن هذا الحكم منهم حكم الإجزاء وليس حكم القبول.

وجعله الرازي شرط صحة لا شرط قبول، حيث قال: إن الحضور عندنا ليس شرطًا للإجزاء، بل شرط للقبول، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء، والمراد من القبول حكم الثواب، والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب، وغرضنا في هذا المقام هذا، أي: حكم الثواب 52.

وفي حكم صلاة من عدم الخشوع قال ابن القيم: فإن قيل: ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع، هل يعتد بها أم لا؟

قيل: أما الاعتداد بها في الثواب: فلا يعتد بها، إلا بما عقل فيه منها، وخشع فيه لربه، ثم ينقل قول ابن عباس: (ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها) 53.

وفي المسند مرفوعًا: (إن العبد ليصلي الصلاة، ولم يكتب له إلا نصفها، أو ثلثها، أو ربعها حتى بلغ عشرها) 54.

فقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح 55.

إذن فالخشوع في الصلاة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبه يتحقق للمسلم الراحة والطمأنينة والتفكر والتدبر، فتسكن نفسه ويطمئن قلبه وينشرح صدره، وتتحقق الغاية المرجوة من صلاته.

والسؤال الذي يرد على فكر الكثير من المصلين والمسلمين: كيف يحصل المسلم الخشوع في الصلاة؟

الخشوع في الصلاة يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين 56.

وقال في الكشاف: وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يحدّث نفسه بشأن من شؤون الدنيا، وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها، ومن الخشوع أن يستعمل الآداب وذكر من ذلك توقي كف الثوب والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم والسدل والفرقعة والتشبيك وتقلب الحصى 57.

وبالجملة فمن يعظم ربه عز وجل ويستحضر عظمته، ويتذكر وقوفه بين يديه للحساب، ويتذكر كذلك مروره على الصراط، ويتفكر حاله حينما يذهب إلى القبور وضعه في القبر وترك المشيعين له وحيدًا لا أنيس ولا جليس، اللهم إلا عمله الذي قدمه، ويتفكر في هذا كله وهو مقدم على الدخول في الصلاة، فيفرغ قلبه وفكره من شواغل الدنيا، ويعتبر نفسه كأنه ميت بين يدي مغسله، حينها ينعم الله عليه بالخشوع في صلاته فينتفع بها، ويحقق مطلوبه فيها.

والخشوع محله القلب وتظهر آثاره على الجوارح، قال ابن القيم: وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره 58.

وسيأتي تفصيل تلك المسألة إن شاء الله تعالى عند الحديث عن خشوع الجوارح، وبالتحديد عند حديثنا عن خشوع القلب.

ثانيًا: الخشوع عند ذكر الله:

كذلك من المواطن التي يتأكد فيها الخشوع عند ذكر الله وقراءة القرآن الكريم.

قال الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) } [الحديد:16] .

أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه 59.

والمقصود من قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور المؤمنين يومئذٍ بمكة، فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة القرآن، وإما أن يكون تحريضًا للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذر من التقصير، والخشوع: الاستكانة والتذلل، و {لِذِكْرِ اللَّهِ} ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم، أو هو الصلاة، و {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} القرآن ... ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفًا له بأنه ذكر الله وتعريفًا لنفعه بأنه نزل من عند الله، وأنه الحق، ومعنى الخشوع لأجله: الخشوع المسبب على سماعه وهو الطاعة والامتثال 60.

ولب الخشوع عند ذكر الله من يتيقن الرجوع إليه سبحانه.

قال الشيخ محمد عبده في هذا اليقين: ثمّ وصف الخاشعين وصفًا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة به فقال: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:46] .

أي: الّذين يتوقّعون لقاء الله تعالى يوم الحساب والجزاء وأنّهم إليه راجعون، بعد البعث لا مرجع لهم إلى غيره 61.

وفي النفس الخاشعة الإيمان بلقاء الله تعالى الذي يجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بجزاء مايعمل، ولذلك ذكر إيمان الخاشعين بلقاء الله تعالى، فقال تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} والظن بمعنى العلم اليقيني، ولكن التعبير عن العلم بالظن يفيد مع اليقين توقع الأمر المعلوم، فمعنى {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} أنهم يتوقعون هذا اللقاء وقتًا بعد آخر.

فهم يؤمنون إيمانًا صادقًا بلقاء الله، ويترقبون ذلك اللقاء، وينتظرونه متوقعين له، فيقينهم يقين المتوقع المترقب، فيكون في قلوبهم دائمًا، ويستعدون له بعمل صالح يقدمونه رجاء أن يغفر لهم، وأن يتغمدهم برحمته، ويكفر عنهم سيئاتهم 62.

والحديث عن الخشوع عند ذكر الله يجعلنا نستحضر آيتين أخريين لهما أثر بالغ في معالجة هذا الجانب، الآية الأولى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) } [الأنفال:2] .

وبالتأمل في الآية الكريمة نجد أن أول وصف من الأوصاف التي تحقق الإيمان الكامل هي وجل القلب عند ذكر الله؛ لأنه يستشعر عظمة الله وجلاله، ويتذكر وعده ووعيده، فيخاف قلبه وتضطرب روحه، والوصف الثاني هو ازدياد الإيمان عند تلاوة كتابه الكريم؛ لأنه حينئذ تزداد الأدلة لديه، وتقوى الحجة، فيزداد قوة في إيمانه، ورسوخًا في عقيدته.

قال صاحب الظلال: إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر باللّه في أمر أو نهي، فيغشاه جلاله، وتنتفض فيه مخافته، ويتمثل عظمة اللّه ومهابته، إلى جانب تقصيره هو وذنبه، فينبعث إلى العمل والطاعة ... إنها حال ينال القلب منها أمر يحتاج إلى الدعاء ليستريح منها ويقر! وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حين يذكر بالله في صدد أمر أو نهي؛ فيأتمر معها وينتهي كما يريد الله، عز وجل {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}

فالقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيمانًا، وما ينتهي به إلى الاطمئنان، إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة، كما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانًا 63.

والآية الثانية قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23] .

والمعنى: أنه كتاب متشابه الأعجاز والأطراف، متشابه في المعنى والغرض، والصحة ودقة الحكم، وتتبع منافع الناس، وهو كتاب يشبه بعضه بعضًا وتثنى فيه القصص والمواعظ والأحكام، أي: تعاد وتكرر بمنتهى البلاغة وروعة التصوير ودقة التعبير.

هذا وصفه في نفسه، فإذا سمعه المؤمنون اقشعرت منهم الجلود، واضطربت منهم القلوب، ووجلت منهم النفوس، إذا سمعوا وعيد اللّه، ورأوا بعيون البصيرة ما أعد للمكذبين الكفار دمعت عيونهم وخشعت أصواتهم، واقشعرت جلودهم، ثم تلين قلوبهم وتسكن حينما يسمعون ذكر رحمة اللّه بالمؤمنين، تفرح نفوسهم، وتنشرح صدورهم إلى ذكر فضله على المؤمنين يوم لقائه 64.

وهكذا المؤمن كلما ذكر ربه عليه أن يزين ذكره بالخشوع له سبحانه يتفكر في الذكر بفكره، ويعيشه بقلبه، كل الذكر، فحينما يذكر إذا استيقظ من نومه «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» يتفكر في الحمد وفي قدرة الله عليه في الإماتة والإحياء، وإذا سبح يعيش التسبيح بفكره وقلبه، وإذا هلل يفكر في وحدانية الله وأنه المستحق للعبادة وحده، وأنه الرزاق وحده، وإذا أقدم على فعل شيء تفكر وأيقن أن الله هو النافع الضار، وهو بيده مقاليد الأمور.

فذكره سبحانه يمنح النفس خشوعًا وخضوعًا، وتسليمًا لله عز وجل.

فلا يأبه بما يدور حوله، ولا تشغله الدنيا ولا مفاتنها؛ لأنه مشغول بما هو باقٍ فلا يأبه بالفاني، وهكذا كأنه يعيش وسط الجماعة بجسده لكنه قلبًا وفكرًا مع ربه عز وجل

ثالثًا: الخشوع عند مواقف القيامة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت