قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) } [المؤمنون:1 - 4] .
وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) } [الأعلى:14 - 15] .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [لقمان:4 - 5] .
يقول سيد قطب في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} : «تستشعر قلوبهم رهبة الموقف في الصلاة بين يدي الله، فتسكن، وتخشع، ويغشى أرواحهم جلال الله في حضرته، فتختفي من أذهانهم جميع الشواغل، ولا تشتغل بسواه ... ويتطهر وجدانهم من كل دنس وتجد الروح الحائرة طريقها، ويعرف القلب الموحش مثواه» 65.
ويقول في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} . «والزكاة طهارة للقلب من الشح، واستعلاء على حب الذات، وثقة بما عند الله من العوض والجزاء، وطهارة للمال تجعل ما بقي من بعدها طيبًا حلالًا» 66.
وتتضافر الآثار التربوية والنفسية التي يغنمها العبد المصلي، وتؤدي الصلاة دورها في تزكية النفس وطهارتها فقد ورد عن أبي مالكٍ الأشعريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والصلاة نور) 67.
فهي نور تضيء لصاحبها طريق الهداية، وتحجزه عن المعاصي وتهديه إلى العمل الصالح، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] .
وهي نور في قلبه بما يجد من حلاوة الإيمان ولذة المناجاة لربه، وهي نور لما تمنح النفس من تزكية وطمأنينة وراحة، وبما تمدها من أمن وسكينة، وهي نور ظاهر على وجه المقيم لها في الدنيا، تتجلى بها وضاءة الوجه وبهاؤه بخلاف تارك الصلاة، وهي نور له يوم القيامة 68.
ومن أهم آثار الصلاة الطمأنينة وراحة النفس فإذا أقبل العبد على صلاته بهمّة ورغبة تمده بقوة روحية وتمنحه طمأنينة النفس وراحتها، وتعينه على مواجهة متاعب الحياة.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } [البقرة:153] .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) 69.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (قم يا بلال فأرحنا بالصلاة) 70.
أي: أقم الصلاة لنستريح بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح المتعب إذا وصل إلى مأمنه ومنزله، ولذلك لم تكن الصلاة مقصورةً على الفرائض، وإنما هناك سنن ونوافل متنوعة تزيد صلة العبد بربه وتقر بها عينه، وتأمن بها نفسه حتى تصبح الصلاة سلاحه الدائم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (قم يا بلال فأرحنا بالصلاة) يدل على أنه صلى الله عليه وسلم تقر عينه وتغمره الفرحة والبهجة والسكينة والطمأنينة بل والسعادة، كلها عندما يناجي ربه في صلاته؛ لأن الصلاة صلة بالله سبحانه وحضور بين يديه سبحانه 71.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة:183] .
ومعنى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: «تتّقون المعاصي بسبب هذه العبادة، لأنّها تكسر الشّهوة وتضعف دواعي المعاصي، كما ورد في الحديث أنّه جنّةٌ وأنّه وجاءٌ» 72.
وأما عن أثر الصيام في سعادة المسلم قال تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:184] .
تظهر هذه الآية فضل الصيام وكونه خير للمسلم في الدنيا والآخرة، والصائم يعيش سموًا روحيًا يتعالى فيه على مطالب الجسد، يسيح فيه القلب والفكر والوجدان في ملكوت السموات، والصبر أخو الصلاة في ضبط المسلم حيث قال مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة:45] .
الصبر في هذه الآية: الصوم، وفيه قيل لرمضان: شهر الصبر، فجاء الصوم والصلاة على هذا القول متناسبًا، في أن الصيام يكبح الشهوات، ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، بل وهناك سعادة أكيدة وفرحة يقينية تحل في قلب الصائم حيث روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (للصّائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربّه) 7374.
وأما الحج: فإن المتعة والسعادة واللذة الروحية التي يتركها الحج في قلوب حجاج بيت الله الحرام لا تخفى على أحد، وقد سمع الجميع ما يرويه الحجاج، ويتحدثون به عن مشاعرهم عندما وطأت أقدامهم الأرض المباركة، وعند رؤية الكعبة المشرفة، أو زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رجعوا إلى ديارهم يتشوقون للعودة لتلك الديار وأداء تلك المناسك.
ثالثًا: الإحسان إلى عباد الله:
للإحسان مرتبة عظيمة تعلو على مرتبة الإيمان والإسلام وهو كما ورد في حديث عمر رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ما الإحسان؟ فقال: (أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك) 75.
وهو مرتبة سامية تتبوأها الصفوة المختارة من عباد الله الأخيار؛ الذين يستشعرون رقابة الله عليهم في كل عمل وعبادة، فيجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا الذنوب الصغيرة التي تكفل الاستغفار بها؛ لأن العصمة لا تكون إلا للنبي. والإحسان كما قال المناوي: «إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي، أي: إخلاص وكمال الطاعة» 76.
والإحسان ضد الإساءة.
قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء:7] .
وكل حسنة سواء أكانت صغيرة أو كبيرة تعد إحسانًا لكن مرتبة الإحسان لا يتذوق حلاوتها إلا من روض نفسه على ترك المعاصي والإكثار من الحسنات، فهو يحسن لمن أحسن إليه ويحسن لمن أساء إليه وهنا يكمن السر.
عن كلثومٍ الخزاعيّ رضي الله عنه قال: أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال يا رسول اللّه: كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أنّي قد أحسنت، وإذا أسأت أنّي قد أسأت فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إذا قال جيرانك قد أحسنت فقد أحسنت وإذا قالوا إنّك قد أسأت فقد أسأت) 77.
ومن صور الإحسان في حياة المسلم:
الوالدان هما سر حياة الإنسان ومصدر وجوده، لهما عليه كل حق وتقدير فلابد من برهما، والتودد إليهما، والدعاء لهما، وقد قرن الله سبحانه وتعالى بين عبادته وحده والإحسان إليهما.
قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) } [الإسراء:23 - 24] .
أمر المولى ببرهما في كل الأحوال وخاصةً في سن الكبر حين يضعف جسمهما، وفاءً لهما ولما قدماه لولدهما وقد بلغ بأحد الصالحين أن لا يؤاكل أمه في طبق واحد حتى لا تسبق يده إلى ما تسبق إليه عينها، وآخر أنه ما علا سقفًا يكون أبوه أسفله، أو تقدم عليه برًا به. وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: أقبل رجلٌ إلى نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من اللّه، قال: (فهل من والديك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم بل كلاهما قال: (فتبتغي الأجر من اللّه؟) قال: نعم قال: (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) 78.
قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36] .
تناولت هذه الآية الكريمة أمر الإحسان لشريحة واسعة وممتدة وشاملة لأصناف المجتمع المسلم.
فبعد أن أوصى سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الوالدين، عطف بالإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، وإلى اليتامى الذين فقدوا من يقوم بمصالحهم ثم المساكين؛ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم.
عن عليٍّ رضي الله عنه، قال: كان آخر كلام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (الصّلاة الصّلاة اتّقوا اللّه فيما ملكت أيمانكم) 79.
وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إخوانكم خولكم جعلهم اللّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس ولا تكلّفوهم ما يغلبهم فإن كلّفتموهم فأعينوهم) 80.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (من مسح رأس يتيمٍ لم يمسحه إلاّ للّه كان له بكلّ شعرةٍ مرّت عليها يده حسناتٌ، ومن أحسن إلى يتيمةٍ أو يتيمٍ عنده، كنت أنا وهو في الجنّة كهاتين) ، وفرّق بين أصبعيه السّبّابة والوسطى 81.
وفي الإحسان إلى الجار: يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو شريحٍ الخزاعيّ رضي الله عنه: (من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) 82.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه) 83.
وذلك لأن سعادة المجتمع وترابطه وشيوع المحبة بين أبنائه لا تتم إلاّ بالقيام بهذه الحقوق للجار وغيره مما جاءت به الشريعة، وإن واقع كثير من الناس يشهد بقصور شديد في هذا الجانب، حتى إن الجار قد لا يعرف اسم جاره الملاصق له في السكن، وبعضهم يغصب حق جاره، وإن بعضهم ليخون جاره، ويعبث بعرضه وحريمه، وهذا من أكبر الكبائر، وإذا كان الشاعر الجاهلي عنترة يعف عن جارته فيقول 84:
وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
فحري بنا نحن المسلمين أن نكون أكثر حرصًا وأداءً لحقوق الجار، والإحسان إليه، وحفظ عرضه.
عن ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (ما من رجلٍ تدرك له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلاّ أدخلتاه الجنّة) 85.
ومن صور إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إلى كريمته السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، أنه كان إذا دخلت عليه يقوم لها ويقبل رأسها.
بدءًا من اختيار الزوج وانتهاءً بحسن العشرة وأداء الحقوق.
هذا غيض من فيض من صور الإحسان في الإسلام ولا يتسع المقام لتقصيها وقد تجاوزت الإحسان إلى البشر إلى الإحسان إلى الحيوان.
يقول عائض القرني: «الجميل كاسمه والمعروف كرسمه والخير كطعمه، أول المستفيدين من إسعاد الناس هم المتفضلون بهذا الإسعاد، يجنون ثمراته عاجلًا في نفوسهم وأخلاقهم وضمائرهم، فيجدون الانشراح والانبساط والهدوء والسكينة، فإن طاف بك طائف من همٍّ أو ألمّ بك غمٌّ فامنح غيرك معروفًا، وأسد لهم جميلًا، تجد الفرحة والسرور، وأعط محرومًا، انصر مظلومًا، أنقذ مكروبًا، أطعم جائعًا، عد مريضًا، أعن منكوبًا تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك. إن فعل الخير كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وعوائد الخير النفيسة عقاقير مباركة تصرف في صيدلية الذين عمرت قلوبهم بالبر والإحسان. إن توزيع البسمات المشرقة على فقراء الأخلاق صدقة جارية في عالم القيم، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، قال: قال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (لا تحقرنّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلقٍ) 86. إن شربة ماء من كف بغي لكلب عقور أثمرت دخول جنة عرضها السموات والأرض لأن صاحب الثواب غفور شكور» 87.
ما أعظمها من سعادات أن يحيا المؤمن المحسن في هذه الحياة الدنيا وهو يشع بالخير والإحسان لكل من خالطه أو جاوره أو رافقه أو عاشره أو آكله أو احتاجه أو استعان به، فهو كحامل المسك إن لم يعط لم يؤذ بل أسعد الناس بطيب ريحه.
فكان جزاؤه أن يقذف الله في قلبه سعادة يتذوق طعمها في قلبه، ويحظى بفوائد وآثار تقر بها عينه ونفسه.
رابعًا: الرضا والاستسلام لقضاء الله والصبر:
الصبر فضيلة من أمهات الفضائل، وهو من أبرز الأخلاق التي كثر ذكرها في آيات القرآن الكريم، وهو دليل على صدق الإيمان، ووسيلة تعين على هذه الدنيا، وهو الدواء الشافي لنفس المصاب أو المبتلى حيث يخفف حزنها وآلامها 88.
ولقد ذكر الله تعالى الصبر في القرآن الكريم في نحو مائة وثلاثة مواضع وأضاف إليه أكثر الخيرات والدرجات وجعلها ثمرة له قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة:24] .
وقال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل:96] .
فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] .
والصبر خلق أهل العزائم وأصحاب الإرادة القوية: قال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) } [الشورى:43] .
والصبر والاستسلام لقضاء الله يمنح الروح طاقة قادرة على الصمود أمام كوارث الحياة، وهو في حالة وقوعها ثابت لا يهتز، قوي لا يقهر ولا يتقهقر، لأن من مقتضيات الإيمان التسليم قولًا وعملًا بقاعدة أزلية ربانية هي: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة:51] .
مما يعطي المؤمن ثقة بالنفس واعتزازًا بها واستعلاءً على صغائر الحياة، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] .
والمؤمن بقضاء الله لا يعرف المهانة والذلة ولا يستسلم للضعف والحزن 89.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم، أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ أوّل ما خلق اللّه القلم فقال له: اكتب، قال: ربّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كلّ شيءٍ حتّى تقوم السّاعة) يا بنيّ إنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (من مات على غير هذا فليس منّي) 90.
قال علي رضي الله عنه: يا ابن آدم لا تفرح بالغنى ولا تقنط بالفقر ولا تحزن بالبلاء ولا تفرح بالرخاء، إن الذهب يجرّب بالنار وإن العبد الصالح يجرب بالبلاء، وإنك لا تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تؤمل إلا بالصبر على ما تكره 91.
فأي قرة عين! وأي طمأنينة نفس وراحة بال تحل على قلب من استسلم لقضاء الله وتصبّر. قال عمر رضي الله عنه لو كان الصبر والشكر بعيرين فما باليت أيهما أمتطي 92 ... وأي سعادة تحل على قلوب الصابرين في الدنيا والآخرة.
خامسًا: استشعار نعم الله وشكرها:
إن نعم الله على الإنسان كثيرة، ولا أصدق في التعبير عن ذلك من قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل:18] .
وحقيقة لا مراء فيها أن المرء لو حاول أن يعد نعم الله عليه لوجد أن ما دقّ وخفي من النعم أكثر مما ظهر واتضح، ووجد أنه يتقلب في نعم الله ليلًا ونهارًا، بل في كل لحظة من لحظات عمره في الدنيا منذ أن كان جنينًا إلى أن يلقى الله ثم تستمر النعم والسعادة على المؤمنين.
إن تقلب الإنسان في نعمة الله عليه وإلفه لها جعله يفقد الشعور بقيمة تلك النعمة بالنسبة إليه؛ إلا أن يسلبها فيدرك ذلك ويرفع أكف الضراعة إلى المنعم أن يعيدها عليه.
والمؤمن يملك أعظم نعمة على الإطلاق حيث ينعم بالطمأنينة والسكنية والسعادة التي يتمناها غيره ولا يدركها.
وتعداد نعمة الله يطول والاستطراد فيه ليس هنا مقامه، ولا يمكن تحصيله وإدراكه؛ ولذلك لابد من التعرض إلى شكر المنعم سبحانه وتعالى.
والشكر من أعلى مراتب الدين، وأسمى درجات الإيمان ومن دلائل حب العبد لمولاه، لذلك أكثر القرآن الكريم من الآيات التي تتحدث عن فضل الشكر والشاكرين، وكفار النعمة الجاحدين، وأمر سبحانه عباده الصالحين بالشكر قال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172] وقال تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) } [الزمر:66] .
ووعد سبحانه على الشكر بالمزيد حيث قال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) } [إبراهيم:7] .
ومما يجب معرفته أن الشكر لا تعود منفعته على الله، لأن الله غني عن عباده بل فضله وعائدته يكون لصاحبه 93.
قال تعالى: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40] .
وإن تذكر الإنسان نعم الله عليه التي تغمره تزيل ما يصيب نفسه من حزن و كآبة بسبب الملمات.
يقول الشيخ محمود المصري: «عندك عينان، ولسان وشفتان ويدان ورجلان {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } [الرحمن:13] .
هل هي مسألة سهلة أن تمشي على أقدامك، وقد بترت أقدام، وأن تعتمد على ساقيك، وقد قطعت سوق، أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير، وأن تملأ معدتك من الطعام الشهي، وأن تكرع من الماء البارد، وهناك من عكّر عليه الطعام، ونغص عليه الشراب، بأمراض وأسقام، تفكر في سمعك وقد عوفيت من الصمم» 94.
وذكر النعمة كذلك من أسباب السعادة لذلك أمرنا القرآن الكريم بذكر النعم.
قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} [آل عمران:103] .
وقال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة:40] .
يذكر سيد قطب موقفًا عاشه استشعر فيه قيمة النعمة التي يغفل الناس عن شكرها يقول: «وكنا فترة طويلة محرومين من رؤية الشمس. وكان شعاع منها لا يتجاوز حجمه حجم القرش ينفذ إلينا أحيانًا. وإن أحدنا ليقف أمام هذا الشعاع يمرره على وجهه ويديه وصدره وظهره وبطنه وقدميه ما استطاع. ثم يخلي مكانه لأخيه ينال من هذه النعمة ما نال! ولست أنسى أول يوم بعد ذلك وجدنا فيه الشمس. لست أنسى الفرحة الغامرة والنشوة الظاهرة على وجه أحدنا وفي جوارحه كلها وهو يقول في نغمة عميقة مديدة الله! هذه هي الشمس، شمس ربنا وما تزال تطلع، الحمد لله» 95.
والشكر صفة الله سبحانه وتعالى و (الشكور) اسم من أسمائه:
قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء:147] .
وقال تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:158] فما أعظم أن يتحلى المرء بما وصف الله به نفسه وله المثل الأعلى سبحانه.
تعيش الإنسانية اليوم أشد مراحل الهبوط والانحطاط البشري، والفساد الأخلاقي، والاختلال في الموازين، والانحراف عن الحق والفضيلة والاستسلام للهوى والشهوات، والانغماس في الضلال، وكثرة الفاسدين والمفسدين؛ وارثة كل ما تركه السابقون من فساد في العقيدة والتصور، والخضوع لشريعة الشيطان، حتى أصبح الإنسان تتقاذفه أمواج الفتن بحيث لا يكاد ينجو من هذا الخضم الزاخر بالفتن إلا بشق الأنفس، مخدوشًا غير سالم بالكلية، فإن نجا من فتنة احتوته أخرى 96.
فضلًا عن سقوط المقدسات في يد أعداء الأمة الإسلامية وترديها إلى حد جعل أعداءها يتداعون عليها كتداعي الأكلة على قصعتها، فأصبح المسلم المستقيم على دينه غريبًا كالقابض على الجمر.