فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 2431

البصر

أولًا: المعنى اللغوي:

البصر من الجذر (ب ص ر) ويعني العين، أو حاسة الرؤية، والجمع أبصار.

يقال: أبصرت الشيء رأيته، والبصير خلف الضرير، والبصر العلم، وبصرت بالشيء: علمته وهو نفاذ في القلب.

ويقال: بَصُرَ بَصَرًا وبَصَارَةً، واستبصر في أمره ودينه إذا كان ذا بصيرةٍ.

والبصيرة اسمٌ لما اعتقد في القلب من الدين، وحقيق الأمر، وهي العلم والخبرة، أو هي البرهان.

والتبصر: التأمل والتعرف، والتبصير: التعريف والإيضاح، والبصير هو العالم 1،.

صوأصل كل المعاني وضوح الشيء 2.

ومما سبق يتضح أن البصر ورد بمعنى العين وحاسة الرؤية، والعلم، والنور، ويشترك في كل المعاني الوضوح والإدراك.

ثانيًا: البصر اصطلاحًا:

عرفه بعض العلماء «أنها القوة المودعة في العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان ثم تفترقان، فيتأديان إلى العين تدرك بها الأضواء والألوان والأشكال» 3، والبصيرة هي قوة في القلب تدرك بها المعقولات، بمثابة البصر للنفس يرى به صور الأشياء وظواهرها، وهي التي يسميها الحكماء العاقلة النظرية، والقوة القدسية 4.

وقد نخلص إلى أن البصر هو تلك القوة الربانية التي أوجدها الله في عيني الإنسان ليدرك بها ما حوله، وأودعها في قلبه وعقله ليميز بين الخبيث والطيب، ويختار لنفسه الطريق الصحيح.

ووردت مادة (بصر) في القرآن الكريم (148) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام:104]

الفعل المضارع ... 25 ... {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) } [هود:20]

فعل الأمر ... 4 ... {وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) } [الصافات:175]

المصدر ... 1 ... {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) } [ق:8]

اسم الفاعل ... 8 ... {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} [النمل:13]

الصفة المشبهة ... 51 ... {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) } [فصلت:40]

اسم ... 55 ... {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) } [الإسراء:36]

وجاء البصر في القرآن على ثلاثة وجوه 6:

الأول: بصر العين: ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف:96] .

الثاني: بصر القلب: ومنه قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198) } [الأعراف:198] . يعني: بقلوبهم.

الثالث: بصر الحجة والبرهان: ومنه قوله: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) } [طه:125] . يعني: بصيرًا بالحجة.

النظر:

النظر لغة:

تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته 7، قال ابن فارس: « (نظر) النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد، وهو تأمل الشيء ومعاينته» 8.

والنظر يقع على الأجسام والمعاني، فما كان بالأبصار فهو للأجسام، وما كان بالبصائر كان للمعاني 9.

النظر اصطلاحًا:

«تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، وقد يراد به التأمل والفحص، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروية» 10.

الصلة بين النظر والبصر:

يوجد تقارب كبير في المفردتين، فهما يشتركان في معنى الرؤية العينية، والعلم، وكذلك يشتركان في مفهوم الانتظار.

الرؤية:

الرؤية لغة:

وتعني إدراك المرئي والإقبال بالبصر نحوه، قد يدرك وقد لا يدرك؛ ولذلك قد ينظر الشخص ولا يرى المرئي، وعليه فيجوز أن يقال لله تعالى: إنه راءٍ، ويقال: إنه ناظر.

الرؤية اصطلاحًا:

هو «المشاهدة بالبصر حيث كان في الدنيا والآخرة» 11.

الصلة بين الرؤية والبصر:

المفردتان متقاربتان؛ لأنهما تشتركان في معنيي العلم والمشاهدة بجارحة النظر.

العمى:

العمى لغة:

«هو ذهاب البصر» 12.

العمى اصطلاحًا:

هو «ضد البصر والبصيرة» 13.

الصلة بين العمى والبصر:

المفردتان متضادتان، فالبصر هو الرؤية والعلم والنور، أما العمى فهو عكسه.

أولًا: تقديم السمع على البصر في مواضع:

تقدم السمع على البصر في العديد من المواضع القرآنية، كقوله عز وجل: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7] .

وقوله تعالى: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] .

قال ابن عجيبة: «قدم في جميع القرآن نعمة السمع على البصر لأنه أنفع للقلب من البصر، وأشد تأثيرًا فيه، وأعم نفعًا منه في الدين، إذ لو كانت الناس كلهم صمًا، ثم بعثت الرسل، فمن أين يدخل عليهم الإيمان والعلم؟ وكيف يدركون آداب العبودية وأحكام الشرائع؟ إذ الإشارة تتعذر في كثير من الأحكام» 14.

وقد ذكر الشعراوي ما رآها أسبابًا لتقديم السمع على البصر في القرآن الكريم، وهي:

-كون السمع هو أول حاسة تعمل في جسم الإنسان، فهو يسمع بمجرد ولادته بخلاف البصر.

-يقظة السمع في كل الأوقات، فالبصر ينام في الليل، والأذن لا تنام، وهي الوسيلة التي تتنبه للأصوات فيستيقظ صاحبها بسببها، وقد امتن الله تعالى على أصحاب الكهف فأنام أسماعهم حتى لا تزعجهم الأصوات، (فَضَرَبْنَا عَلَى? آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) [الكهف: 11] 15.

وقد نبه بعض المتكلمين في فضل السمع على البصر على أن البصر يعتمد على الضوء، ولا رؤية في الظلام، بينما السمع يعمل دون الحاجة إلى شيء، ثم بينوا أن من العلماء من فضل البصر على السمع، وقد استندوا إلى أن أفضل النعيم النظر إلى الرب تعالى وهو يكون بالبصر، والذي يراه البصر لا يقبل الغلط، بخلاف ما يسمع، فإنه يقع فيه الغلط والكذب والوهم، فمدرك البصر أتم وأكمل، وقالوا: إن محله أحسن وأكمل وأعظم عجائب من محل السمع، وبهذا يظهر شرف البصر وفضله 16.

قال ابن تيمية: «والتحقيق: أن السمع أوسع والبصر أخص وأرفع، وإن كان إدراك السمع أكثر، فإدراك البصر أكمل» 17.

ثانيًا: إفراد السمع، وجمع البصر:

أما إفراد السمع وجمع البصر في كثير من الآيات فله حكمة بينها بعض العلماء، قال ابن عجيبه: «وإنما أفرده (يعني السمع) ، وجمع الأبصار والأفئدة لأن متعلق السمع جنس واحد، وهي الأصوات، بخلاف متعلق البصر، فإنه يتعلق بالأجرام والألوان، والأنوار والظلمات، وسائر المحسوسات، وكذلك متعلق القلوب معاني ومحسوسات، فكانت دائرة متعلقهما أوسع مع متعلق السمع» 18.

وقد بين الشعراوي أن السبب في إفراد السمع وجمع البصر كون الأذن ليس لها غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين غطاءً يسدل عليها ويمنع عنها المرئيات، فالسمع واحد لي ولك وللجميع، الكل يسمع صوتًا واحدًا، أما المرئيات فمتعددة، فما تراه أنت قد لا أراه أنا، وقد وردت بعض الاستثناءات في ذلك، فقد جاء البصر مفردًا في قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .

لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلابد أن يكون واحدًا 19.

-أثبت الله تعالى لنفسه البصر، وأوجب علينا الإيمان ببصره وبجميع صفاته عز وجل كالسمع والخبرة وغير ذلك، كما غلب في القرآن اقتران اسم الله البصير بالسميع والخبير خاصةً، وسيأتي بيان ذلك فيما يلي:

أولًا: صفة البصر في حق الله تعالى:

تقررت صفة البصر لله تعالى فيما يقارب المائة آية، حيث ختمت كثير من الآيات بفاصلة: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110] .

وفاصلة: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] .

وفاصلة: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9] .

وقد أكد المولى عز وجل تفرده بالصفات العلا، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .

قال الإمام أبو حنيفة: «لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه» 20.

ثم قال بعد ذلك: «وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا» 21.

والذي يتوجب علينا نحن المسلمين هو الإقرار بما ورد، والإيمان بما صح من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا إلحاد ولا تعطيل، بل نذعن ونسلم بذلك، مع إيمان ويقين، ونثبته إثبات وجود بلا تكييف ولا تمثيل، ومن ذلك صفة العين لله تعالى، فقد أثبتها في قوله عز وجل: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] .

وقوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] .

وغيرها من المواضع 22.

وفي الآيات الكريمة يثبت الله سبحانه لنفسه عينًا يرى بها جميع خلقه مهما بعدوا أو لطفوا، فلا تؤثر على رؤيته الحواجز والأستار، قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] .

والرؤية بالعين صفة حقيقية لله عز وجل على ما يليق به، فلا يقتضي إثباتها كونها جارحة مركبة من شحم وعصب وغيرهما، فهي غير جسم ولا جوهر ولا عرض، فلا يعرف لها ماهية ولا كيفية، وقد فسر المعطلة تلك العين بأنها كناية عن الحفظ والرعاية الربانية، وهذا نفي صريح وتعطيل لصفة من صفات كمال الله عز وجل التي لا ينبغي في حقها إلا التصديق والتسليم 23.

وقد عاب الله تعالى على المشركين عبادتهم لما لا يسمع ولا يبصر، فقد قال عز وجل على لسان نبيه إبراهيم: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42] .

أقول: إن لم يكن في إثبات صفة السمع والبصر لله عز وجل غير ما قاله نبي الله إبراهيم في هذه الآية لكفتنا.

قال السعدى: « (البصير) الذي يبصر كل شيء، وإن رق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ويبصر ما تحت الأرضين وما فوق السماوات السبع، وأيضًا بصير بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته» 24.

وقال ابن القيم: «البصير الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة، وأعضائها، ولحمها، ودمها، ومخها، وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء» 25.

ثانيًا: حكمة اقتران اسم الله البصير بالسميع والخبير في القرآن:

ذكر ابن القيم: «أن لاقتران صفات الله في الآيات قدرًا زائدًا على مفرديهما، فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر» 26.

ولعل في ذكر السميع والبصير في كثير من الفواصل القرآنية دلالة تأكيدية على علم الله الذي يشمل كل شيء، المسموعات والمرئيات ودواخل النفوس.

تأمل قول الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] .

ففي الآية تشجيع على العمل لاستحقاق ثواب الدنيا والآخرة، ولو أفرد الله تعالى السمع مثلًا لدخل في النفس أن الأعمال التي تجعله أهلًا للثواب هي المسموعة فقط، كالذكر والدعاء .. الخ، أما مع اقتران البصر مع السمع تأكد لنا أن الله تعالى يحكم بناءً على كل أعمالنا، ما يسمع منها وما يبصر، فلا يخفى عليه مثقال ذرة، وهو العليم بكل أفعالنا، وفي اقترانهما تكامل يقرر الإحاطة الشاملة والقدرة المطلقة له عز وجل على مراقبة أعمال العباد.

وقد اقترن ذكر البصر مع اسم الله الخبير في بعض الآيات، كقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] .

ولا يخفى تجانس إدراك الأبصار، واطلاعه عليها، وعلى ما تطلع عليه مع الخبرة التي تفيد بإحاطته علمًا بكل معلوم 27.

والخبير كما وضح ابن القيم: «هو الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها، ولعل من الإبداع اقتران الأبصار التي تدرك الظواهر باسم الله الخبير الذي يدرك البواطن» 28.

-نعم الله تعالى عظيمة، من أهمها نعمة البصر، ومن كمال الشكر الاعتناء بهذه الحاسة، واستعمالها فيما يرضي خالقها، وسنتحدث عن هذه الأمور في السطور الآتية:

أولًا: نعمة الإيجاد:

أوجد الله تعالى لنا نعمة من أجل وأعظم النعم، قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ?2?) [الإنسان: 2] .

وقد ذكر الله عباده بهذه النعمة العظيمة في عدة مواضع، منها قوله عز وجل: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ? قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ?23?) [الملك: 23] .

وقوله تبارك وتعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ? لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78] .

وقوله تعالى: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ? وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ? قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) [السجدة: 9] .

فقد خلق الله تعالى أداة الإبصار في دقة متناهية، وجعلها مكونة من طبقات ثلاث، الأولى للحماية الخارجية، والثانية هي المشيمية التي تغذي شبكية العين وتمدها بالأوكسجين، والثالثة هي الشبكية، وهي الطبقة التي تحتوي على المستقبلات الضوئية والمسئولة عن البصر، حيث إنها تستقبل الضوء الواقع عليها وتحوله لإشارات كهربائية تنتقل عن طريق الألياف العصبية البصرية، كما تحتوي العين على جسم هلامي كروي شفاف يحافظ على رطوبتها، وكذلك على القرنية والقزحية التي تعطي العين لونها الجميل ويتوسطها البؤبؤ، وفيها نظام دمعي يضمن سلامة العين، وفيها مجموعة من العضلات التي تتحكم بحركة العين للأعلى والأسفل، واليمين والشمال، وتتبادل أدوارها ببالغ الدقة والروعة والتكامل ودون أدنى جهد من البشر، كيف لا تكون كذلك وهي هبة الخالق القادر العظيم تبارك وتعالى وتنزه عن كل نقص 29.

قال عز وجل: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى? قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَ?هٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ? انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام: 46] .

ثانيًا: شكر نعمة البصر:

يعتبر شكر النعم سجيةً من سجايا المحمودين؛ ذلك لأن الكثير من الناس يرفلون بآلاء الله التي لا تعد ولا تحصى، إلا أنهم كثيرو الغفلة عنها، ولا يستشعرونها إلا إذا افتقدوها، وهنا يتضح البون ويظهر فضل الشاكرين على الجاحدين، وقد أمر الله عز وجل عباده أن يتأدبوا بأدب الشكر، يقول تبارك وتعالى مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن بعده أمته: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الزمر: 66] .

وقد حبب الله تعالى إلى عباده أدب الشكر، بأن جعله سببًا لزيادة النعم.

قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7] .

يقول السعدي في تفسيره: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ) «أي على ما أنعمت عليكم بهذه النعم، ودفعت عنكم صنوف النقم، والشكر يكون بالقلب إقرارًا بالنعم واعترافًا، وباللسان ذكرًا وثناءً، وبالجوارح طاعةً لله وانقيادًا لأمره واجتنابًا لنهيه، فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة» 30.

وقد امتن المولى عز وجل علينا بنعمة البصر التي لا تقدر بثمن، ولا تقاس بمقياس، فمن خلالها ينتقل المجهول إلى حيز المعلوم، وبها يدرك الإنسان ما حوله، فيميز الجميل من القبيح ويتتبع سلوك البشر، فيعي ببصره الفرق بين الحق والباطل، ولعل من أهم طرق شكر هذه النعمة العظيمة هو استخدامها فيما يرضي الله عز وجل، ومن هذا:

-التدبر في الكون ومخلوقاته.

-تأمل كتاب الله تعالى والاستبصار به.

-الإحسان إلى الناس بالنظرة العطوفة مع حسن الإصغاء.

-تجنب النظر إلى ما حرم الله تعالى من صور أو أفلام، وغض البصر عما لا يحل.

وقد وصف الله المكذبين بأنهم قليلو الشكر، قال تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9] .

فمن وفقه الله وسدده كان شاكرًا لأنعم الله عليه، عاملًا بهذا الشكر، ومن حرمه الله ذلك فقد خذل وخسر خسرانًا مبينًا 31.

يقول القشيري: «وشكرهم عليها استعمالها في طاعته، فشكر السمع ألا تسمع إلا بالله ولله، وشكر البصر ألا تنظر إلا بالله ولله» 32.

المعنى أن يكون السمع والبصر بحق الله، ومراعاة حرماته، وهدفه إرضاء الله ونيل مجازاته.

-بعد جمع آيات البصر بجميع مشتقاتها، وجد أن البصر ورد في القرآن الكريم بمعنيين هما:

أولًا: بصر حقيقي:

ورد البصر في القرآن الكريم بالمعنى الحقيقي، أي بمعنى النظر بالعين في آيات كثيرة، منها قوله عز وجل: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 12] .

وتأتي الآية في سياق قصة سيدنا موسى عليه السلام حينما ألقته أمه في اليم؛ طاعة لله تعالى، فتلقاه فرعون ورباه في كنفه، فتصف الآية شعور الأم الرءوم التي من رحمتها بابنها طلبت من ابنتها أن تتبع أثر موسى عليه السلام، فكانت الأخت تتبع أخاها بالنظرات المتوارية كي لا يحسوا بها أو يعلموا أنها أخته، فتتحسس أخباره وتنقلها لأمها حتى تحقق وعد الله للأم، بأن رفض موسى عليه السلام كل المراضع، حتى جاءته أمه فأقبل عليها وعاد إلى أحضانها 33.

وقد ذكر الواحدي: «أن أخت موسى أبصرت أخاها بصرًا حقيقيًا لا واهمًا، وقد تابعته تراقبه بعينيها فعرفت إلى من ذهب وماذا حل به» 34.

ولا يخفى أن {لَا يَشْعُرُونَ} التي ختمت بها الآية مؤكدة أن البصر المقصود في الآية هو الحاسة البشرية التي محلها العين، فهي التي تدرك بالشعور الإنساني.

وقد ذكر البصر بمعناه الحقيقي في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] .

فقد ضرب المولى عز وجل مثلًا حتى يوضح الفرق بين المؤمن والكافر، فجاء الاستفهام الإنكاري: هل يتساوى الأعمى الذي لا يرى والبصير الذي يرى بعينه كل شيء؟ وهل الظلمة الحالكة كالضياء الذي يمكن الإنسان من رؤية الأشياء؟

ونعلم أن المثل القرآني يقوم بتشبيه الخفي بالجلي المعلوم لدى البشر حتى يرغب أو يرهب، والجلي لدينا هو الحاسة الناظرة، فقد شبه الكافر الذي ارتكب الكفر بالأعمى الذي فقد بصره فتاه واحتار، وشبه المؤمن الذي تلبس بالإيمان بالبصير الذي يميز الأشياء وخصائصها، ويتلذذ بنعم الله حوله 35.

وكذلك ورد المعنى الحقيقي للبصر في قوله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 30] .

فالبصير في الآية هي صفة من صفات الله عز وجل التي أثبتها لنفسه، فنؤمن بها دون تحريف أو تكييف أو تمثيل، ونقر أن لله تعالى بصرًا لا كبصرنا، وسمعًا لا كسمعنا، تعالى وتنزه عن كل نقص 36، فهو الذي يرى عباده ويطلع على أحوالهم، وما يحتاجون فيمدهم بالرزق والعون 37.

ثانيًا: بصر معنوي:

جاء البصر ومشتقاته بمفهوم آخر غير الحاسة المتعلقة بالعين الباصرة، فقد وردت البصيرة في قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .

وكان المقصود بالبصيرة الحجة الواضحة، التي يستدل على قدرة الله وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته من خلالها، والتي تعتمد على الآيات الكونية الكثيرة، وعلى الأدلة النظرية والعقلية 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت