فهرس الكتاب

الصفحة 2136 من 2431

غزوة بدر

أولًا: اسم الغزوة:

لقد وردت تسمية غزوة بدر بهذا الاسم في القرآن الكريم، استمدادًا من قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .

وسماها ابن عباس رضي الله عنه أيضًا يوم بدر، حيث روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد) فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] 1.

وسبب تسميتها بغزوة بدر: نسبة إلى بئر بدر بين مكة والمدينة، كان لرجل يسمى بدرًا، وهو المكان الذي تقابل فيه الجيشان، ونصر الله المسلمين على المشركين نصرًا عظيمًا 2.

ثانيًا: حكمة ورودها في سورة الأنفال:

لما كانت سورة الأنفال تتحدث عن الأنفال وتقسيم الغنائم؛ حيث إن أول آية منها جاءت للحديث عن الأنفال، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] .

ولما كانت غزوة بدر أول معركة حربية خاض غمارها المسلمون من الصحابة بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد غنموا أول غنيمة كبيرة من المشركين، وقد حصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، واختصموا في شأنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كانت الإجابة عما ورد من تساؤلات الصحابة حول أنفال بدر في هذه السورة 3. يقول الطاهر بن عاشور: «افتتاح السورة بـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} مؤذن بأن المسلمين لم يعلموا ماذا يكون في شأن المسمى عندهم الأنفال، وكان ذلك يوم بدر» 4.

لذلك اشتملت سورة الأنفال على الآيات التي تتحدث عن غزوة بدر، فسماها بعض الصحابة بسورة بدر، حيث روي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قلت لابن عباس رضي الله عنه: سورة الأنفال، قال: «تلك سورة بدر» 5، وكان من أهم أسباب نزولها هو أحداث غزوة بدر الكبرى، حيث روي عن ابن عباس رضي الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: (من قتل قتيلًا فله كذا وكذا) . أما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم، فإنا كنا ردًّا لكم، ولو كان فيكم شيءٌ لجئتم إلينا، فأبوا فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: 1] . قسمت الغنائم بينهم بالسوية» 6.

ثالثًا: زمان الغزوة ومكانها:

لقد دلت الآيات القرآنية أن زمان التقاء الجمعين من المؤمنين والكافرين يوم بدر ومكانه كان بترتيب من الله سبحانه وتعالى، حيث قال تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 41 - 42] .

وفي هذا دلالة واضحة على أن الفئة المؤمنة تسير برعاية الله وتدبيره، فهو سبحانه يتولى أمرها؛ ليقدر لها الخير والرشاد والغلبة والعزة.

أما زمان الغزوة: فلقد بين الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} [الأنفال: 42] . أن المسلمين عندما خرجوا ليأخذوا العير، وخرج الكفار ليمنعوها من المسلمين، التقوا على غير ميعاد ولو تواعدوا لاختلفوا، ولكن الله جمعهم على غير ميعاد؛ ليقضي أمرًا كان مفعولًا؛ لإعزاز دينه وإهلاك أعدائه 7.

وقد اتفق علماء السير على أن غزوة بدر كانت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، ولكن اختلفوا في اليوم؛ فقيل: بأنها كانت في الثاني عشر. وقيل: في السابع عشر، وجمع العلماء بينهما بأن الثاني عشر ابتداء الخروج، والسابع عشر يوم الواقعة 8.

وأما مكان الغزوة: فحدثت الغزوة بين مكة والمدينة حيث بئر بدر، وهي كانت لرجل يسمى بدرًا، فسمي به الموضع 9.

وقد بين الله سبحانه وتعالى في قوله: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى كَانَ مَفْعُولًا مِنْكُمْ} أن من نعمة الله سبحانه وتعالى على المسلمين أن جعلهم بالعدوة الدنيا، أي: بجانب الوادي الأقرب من المدينة، وأن المشركين في جانب الوادي الأبعد عن المدينة، وأن ركب أبي سفيان وأصحابه -وهم عير قريش التي خرج المسلمون لأجلها- كانوا في موضع أسفل منهم جهة ساحل البحر على بعد ثلاثة أميال من بدر، فكان المسلمون بعيدين عن الماء، وكانت الأرض رملية تغوص فيها أقدامهم، بينما كان المشركون قريبين من الماء والأرض كانت صالحة للمشي وكانت العير خلف ظهورهم، ثم تغيرت الموازين بتدبير الله سبحانه وتعالى؛ لتكون الغلبة للمسلمين، حيث أنزل الله سبحانه وتعالى المطر، وهيأ لهم الأسباب، وسبقوا المشركين إلى الماء، وفي هذا دلالة واضحة على أن النصر يتحقق للمسلمين من عند الله؛ ليزدادوا إيمانًا وشكرًا وامتثالًا لأمره 10.

رابعًا: حكمة تسميتها بالفرقان:

لقد سمى الله سبحانه وتعالى غزوة بدر بيوم الفرقان، حيث قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41] .

وسمي بالفرقان؛ لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، بأن أعلى كلمة الإيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه، ونصر نبيه وحزبه 11.

ولهذه التسمية أهمية عظيمة في حياة المسلمين، وقد تحدث الأستاذ سيد قطب عن وصف الله سبحانه وتعالى ليوم بدر بأنه يوم الفرقان، وعن حكمة هذه التسمية قال: «كانت غزوة بدر، التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده، فرقانًا بين الحق والباطل كما يقول المفسرون: إجمالًا وفرقانًا بمعنى: أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرًا.

كانت فرقانًا بين الحق والباطل فعلًا ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء الحق الذي يتمثل في تفرد الله سبحانه وتعالى بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة، ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك، والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك، ويغشي على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء، فهذا الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حيث فرق بين ذلك الحق الكبير، وهذا الباطل الطاغي، وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان، لقد كانت فرقانًا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد، كانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير؛ فرقانًا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية، وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص، والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات وكانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر، كذلك فرقانًا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، والشرائع والقوانين، وللتقاليد والعادات، وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا متسلط سواه، ولا حاكم دونه، ولا مشرع إلا إياه، فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس فلا تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة.

وكانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، والإسلام بوصفه تصويرًا جديدا للحياة، ومنهجًا جديدًا للوجود الإنساني، ونظامًا جديدًا للمجتمع، وشكلًا جديدًا للدولة، بوصفه إعلانًا عاما لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته، ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته» 12.

إلى أن قال: وأخيرًا فلقد كانت بدر فرقانًا بين الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 7 - 8] .

ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة، وكان هذا النصر العملي فرقانًا واقعيًّا بين الحق والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله سبحانه وتعالى في معرض بيان إرادته سبحانه من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق، ومن وراء إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوكة، ولقد كان هذا كله فرقانًا بين منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم وإنه لفرقان ندرك به اليوم ضرورته، حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين، حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين، وهكذا كان يوم بدر: {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير 13.

لقد أخرجت قريش المؤمنين من ديارهم، وأخذت أموالهم بعد أن فشلت في إرغامهم على العودة للشرك، وقاسى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه صنوف الإيذاء في مكة، وصبروا حتى اضطرتهم قريش للهجرة، إلى أن نزل الإذن بالقتال في المدينة.

قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم، فيجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: (اصبروا فإني لم أومر بقتال) ، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب اشتداد أذى قريش لهم، وترك المسلمون أموالهم وأرضهم وديارهم للمشركين في مكة، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} الحج: [39 - 40] 14.

ففي هذه الآيات الكريمة أذن الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعد الهجرة بقتال المشركين، الذين قاتلوهم واعتدوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فهذا إذن من الله ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين بعد أن بلغ الأمر أقصاه، وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة والعبادة في ظل دين الله 15.

ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بقافلة أبي سفيان قادمة من الشام وتحمل الأموال والتجارة، ندب المسلمين إليها، وأمرهم باعتراض القافلة بقصد الحصار الاقتصادي، وتعويض المسلمين ما صادره لهم المشركون في مكة من أموال وعقارات وممتلكات، فعلم المشركون بذلك، وأرسل أبو سفيان نذيرًا إلى أهل مكة؛ ليستنفرهم بعد أن غير وجهة القافلة، فعز على المشركين الحادث، وأحسوا بالخطر على وجودهم، وشعروا بقوة المؤمنين في المدينة، فحشدوا قواهم من قبائل العرب، ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه ثم خرج بجنده، وتقابل الجيشان في بدر 16.

وفي ظل هذه الهجمة الشرسة من أعداء الله على الإسلام والمسلمين، فإن المسلمين اليوم مطالبون بأن يدفعوا عن أنفسهم الظلم، ويدافعوا عن دينهم وعقيدتهم، ويستردوا حقوقهم، فإن الحق بحاجة إلى قوة تحميه، يقول سيد قطب: «إن قوى الشر والضلال تعمل في هذه الأرض، والمعركة مستمرة بين الخير والشر والهدى والضلال، والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ أن خلق الله الإنسان، والشر جامح والباطل مسلح، وهو يبطش غير متحرج، ويضرب غير متورع ويملك أن يفتن الناس عن الخير -إن اهتدوا إليه- وعن الحق -إن تفتحت قلوبهم له-، فلابد للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتنة وتحرسها من الأشواك والسموم» 17.

أولًا: إعداد المؤمنين:

إن معركة بدر لم تكن في حسبان المسلمين، ولم يستعدوا لها من حيث العدد والعتاد ومن الناحية النفسية أيضًا، لكنها فرضت عليهم من الله سبحانه وتعالى؛ ليحق الحق ويبطل الباطل، ولتحقيق العبودية لله،

قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] .

حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خرجوا ولم يكن في نيتهم قتال، وإنما كان قصدهم عير قريش 18، حتى أن القرآن الكريم وصف حال بعض المسلمين وهم خارجون للقاء عدوهم بأنهم كانوا كارهين للخروج؛ لأنهم غير متأهبين للقتال غاية التأهب، فلم يستعدوا للقتال، وإنما خرجوا للقافلة وهم عدد يسير، بخلاف عدد أهل النفير فهم كثير، وهم الجيش الذي جاء من قريش 19.

قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 5 - 8] .

فلقد كان عدد قوات المسلمين في بدر لا يمثل قدرة الدولة الاسلامية، فكان عدد قوات المسلمين بضعة عشر وثلاثمائة، فيهم فارسان 20.

وقد ذكرت بعض المصادر أسماء ثلاثمائة وأربعين من الصحابة البدريين 21، وكان لديهم سبعون بعيرًا يتعاقبون ركوبها 22.

ولما فرض الله سبحانه وتعالى المعركة عليهم، تسابق المسلمون إلى الجنة، وقد أعدوا لها من الإيمان والعبادة والصدق والإخلاص وحسن التوكل، وهذا هو الإعداد الحقيقي الذي يكون به النصر والعزة، فقد جاءت الآيات الكريمة في بداية سورة الأنفال وقبل الحديث عن أحداث غزوة بدر تصف صفات المؤمنين التي بها تصلح أعمالهم بما فيها جهادهم.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4] .

يقول السعدي: «قدَّم تعالى -أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة- الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها؛ لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، التي من أكبرها الجهاد في سبيله. فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي، وجزاءهم هو الحق الذي وعدهم الله به، كذلك أخرج الله رسوله صلى الله عليه وسلم من بيته إلى لقاء المشركين في بدر بالحق الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، وقد قدره وقضاه، وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال» 23.

فالإعداد الإيماني وحسن التوكل على الله هو الإعداد الحقيقي الذي به يكون النصر والتأييد الإلهي رغم قلة العدد والعتاد، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123] .

وقد نزلت الآيات يأمر الله سبحانه وتعالى فيها المؤمنين بالتخطيط الجيد وإعداد أنواع القوة المعنوية والمادية المناسبة لكل زمان ومكان؛ لإرهاب عدو الله، وعدو المسلمين من الكفار الذين ظهرت عداوتهم كمشركي مكة في الماضي، ولإرهاب العدو الخفي الموالي لهؤلاء الأعداء، وهذا يشمل اليهود والمنافقين في الماضي، ومن تظهر عداوته بعدئذ 24.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60] .

فالمسلمون في هذا العصر مطالبون بإعداد القوة الإيمانية وكذلك المادية بكل أصنافها حسب الاستطاعة، فالإسلام بحاجة لقوة تحمي عقيدته، وتحرر الإنسان، وترد الأعداء.

ثانيًا: إعداد المشركين:

منذ أن استنفر أبو سفيان قريشًا خرجت بكبريائها وخيلائها، حتى بلغت قوة المشركين ألف رجل فيهم عدد كبير من قادة قريش وسادتها ومعهم مائتا فرس، ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين 25.

وقد وصف الله سبحانه وتعالى في معرض النهي عن التشبه بهم، حال الكافرين عند خروجهم من ديارهم لمقاتلة المسلمين، بأنهم خرجوا بأموالهم وعدتهم وعتادهم؛ بطرًا أي: طغيانًا وتكبرًا ورياءً للصد عن سبيل الله بإضلال الناس والحيلولة بينهم وبين الهداية 26.

قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] .

يقول القرطبي في بيان ما أعده المشركون يوم بدر، وموضحًا المقصود من هذه الآية: «يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر، لنصرة العير، خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف، فلما وردوا الجحفة بعث خفاف الكناني - وكان صديقًا لأبي جهل- بهدايا إليه مع ابن عم له، وقال: إن شئت أمددتك بالرجال، وإن شئت أمددتك بنفسي، مع ما خف من قومي، فقال أبو جهل: إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة، والله لا نرجع عن قتال محمد، حتى نرد بدرًا فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، فإن بدرًا موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد، فوردوا بدرًا ولكن جرى ما جرى من هلاكهم» 27.

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الكافرين ينفقون أموالهم، ويبذلون عدتهم وعتادهم؛ ليبعدوا الناس عن دين الله، لكن النتيجة تكون بخلاف ما يتوقعون، بأنهم سيغلبون، وسيكون إنفاقهم وإعدادهم حسرة وندامة، وإلى جهنم يحشرون.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) } [الأنفال: 36] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت