فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 2431

أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، وإن كل كائن في هذه الحياة، فهو بتقدير الله وتكوينه على مقتضى الحكمة البالغة والنظام الشامل، وبحسب السنن التي وضعها في الخليقة، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها 142.

ونحو الآية الكريمة قوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] .

وقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) } [الأعلى: 1 - 3] .

وبما إن التشاؤم من الأقدار عادة من عادات أهل الجاهليةً لذلك نرى أن كفار قريش كانوا يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، كما صح في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، فنزلت: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر: 49] 143.

ومعنى الحديث: أن المشركين وأهل الفسق يتعلقون بالأقدار، طالبين بذلك النكول عن الأعمال، فيريدون بخوضهم في ذلك الفتنة، لا التماس الحق، وقد أنزل الله عز وجل في ذلك الكافي المقنع في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} ، ومعناه إنا خلقنا كل شيء، خلقناه بقدر، فيستنبط من هذا أن الله سبحانه خالق كل شيء من خير وشر، وأن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلقه بقدر سبق، ومقدار لا يزيد عنه شيء من ذلك ولا ينقص 144.

قال الماوردي رحمه الله: «اعلم أنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة -التشاؤم-، ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يرد قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل» 145.

وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) } [التغابن: 11] .

أي: «بقضاء الله وقدره وإرادته {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ} أي يصدق أنه لا يصيبه مصيبة من موت أو مرض أو ذهاب مال ونحو ذلك إلا بقضاء الله وقدره وإذنه، {يَهْدِ قَلْبَهُ} ، أي: يوفقه لليقين، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيسلم لقضاء الله تعالى وقدره، وقيل يهد قلبه للشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} » 146.

ويحتمل أن يريد بالمصيبة الرزايا، وخصها بالذكر لأنها أهم على الناس، أو يريد جميع الحوادث من خير أو شر، وبإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} قيل: معناه من يؤمن بأن كل شيء بإذن الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا أحسن، إلا أن العموم أحسن منه 147.

قال ابن كثير رحمه الله: «ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرًا منه» 148.

فمن لا يتشاءم ولا يستجيب لدواعي التشاؤم، ويتوكل على الله تعالى؛ فإنه ينال أفضل الدرجات وأكملها وأرفعها عند الله تعالى، وهي الجنة.

وقد بين الله تعالى أثر الإيمان بالقضاء والقدر في تخليص العبد من القلق، والحزن، والخوف من حصول المكروه والمصائب والبلايا الناتج من التشاؤم وغيره، بقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد: 22 - 23] .

وعلم النبي صلى الله عليه وسلم أمته كيف يتخلصون مما يجدونه في نفوسهم من تشاؤم، وذلك بما صح عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: (فلا تأتوا الكهان) . قال: قلت: كنا نتطير. قال: (ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم) 149.

«فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه وسمعه، فأوضح لأمته الأمر، وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة ولا فيها دلالة، ولا نصبها سببًا لما يخافونه ويحذرونه؛ لتطمئن قلوبهم ولتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى» 150.

وبشرهم عليه الصلاة والسلام بدخول الجنة ما لم يتشاءموا بما صح عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) 151.

«فأما من ساعدته المقادير ووافقه القضاء فهو قليل الطيرة لإقدامه؛ ثقة بإقباله، وتعويلًا على سعادته، فلا يصده خوف ولا يكفه حزن، ولا يئوب إلا ظافرًا، ولا يعود إلا منجحًا؛ لأن الغنم بالإقدام، والخيبة مع الإحجام، فصارت الطيرة من سمات الإدبار، واطراحها من أمارات الإقبال، فينبغي لمن مني بها وبلي أن يصرف عن نفسه وساوس النوكى 152، ودواعي الخيبة، وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطانًا في نقض عزائمه ومعارضة خالقه، ويعلم أن قضاء الله تعالى عليه غالب، وأن رزقه له طالب، إلا أن الحركة سبب فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقًا ولا يدفع مقدورًا، وليمض في عزائمه واثقًا بالله تعالى إن أعطي، وراضيًا به إن منع» 153.

ويتضح مما تقدم: أن من آمن بالقضاء والقدر، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه لن يصيبه إلا ما كتب له، وأن ما يجري من المصائب والبلايا والمحاب والمكروهات كله بقضاء الله وقدره، فقد سلم نفسه من الوقوع في آفة التشاؤم.

ثانيًا: حسن الظن بالله والتوكل عليه:

لا شك أن حسن الظن بالله تعالى له أثر كبير في حياة المؤمن وبعد مماته، فالمؤمن حين يحسن الظن بالله تعالى لا يزال قلبه مطمئنًا، ونفسه راضية بقضاء الله وقدره وما يصيبه في السراء والضراء، بخلاف التشاؤم الذي هو سوء ظن بالله عز وجل بغير سبب، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى والتوكل عليه في كل أحواله.

وحقيقة التوكل: «هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح، ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة كلها، ووكلت الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع سواه» 154.

وعلى هذا فالتوكل مرتبط بحسن الظن بالله تعالى، وكلاهما علاج لما يصيب المسلم من دواعي الشؤم.

قال ابن القيم رحمه الله: فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله، وأن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه، إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه 155.

قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] .

أي: «ومن يكل أمره إلى الله ويفوض إليه الخلاص منه كفاه ما أهمه في دنياه ودينه، والمراد بذلك: أن العبد يأخذ بالأسباب التي جعلها الله من سننه في هذه الحياة، ويؤديها على أمثل الطرق، ثم يكل أمره إلى الله فيما لا يعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى علمها، وليس المراد أن يلقي الأمور على عواهنها، ويترك السعي والعمل ويفوض الأمر إلى الله تعالى» 156.

ثم ذكر السبب في وجوب التوكل عليه فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3] .

أي: إن الله تعالى منفذ أحكامه في خلقه بما يشاء، وقد جعل لكل شيء مقدارًا ووقتًا، فلا تحزن أيها المؤمن إذا فاتك شيء مما كنت تؤمل وترجو، فالأمور مرهونة بأوقاتها، ومقدرة بمقادير خاصة، كما قال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] 157.

وعلى هذا: فإن التوكل على الله تعالى هو حسن الظن بالله عز وجل، والبعد عن التشاؤم الذي من أسبابه سوء الظن بالله تعالى وبأقداره السارية على خلقه سواء أكان خيرًا أم شرًا؛ لأن كل هذا ينافي إيمان المسلم، ويخل بعقيدته وحسن عبادته لله تعالى.

وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حسن الظن بالله من حسن العبادة) 158.

ودلالة الحديث واضحة في أن حسن الظن عبادة من العبادات الحسنة، كما أن سوء الظن معصية من المعاصي.

ويؤكد هذا المعنى ما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: أنا عند ظن عبدي بي) 159.

فحسن الظن بالله تعالى يذهب الشعور بالشؤم؛ لأن الله تعالى هو الذي ينفع وحده ولا يضر سواه، ثم إن شعور المسلم بالشؤم لا يذهبه إلا التوكل على الله تعالى في كل حال، لذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من خلال تعليمه الصحابة الكرام كيفية علاج التشاؤم، كما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطيرة من الشرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل) 160.

ولا مانع أن يتوكل العبد على الله تعالى مع اجتناب الأسباب التي تكون سببًا للبلاء لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] .

إذًا: حسن الظن بالله والتوكل عليه يزيل من النفس دواعي التشاؤم، وهما من أقوى الأسباب في علاجه، لذا على المسلم أن يثق بالله تعالى ويوقن أن قضاءه عليه ماض، ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه جل وعلا.

ثالثًا: العلم النافع:

كما أن الجهل والضلال سبب من أسباب التشاؤم كما مر، فإن العلم النافع هو علاج له، فما كان التشاؤم عادة من عادات الجاهلية والأمم السالفة إلا بسبب جهلهم وضلالتهم، لذلك عندما جاء الإسلام حث على طلب العلم، ومدح الله سبحانه وتعالى أهل العلم في آيات كثيرة، وكذلك السنة الشريفة، إذ هو من أفضل الأعمال الصالحة، ومن أفضل العبادات وأجلها، فقد رفع الله تعالى شأن أهل العلم بقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .

ولم يساوهم أحد في منزلتهم ولا رتبتهم، فقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .

وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .

ودلالة الآيات واضحة في بيان منزلة العلم النافع وأهله، فإنه يخرج الناس من الجهل والضلال إلى النور والمعرفة.

ولأهمية العلم في حياة الناس أمر الله تعالى رسوله أن يطلب المزيد منه في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .

قال قتادة رحمه الله: «لو كان أحد يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام، ولكنه قال للخضر عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66] 161.

والعلم النافع يدل على أمرين:

أحدهما: معرفة الله وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه، وخشيته ومهابته، ومحبته ورجاءه، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه.

والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال 162.

وإن العلم النافع طريق الجنة كما دل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ومن سلك طريقا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) 163.

ولهذا لا نجد أحدًا أنعم الله تعالى عليه بالعلم النافع إلا كان متفائلًا، بعيدًا عن التشاؤم، منشرح الصدر، ومطمئن النفس والقلب، ومؤمنًا بأقدار الله تعالى وما يحصل له في الحاضر والمستقبل، وهذا حال المؤمن؛ لذلك قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل: 97] .

قال ابن القيم رحمه الله: «العلم هادٍ والحال الصحيح مهتد به، وهو تركة الأنبياء وتراثهم، وأهله عصبتهم ووراثهم، وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين، وهو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد، والهدى والضلال، به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون.

به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام وبه تعرف مراضي الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب، وهو إمام، والعمل مأموم، وهو قائد، والعمل تابع، وهو الصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشبهة، والغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه، والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه، مذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وطلبه قربة، وبذله صدقة، ومدارسته تعدل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام» 164.

ويتضح مما مضى: إن العلم النافع هو نعمة من نعم الله تعالى على عباده، وعلاج لكل ما يصيب الإنسان من الآفات النفسية والقلبية، بما فيها الاعتقادات الخاطئة كالتشاؤم بالبشر، والمصائب والبلايا والطير والحيوان والأسماء، وغير ذلك، وكلها تعود إلى سبب الجهل والضلال.

رابعًا: مصاحبة المتفائلين:

للصحبة الصالحة مكانة عظيمة في الإسلام، لما لها من أثر واضح في حياة الإنسان، سواء في معتقده وسلوكه وأفعاله وتوجهاته، والإنسان ميال بفطرته إلى مخالطة الآخرين ومصاحبتهم، ومجالستهم والتأثر بهم.

ولعل المبتلى بالتشاؤم أولى من غيره بمصاحبة المتقين الأخيار؛ لأن مصاحبتهم وملازمتهم ستؤدي إلى اكتساب صفاتهم من تقوى وإيمان، ومكارم أخلاق، وتفاؤل وجد وإقدام، وحسن توكلٍ على الله تعالى في السراء والضراء.

لذلك أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتزام الصادقين في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة: 119] .

وحث على صحبة العابدين بقوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف: 28] .

ونهى الله تعالى عن صحبة الظالمين لما فيها من حسرة وندامة، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) } [الفرقان: 27 - 28] .

وجعل كل صحبة لا تبنى على محبة الله تعالى وتقواه مصيرها العداوة، وذلك في قوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } [الزخرف: 67] .

وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا على الصحبة الصالحة بقوله عليه الصلاة والسلام: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثة) 165.

«وقوله: في تمثيل الجليس السوء والجليس الصالح بحامل المسك أو نافخ الكير: فيه تجنب خلطاء السوء ومجالسة الأشرار وأهل البدع والمغتابين للناس؛ لأن جميع هؤلاء ينفذ أثرهم إلى جليسهم، والحض على مجالسة أهل الخير وتلقي العلم والأدب، وحسن الهدى والأخلاق الحميدة» 166.

وقال صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) 167.

«قال ابن العربي: أي عادة خليله، فمن كانت عادته في خلق الله ما عودهم الله من لطائف مننه وأسبغ عليهم من جزيل نعمه، وعطف بعضهم على بعض، فلم يظهر في العالم غضبًا لا يشوبه رحمة، ولا عداوة لا يتخللها مودة فذلك الذي يستحق اسم الخلة؛ لقيامه بحقها، واستيفائه لشروطها» 168.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي) 169.

وفي هذه الأحاديث المتقدمة حث على صحبة الصالحين والمتقين وتجنب جلساء السوء، وبما أن التشاؤم عادة سيئة فالأحرى بالمتشائم أن يصاحب المؤمنين الصالحين ليقتدي بإيمانهم وصلاحهم؛ فتنعكس أخلاقهم وأفعالهم وعاداتهم على سلوكه؛ فيجد نفسه قد تخلص من عاداته السيئة، ومنها التشاؤم.

خامسًا: الدعاء:

إن الدعاء هو الصلة القوية بين الخالق والمخلوق، وهو وقوف العبد بين يدي الله تعالى وسؤاله على وجه الافتقار والعجز والانكسار.

قال الخطابي في معنى الدعاء: «استدعاء العبد ربه عز وجل العناية واستمداده إياه المعونة» 170، وإلى نفس هذا المعنى ذهب الإمام الرازي 171.

لذا فإن الإقبال على الله تعالى واللجوء إليه، وكثرة الإلحاح عليه بالدعاء هو من أفضل الأعمال، وعلاج لكل الآفات التي تصيب المسلم، ومنها: شعوره بالتشاؤم، فلا يمنعه ذلك من التضرع إلى الله تعالى أن يشرح صدره، وييسر أمره، ويتجاوز ما يصيبه من دوافع الشؤم بالإيمان وحسن التوكل على الله تعالى في السراء والضراء، ولا يكن كمن قال الله تعالى فيهم: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) } [الأنعام: 42 - 43] .

وعلى هذا: يجب على المسلم اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء في اليسر والشدة، والاستعانة به في كل الأحوال، مع الاعتقاد بإجابة الدعاء كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .

ويؤكد هذا الأمر ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ) 172.

وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته دعاء الوقاية لمن وجد في نفسه ما يكره من الأشياء وما يبعث في نفسه من شؤم، وذلك بما روي عن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أحسنها الفأل، ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) 173.

وفي هذا الدعاء علاج لمن يجد في نفسه كراهية حدوث بعض الأشياء، فالأولى به أن لا ترده عن حاجته ويذهب متوكلًا على الله تعالى، فإن الله تعالى يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك.

سادسًا: الفأل الحسن:

حث الله تعالى عباده على التفاؤل والبعد عن التشاؤم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .

وقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } [الشرح: 5 - 6] .

وجاء أيضًا في الحديث عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة) 174.

والفأل هو: الكلمة الصالحة والطيبة والحسنة؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل ما الفأل؟ فقال: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم) 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت