قال محمد رشيد رضا رحمه الله: «وتخصيص رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين في مقابلة ما أمر به من الغلظة على الكفار والمنافقين، لا يعارض كون رسالته رحمة للعالمين، كما هو ظاهر، فإن هذه الرحمة مبذولة لجميع الأمم، لعموم بعثته صلى الله عليه وسلم ولكن منهم من قبلها ومنهم من ردّها، وقد بينّا في تفسير {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73] ، أنه إنما أمر بذلك صلوات الله تعالى عليه؛ لأن الغالب على طبعه الشريف الرقة والرحمة، والأدب في المقابلة والمعاشرة، وقد قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] » 175.
ثالثًا: المؤمنون:
وصف الله عباده المؤمنين بالرحمة في عدة آيات من كتابه مدحًا وثناءً عليهم بهذه الصفة، ومنها قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
ابتدأ الله سبحانه الآية الكريمة بوصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} ، وهو مشتمل على كل وصف جميل 176؛ ومن الصفات الجميلة التي وصف الله بها نبيه أنه {رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .
وارتضى لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بالتأسي به، ووصفهم بقوله: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 177.
وفي وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، مدح عظيم لهم، وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس، فهم ليسوا أشداء مطلقًا، ولا رحماء مطلقًا، وإنما شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم لإخوانهم في العقيدة، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] 178.
وفي هذا إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف الحكمة والرشد، فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى، ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الروية 179؛ لأن الشدة في محل اللين هي من الحمق والخرق، واللين في محل الشدة هو من الضعف والخور، والسداد والحكمة أن تكون الشدة في محل الشدة، واللين في محل اللين 180.
قال ابن كثير رحمه الله: «وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسّهر) 181، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه) 182» 183.
ومن الآيات التي وصف الله بها عباده المؤمنين بالرحمة، ما وصف به الحواريين في قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد: 27] .
ثناء من الله على أتباع عيسى عليه السلام، وهم الحواريين، الذين اتبعوا عيسى على منهاجه وشريعته 184، كما قال تعالى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [الصف: 14] .
ووصف لهم بما وصف به صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] 185.
وعطف الرحمة على الرأفة من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الرأفة رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر، أما الرحمة فهي أشمل وأعم؛ لأنها عطف وشفقة على كل من كان في حاجة إليها 186.
ومعنى جعل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتّبعوه: أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو أن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى؛ لأنه أمرهم به ويسّره عليهم، ذلك أن عيسى بعث لتهذيب نفوس اليهود، واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيال طويلة، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] 187.
بل إن الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82] 188.
ولكن بعد أن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم صاروا أغلظ الناس، أو من أغلظ الناس، كما جرى بين المسلمين وبين النصارى في الحروب الصليبية 189، وتمالؤهم مع اليهود ضد الإسلام والمسلمين منذ القدم إلى يومنا هذا تبين حقيقة عداوتهم للإسلام والمسلمين 190.
ومن الآيات التي وصف الله بها عباده المؤمنين بالرحمة قوله تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17] .
التواصي بالصبر على الشدائد والطاعات، وعن المعاصي والسيئات، والتواصي بالتراحم، من شأنه أن يفتح الباب أمام سائر الفضائل، ويغلق الطريق دون سائر الرذائل، وهذا عنوان أهل الميمنة 191؛ لأن هاتين الصفتين على رأس الصفات الفاضلة بعد الإيمان بالله 192.
فالصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها؛ لأنها لا تخلو من كبح الشهوة النفسانية وذلك من الصبر، والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية، قال تعالى: {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] .
والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة، وهو أيضًا كناية عن اتصافهم بالمرحمة؛ لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها 193.
وقد قرن الله بين الصبر والمرحمة في الآية الكريمة والناس أربعة أقسام: منهم من يكون فيه صبر بقسوة، ومنهم من يكون فيه رحمة بجزع، ومنهم من يكون فيه القسوة والجزع، والمؤمن المحمود الذي يصبر على ما يصيبه ويرحم الناس 194.
فالذين اتصفوا بالصبر والرحمة، هم الذين وفقهم الله لاقتحام العقبة التي ذكرها الله في الآيات التي تسبق هذه الآية 195.
قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) } [البلد: 11 - 16] .
ففكوا الرقاب، وأطعموا المساكين، وواسوا ذوي القربى في يوم المسغبة؛ ولذا كانوا هم السعداء الممتعون بجنات النعيم 196 {أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} [البلد: 18] ؛ الذين يؤتون كتابهم يوم القيامة بأيمانهم، ومن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، وينقلب إلى أهله مسرورًا 197.
رابعًا: الغيث:
المطر رحمة من الله يرحم بها عباده في الدنيا فيكونون في جدب وفي فقر، ومواشيهم على وشك الهلاك، فيغيثهم الله بالمطر، فتنبت زروعهم وثمارهم وتنعم مواشيهم فتكثر عندهم اللحوم والأسمان والأزباد، وتتوفر عندهم الأشعار والأصواف والأوبار، ينسجون منها اللباس وغيره من الفرش والخيام وما جرى مجرى ذلك. فهذا من غرائب آياته، وعظائم نعمه، فهذا هو أصل النعم الدنيوية على الخلق 198؛ ولذا سماه الله رحمة في أكثر من موضع من كتابه كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) } [الفرقان: 48 - 49] .
فالحياة على هذه الأرض كلها تعيش على ماء المطر إما مباشرة، وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض، ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المتسربة إلى باطن الأرض منه، ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله الممثلة فيه إدراكًا صحيحًا كاملًا، وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها متوقفة عليه، وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب، ويستبشرون بها؛ ويحسون فيها رحمة الله إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان 199.
فإذا انقطع عنهم المطر مدة وظنوا أنه لا يأتيهم، وأيسوا وعملوا لذلك الجدب أعمالًا، فينزل الله الغيث وينشر به رحمته من إخراج الأقوات للآدميين وبهائمهم، فيقع عندهم موقعًا عظيمًا، ويستبشرون بذلك ويفرحون 200، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28]
وقد أمرهم تعالى أن ينظروا نظرة تعقل واتعاظ واستبصار، إلى الآثار المترتبة على نزول المطر، وكيف أن نزوله حول النفوس من حالة الحزن إلى حالة الفرح، وجعل الوجوه مستبشرة بعد أن كانت عابسة يائسة 201، كما قال تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 48 - 50] .
فبعد أن بينّ استبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس؛ اعترض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف، والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال 202؛ فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ} ، يعني: المطر، {كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} 203.
إن رحمة الله جل وعلا تستجلب بأسباب ذكرها الله في كتابه، ومن هذه الأسباب:
1.الإيمان والهجرة والجهاد.
الإيمان الصحيح الذي يحشو قلوب أهله بحب الله وتعظيمه، ويجعلهم يتفانون في طاعة الله ورسوله ويفضلونها على الأهل والعشيرة والأوطان والمال والإخوان والجاه وكل متع الدنيا ولذاتها، فيهجرونها في سبيل الله، ويعرضون أنفسهم للمكابد؛ والمكائد، فيجاهدون ابتغاء وجهه الكريم 204؛ فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة 205، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218] .
وبين جل وعلا في موضع آخر أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، أنهم أعظم درجة عند الله من جميع الخلق 206، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [التوبة: 20] .
ثم بين الدرجة العظيمة التي في قوله: {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ} بقوله: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) } [التوبة: 21 - 22] .
فتلك الدرجة: هي عناية الله تعالى بهم بإدخال المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد لهم من النعيم الدائم 207.
2.طاعة الله ورسوله؛ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
انتظمت هذه الطاعات والعبادات التي جعلها الله من موجبات رحمته في آية من كتاب الله تعالى، أبان الله فيها حسن حال المؤمنين والمؤمنات في الحال والمآل فقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
وابتدأها بالإشارة إلى أنّ اللحمة الجامعة بينهم هي ولاية الإسلام، فهم فيها على السواء ليس واحد منهم مقلّدًا للآخر، ولا تابعًا له على غير بصيرة؛ لما في معنى الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر 208.
ثم بين الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله.
ومنها: طاعة الله ورسوله التي هي سبب للرحمة 209 كما تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .
وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] .
فأمر الله المؤمنين أن يطيعوا اللّه في كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن يكونوا في ذلك مطيعين للرسول صلوات الله وسلامه عليه، سالكين وراءه فيما به أمرهم، وتاركين ما عنه زجرهم، لعلكم بهذه الطاعة تكونون في رحمة من الله؛ ولا شك أن من فعل ذلك أن الله سيرحمهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71] 210.
والمراد: أنه تعالى يتعهد المؤمنين والمؤمنات برحمته الخاصة المستمرة في مستقبل أمرهم في الدنيا والآخرة، باستمرارهم على طاعته وطاعة رسوله 211.
ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] .
الصلاة والزكاة أكبر الطاعات وأجلهما، جامعتان لحقه وحق خلقه، للإخلاص للمعبود، وللإحسان إلى العبيد فمن أراد الرحمة، فهذا طريقها، ومن رجاها من دون إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الرسول، فهو متمنٍ كاذب، وقد منّته نفسه الأماني الكاذبة 212.
وخص الله الزكاة بكونها سببًا من أسباب الرحمة في قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [الأعراف: 156] .
وخصها دون ما عداها من الطاعات؛ لأن النفوس شحيحة ففتنته تقتضي أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين غيرها من الطاعات 213.
ويفهم من هذه الآية من مفهوم مخالفتها: أن الذين لا يتقون الشرك ولا المعاصي، ولا يؤتون الزكاة لا تكتب لهم هذه الرحمة، وقد بين تعالى ذلك في قوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) } [فصلت: 6 - 7] 214.
ومن الصفات التي أوجبت لهم رحمة الله: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
وهاتان الصفتان من أخص صفات المؤمنين التي يمتازون بها على المنافقين وعلى غيرهم من الكفار، هما سياج حفظ الفضائل، ومنع فشو الرذائل 215، والمعروف اسم جامع، لكل ما عرف حسنه، من العقائد الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، وأول من يدخل في أمرهم أنفسهم، والمنكر كل ما خالف المعروف وناقضه من العقائد الباطلة، والأعمال الخبيثة، والأخلاق الرذيلة 216.
ومن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو بعيد عن رحمة الله، مستحق لغضب الله ولعنته، كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) } [المائدة: 78]
فهذه الصفات الأربع استوجب بها المؤمنون رحمة الله.
وبعد أن بيّن صفاته ورحمته لهم إجمالًا بقوله: {أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} ؛ بين ما وعدهم به من الجزاء المفسر لرحمته تفصيلًا؛ للتنبيه على أنّ تلك الرحمة هي هذه الأشياء 217 فقال: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .
3.الصبر.
الصابرون المحتسبون على المصائب، عليهم من ربهم الرحمن الرحيم صلواته العامة ورحمته الخاصة 218، كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة: 155 - 157] .
فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة؛ ثناء وتنويه بحالهم ورحمة عظيمة، أولها توفيقه إياهم للصبر الذين ينالون به الأجر، وجبرهم في مصيبتهم بأن يخلف عليهم خيرًا منها 219.
فالله تعالى لم يمن على عباده الصابرين بالمغفرة والرضوان فقط، وحسبهما جزاءً للصبر ولكن منّ بالرحمة، رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، فرحمهم في الدنيا بالهداية والتوفيق لفعل الخير، ورحمهم في الآخرة بالنعيم المقيم 220.
وهذه الرحمة يحسدهم عليها الكافرون، فإن الكافر الذي حرم من هذه الرحمة، إذا نزلت به المصيبة تضيق به الأرض بما رحبت، حتى لقد يقضي على نفسه بيده إذا لم يجد وسيلةً للخلاص مما حلّ به 221؛ فمن لم يصبر فهو محروم من صلوات الله ورحمته وهدايته 222.
4.العفو.
القصاص في النفس والجراح كان حتمًا في التوراة على اليهود، ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفًا منه ورحمة 223، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] .
فالإسلام قد جمع في تشريعه الحكيم لعقوبة القتل بين العدل والرحمة، فالأخذ بالقصاص عدل، والأخذ بالعفو رحمة 224.
وكان العفو والدية تخفيفًا من الله إذ فيه انتفاع الولي بالدّية، وحصول الأجر بالعفو استبقاء مهجة القاتل، وبذل ما سوى النفس هين في استبقائها 225.
وقد رغب الشارع في العفو بما يحرك عاطفة الرحمة والحنان 226؛ بذكر الأخوة الرابطة التي لم يقطعها الاعتداء؛ لأنها برباط الله تعالى فلا يفكه العبد 227، فقال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانًا 228.
وإنما كانوا العفو رحمة؛ لأن من استبقى مهجتك بعد استحقاق إتلافها فقد رحمك؛ وأي رحمة أعظم من ذلك؟ ولعل القاتل المعفو عنه يستقل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله ما يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله يصلح أعماله 229.