فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 2431

الحضارة

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (حضر) تدل على إيراد الشّيء، ووروده ومشاهدته. وقد يجيء ما يبعد عن هذا وإن كان الأصل واحدًا 1.

والحَضَر: خلاف البدو، والحَضَارة والحِضَارَة: سكون الحَضَر، كالبَداوة والبِداوة 2.

والحاضرة: خلاف البادية وهي المدن والقرى والريف؛ سميت بذلك لأنّ أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار 3.

وفي المعجم الوسيط: الحضارة الإقامة في الحضر، والحضارة ضد البداوة وهي مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني ومظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هناك تعريفات كثيرة، نذكر منها ما يلي:

عرفها الأستاذ محمد محمد حسين بأنها: كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتصل بمختلف جوانب نشاطه ونواحيه: عقلًا وخلقًا ومادة وروحًا ودينًا ودنيا 5، وهذا التعريف تعريف شامل لجوانب الحضارة المادية والروحية وأهدافها الدينية والدنيوية.

وعرفها أبو الأعلى المودودي بأنها: تصور سليم للحياة الدنيا وغايتها في نظام اجتماعي، يقود الإنسان إلى الرقي والإخاء والأمان، ويقول: «هي نظام متكامل يشمل كل ما للإنسان من أفكار وآراء وأخلاق وأعمال في حياته الفردية أو الأسرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية» 6.

والحضارة ليست مجرد تصورات أو مفاهيم ومبادئ وقيم ولكنها أيضًا تطبيق لهذه التصورات والقيم والمبادئ فهي تجمع بين النظرية والتطبيق والتخطيط والتنفيذ بين التصورات وبين الواقع.

والحضارة: عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وعمارة الأرض تحتاج إلى قلوب طاهرة وأياد متوضئة ونفوس عامرة وعقولٍ زاخرة وهمم عالية.

ولا سبيل إلى إصلاح النفوس وعمارة القلوب وتوحيد العقول إلا بالمنهج الرباني الذي شرعه لنا رب العالمين.

وعرف مالك بن نبي الحضارة بأنها: «جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل فرد من أعضائه جميع الضمانات اللازمة لتقدمه» 7.

ويعرفها في كتاب آخر بأنها هي: «البحث الفكري والبحث الروحي» 8.

والتعريف الأول لمالك بن نبي لم يحدد مصدر هذه العوامل ولا نوعيتها، ولم يحدد نوع هذا التقدم المطلوب، وتعريفه الثاني تعريف غير مطابق للمفهوم الشامل للحضارة فالحضارة كما أسلفنا القول ليست مجرد بحوث ونظريات ولكنها إلى جانب ذلك تطبيق وتنفيذ عملي.

وعرفها الشيخ سعيد حوى رحمه الله: بأنها «اجتماع الثقافة مع المدنية ضمن شروط معينة وظروف معينة» 9، فالحضارة شاملة للجانب الثقافي وللجانب المدني، أقول: والثقافة في ذاتها لا تشمل جميع الجوانب الروحية في الإنسان، بل تعد جانبًا منها.

ويعرفها د توفيق السبع: بأنها: «الحصيلة الشّاملة للمدنيّة والثّقافة وهي مجموع الحياة في صورتيها المادّيّة والمعنويّة» 10.

ونلاحظ مما سبق: أن بعض العلماء عرف الحضارة تعريفًا عامًّا، والآخرين عرفوها من منظور إسلامي والذي يهمنا في هذا البحث هو تعريف الحضارة الإسلامية؛ لأنها هي موضع بحثنا، وتعريفها: «سعي الإنسان المتواصل إلى تحقيق غايته في هذا الوجود» ، هذه الغاية التي تدور حول القيام بواجبات العبودية لله تعالى وعمارة هذا الكون في ضوء التشريعات الإلهية ...

فالمعنى الاصطلاحي للحضارة لا يخرج عن معناه اللغوي الذي هو خلاف البداوة، ويتطور مفهومه في العصر الحديث؛ ليشمل مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي، وهي أمور اقتضتها ظروف الحياة المعاصرة.

لم يرد لفظ (الحضارة) في الاستعمال القرآني، ولكن جذر الكلمة وهي مادة (حضر) موجود في القرآن، والذي يعني: الحضور والشهود لمكان أو إنسان أو غيره 11.

وصلة هذا المعنى بالحضارة أن الحضارة شاهدة على المنجزات والثمرات الناتجة عن العمل، والحضور للعقل وللوعي الإنساني وللإبداع واضح فيها.

وأما (الحَضَر) أو (الحَضَارة) فإنها لم ترد في القرآن الكريم، بل وردت كلمة (القرية) مفردة ومجموعة، وكلمة (المدينة) ، وأصل المدينة: قرية صغيرة امتد عمرانها حتى صارت مدينة.

وقد جاء لفظ (القرية) في مواضع كثيرة، في سياق الاعتبار والاتعاظ بمصير القرى الهالكة.

وقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من مظاهر الحضارة والرقي، وعوامل ازدهار الحضارات ونهوضها، ونقل لنا صورًا ومشاهد من تلك الحضارات، وكيف مكَّن الله تعالى لأمم بائدة، كما ذكر آفات الحضارات وعوامل سقوطها، وقدم منهجًا راشدًا، وميزانًا دقيقًا لتقييم أي حضارة كانت.

قال سبحانه وتعالى عن سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) } [سبأ:15] .

وقال عز وجل عن عاد: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) } [الشعراء:128 - 130] .

وتحدث عن ذي القرنين فقال: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) } [الكهف:84] .

إلى غير ذلك مما اشتمل عليه القصص القرآني، من وصف حال الأمم السابقة، وما مَنَّ الله عليهم به من نعم.

القرية:

القرية لغة:

الْقَرْيَةُ: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس 12، وإنما سميت قرية لاجتماع الناس فيها 13.

القرية اصطلاحًا:

لا يختلف عن معناها في اللغة، وتطلق على المدينة أيضًا 14.

الصلة بين القرية والحضارة:

تدل القرية على اجتماع الناس واستقرارهم في أبنية ومنازل، والاجتماع والاستقرار هما أساس الحضارة، فلا تتحقق الحضارة بدونهما.

المدنية:

المدنية لغة:

مدن بالمكان: أقام به. ومنه سمّيت المدينة، وهي فعيلةٌ، وتجمع على مدائن بالهمز، وتجمع أيضًا على مدنٍ ومدنٍ. (ومدن) مدنًا: إذا (أتاها) 15.

المدنية اصطلاحًا:

التطور المادي والتقني والفني وكل ما يتصل برفاه الإنسان وراحته ورقيه من خلال استعماره للطبيعة 16.

الصلة بين المدنية والحضارة:

تتحقق المدنية بالرقي المادي فقط، أما الحضارة فتحتاج إلى الرقي المعنوي أيضًا.

كما تقاس درجة المدنية بموضوعات محددة ومحسوسة، أما الحضارة فيتعذر قياسها بسهولة لاشتمالها على قضايا معنوية 17.

أهمية الحضارة للإنسان

للحضارة أهميتها البالغة للإنسان، فالإنسان كما قيل مدني بطبعه، يميل إلى العيش في المجتمعات، فإذا تهيَّأت له الأجواء الحضارية، وعاش حياة طيبة آمنة، بذل ما في وسعه للمشاركة في دورة التقدم والنهوض.

والحضارة الإنسانية الرائدة تحقق للإنسان إنسانيته، وتيسر له القيام بدوره المنشود، كما تيسر له غايته الكبرى وهي عبادة الله تعالى، وتعينه على تحقيق حاجياته وتلبية رغباته، وبلوغ طموحاته المشروعة.

فإصلاح الدنيا مما يعين على إصلاح الدين، وسهولة العيش ويسر الحياة، مما يفرغ القلب لعبادة الله وذكره.

قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) } [الشرح:7 - 8] .

فإن فراغ القلب من الأشغال والهموم أدعى لحضوره وصفائه، وإقباله على مناجاة ربه.

قال ابن كثير رحمه الله: «أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطًا فارغ البال وأخلص لربك النية والرغبة» 18.

لا بدّ لكلّ بناء من محاور أساسية لا يقوم إلا بها، أولها: البنَّاء الذي يبني ويشيد، وثانيها: المنهج الذي يسير عليه أو التصميم الذي ينفّذه، وثالثها: الأرض التي يبني عليها، ورابعها: موادّ البناء الأساسية والمساعدة. والحضارة بناء، له محاوره الرئيسة ودعائمه الأساسية: الإنسان، والكون، والمنهج. الإنسان وهو اللبنة الأساسية والدعامة الرئيسية في البناء الحضاري والمحور الرئيسي لها بما حباه الله من كرامة وما وهبه من ملكات، وما سخّر له من نعمٍ، وما أودعه فيه من طاقات، والكون الذي سخره الله للإنسان بما فيه من كنوزٍ وذخائر وثروات وطاقات، والمنهج الذي يسلكه الإنسان ليبني حضارته ويحميها. والحضارة هي ثمرة التّفاعل بين هذه العناصر الثلاث: الإنسان، والكون، والحياة، وعمر أي بناء يتوقف على متانة أسسه ورسوخ دعائمه، وتماسك لبناته وتناسق أجزائه، فلا تنافر ولا شذوذ. ومن ثم فلزامًا على الإنسان الذي يسعى للنهوض أن يعرف إنسانيته ودوره وعلاقته بالكون والحياة.

أولًا: الإنسان:

من سمات المنهج القرآني في الحديث عن الإنسان: استيعاب حياته وتاريخه: منذ بداية الخليقة حتى نهاية العالم، فلقد جمع لنا القرآن تاريخ الإنسانية منذ آدم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم مصير الإنسان ومستقرّه الأخروي، استيعاب الإنسان: روحًا وجسدًا، عقلًا وقلبًا، فكرًا وعاطفة، استيعاب الإنسان: عقيدةً وشريعةً وسلوكًا. استيعاب الإنسان: على اختلاف مشاربه وأفكاره وتصوراته ومعتقداته وأوطانه وأجناسه، استيعاب الإنسان: من جهة مصالحه ومنافعه وهداياته، من جهة طبائعه ونزعاته ودوافعه، فالذي خلق الإنسان هو العليم به.

قال تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] .

وقال تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25] .

وقال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13 - 14] .

وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .

وقال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الإنسان: 1 - 5] .

لقد صار الإنسان بشرًا سويًّا يفكر ويجادل، يقدّر ويناضل، يبني ويهدم، يعمر ويخرّب، يسبر الأغوار، ويمتطي صهوة البحار، ويغوص في الأعماق، ويحلّق في الأجواء، ويسبح في الفضاء، ويشقّ الجبال، ويقدّ الصخر، ويفلّ الحديد، فهلّا تذكر ماذا كان قبل أن يكون؟ هل استشعر قدره حين كان نطفةً من ماء مهين، ثم انتقل بقدرة الله وتقديره من طورٍ إلى طورٍ حتى استوت خلقته واكتملت صورته؟

لقد نقض القرآن نظرتين زائفتين للإنسان: النظرة الأولى: نظرة الاستعلاء التي تصل به إلى حدّ الغرور والإعجاب وازدراء ما حوله من مخلوقاتٍ متكئًا على ما منحه الله من مواهب وما أولاه من نعم. فبيّن له أصله ومادّته لا لازدرائه أو تحقيره ولكن ليعرف قدره وطبيعته، ويبرأ من داء الكبر.

قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7] .

وقال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 7 - 9] .

وقال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [القيامة: 36 - 39] .

وهذه الآيات تبرز عناية الرحمن بهذا المخلوق ورعايته له.

النظرة الثانية: نظرة المذلّة والهوان والضّعف التي تصل إلى حدّ احتقار الذّات والخنوع لكلّ كائن، والشّعور بالذّنب والخطيئة، ولقد بين القرآن كرامة الإنسان ومكانته وتميزه عن سائر المخلوقات.

قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 6 - 7] .

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 28 - 30] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

الوعي الإنساني: خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته بعد أن علّمه الأسماء كلها ودعاه لدخول الجنة وحذره من أن يقرب شجرة معينة، ثم أغواه الشيطان فأكل منها هو وزوجه حواء، ثم بدت آثار المعصية فتابا إلى الله تعالى، وكان هبوطهما إلى الأرض، كلّ هذا يدل على أن الإنسان الأول خلق سويًّا مكتملًا، وبدأ أول لحظات وجوده مكرَّمًا محفوفًا برعاية الله، عاقلًا واعيًا مكلَّفًا، ودرج في سلَّم العلم والمعرفة، هذه هي النظرة القرآنية للإنسان. أما النظريات الفلسفية المجرّدة من نور الوحي، المبنية على تصورات وتخمينات بشرية فترى الإنسان خلق مهينًا حقيرًا وانتقل من طور إلى طور حتى ارتقى إلى درجة القرود ثم إلى صورته البشرية، واعتمد على نفسه فتخبّط كثيرًا حتى اكتسب المعارف عن طريق المصادفة، وعن طريق الملاحظة والتجربة، وهكذا تحقّر هذه الفلسفات والتصورات الضالة من شأن الإنسان وتتجاهل الوحي والرسالات التي جاءت تعرف بنشأة الإنسان وغاية وجوده وكرامته، واتباعه للهداية الربانية وتوحيده لخالقه حتى انتكست بعض الأجيال ومالت إلى الشرك بوساوس الشيطان وتزيينه.

من شواهد عناية القرآن بالإنسان: ومن شواهد عناية القرآن بالإنسان ورود اسمه في القرآن في ثمانيةٍ وخمسين موضعًا، حيث جاءت كلمة (الإنسان) ، وفي ستة مواضع كلمة (الإنس) ، وفي سبعة مواضع كلمة (بني آدم) ، في حين جاءت كلمة (الناس) في مائة واثنين وثمانين موضعًا وفي هذا دلالةٌ واضحةٌ على عناية القرآن بهذا الكائن.

وحديث القرآن عن الإنسان حديثٌ وافٍ، يشمل جميع مراحل حياته، ويبين له منهجه في الحياة، وعلاقته مع الكون.

مقاصد القرآن في أولى رسائله: تجلّت مقاصد كلام ربّ البرية، مع أول ما نزل على رسول الإنسانية وهو يتعبد في الغار.

قال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] .

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} : أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ يتودد الله فيها لعباده، ويعرّفهم بنفسه، فهو ربّنا ومليكنا، خالقنا ورازقنا، ومدبّر أمورنا، ومصرّف أحوالنا، على وجه العناية والحفظ.

أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تؤذن بأنه دعوةٌ عالميةٌ، تحمل مشاعل النور، وتفتّح روافد الخير، وتفجّر ينابيع الرحمة للإنسانية.

أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تضع اللبنات الأولى في صرح بناء حضارةٍ إنسانيةٍ رائدةٍ راشدة.

أوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تضع لنا منهجًا لتلقي العلوم وتأصيلها، وتطبيقها.

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} أوّل توجيهٍ إلهيٍّ، أول تكليفٍ ربانيٍّ يحمل دعوةً عامةً إلى القراءة، وحثًّا على العلم؛ فالقراءة وسيلة الوعي والمعرفة، والعلم طريق المجد، ونبراس الرقيّ والحضارة.

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} فلتكن القراءة بالله ولله، فمنه تعالى العون والتوفيق، هو غايتنا ورجاؤنا، وسيّدنا ومليكنا؛ فينبغي أن نطلب العلم لله، ونجرّد العمل له وحده، ونبرأ من كلّ حولٍ وطولٍ، إلى حوله وقوته، ونطلب المزيد من العلم منه وحده، فهو معلّمنا وملهمنا.

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} والخالق عز وجل قد هيّأنا للقراءة بما أودعه فينا من العقل والفهم والاستيعاب.

ولأنه تعالى هو خالقنا فهو وحده الذي يأمرنا وينهانا، وينظّم دنيانا.

ولأنه تعالى هو خالقنا ومعلّمنا؛ فقد أنزل كتابه يضبط لنا أصول العلوم وقواعدها.

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} : تفصيلٌ بعد إجمالٍ، بيانًا لأصل هذا الإنسان ونشأته، وإشارةً لمادة خلقه، وطورٍ من أطوارها العجيبة، فمعرفة الإنسان بأصله وأطواره مما يضيء له طريقه وينير بصيرته، وإذا كانت علوم البيئة مبنيةً على علاقة الإنسان ووعيه بالكون والكائنات؛ فإن معرفته بذاته هي الركيزة والمنطلق لهذه المعرفة.

{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} : التوجيه الأول والثاني في رسالة الإسلام (اقرأ) وما ذاك إلا لأهمية القراءة ودورها الحيوي في حياة هذا الكائن، وللمرة الأولى يعرفنا الله بصفةٍ من صفاته، صفة الكرم، فالله تعالى أكرم من كلّ كريمٍ، ومن العجيب أن يستهلّ بها آخر كتبه، بعد فترةٍ من الرّسل واندراسٍ للكتب، وفي هذا ما فيه من التودّد إلى الإنسان والإقبال عليه، والعناية به، وتقديم البشرى له، وحفزه على العلم والعمل؛ فإنّ الذي يثيبه ويجازيه هو أكرم الأكرمين، فليسارع إلى العلم النافع، وليتنافس في ميادينه؛ لخدمة الإنسانية وراحتها ورفاهيتها، فإنّ الأجر والثواب من أكرم الأكرمين، في الدنيا قد تفوته الجوائز وتحجب عنه المحفّزات، ويحرم من التقدير، أو يعيش مغمورًا، ويموت منسيًّا، ولكن هذا لا يضيره؛ لأنه يرتقب الأجر من أكرم الأكرمين، ممن لا يضيع عنده عمل العاملين، ولا يضيع أجر المحسنين {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} .

{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} فالعلم منه تعالى وله تعالى، هو تعالى الذي علّم الإنسانية وأرشدها إلى وسائل التعلّم وأدواته، ونزول هذه الآية على النبي الأميّ لتطرق مسامع الأميين وتلفت أنظارهم إلى العلم ووسائله والقراءة وأدواتها، ولقد كان لذلك أثرٌ بالغٌ على أمّة الإجابة، والتي ارتقت إلى صدارة الأمم وتسلّمت دفّة قيادة موكب الإنسانية، وحملت لواء العلم ومشاعل النور، وشيّدت أرقى حضارةٍ عرفتها الإنسانية في مسيرتها.

{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} فالوحي هو المصدر الأول للتعلّم والتلقّي، والأنبياء إلى جانب دعوتهم لإصلاح الدين جاءوا بصلاح الدنيا، ونقلوا للإنسانية كثيرًا من العلوم والمعارف عن طريق الوحي، حتى تميّز الإنسان بالعلم والفهم، والتلقي والتلقين، والتحصيل والاستيعاب، والتجربة والملاحظة، والاستقراء والاستنباط، والتطوير والابتكار، من منطلق الوحي الإلهي.

تلك هي نظرة القرآن للإنسان، وبيانه لمعالم طريقه، وتوضيحه لعلاقته بخالقه جل وعلا، وفي الرسالة الأولى دعوةٌ للإنسانية أن تقرأ وترتقي سلّم العلم وتستضيء بأنواره، أن تقرأ مستعينةً بربها فهو الخالق الرازق المدبر المعلّم، وأن تجعل من العلم هاديًا ودليلًا لتحقيق عبوديتها لخالقها جل وعلا {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ، فهو تعالى الذي امتنّ على الإنسانية بنعمة الوجود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت