أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الميم والواو والهاء أصلٌ صحيح واحد، ومنه يتفرع كلمه، وهي الموه أصل بناء الماء، وتصغيره مويه، قالوا: وهذا دليلٌ على أن الهمزة في الماء بدل من هاء. يقال: موهت الشيء، كأنك سقيته الماء، وموهت الشيء: طليته بفضةٍ أو ذهب، كأنهم يجعلون ذلك بمنزلة ما يسقاه. وقالوا: ما أحسن موهة وجهه، أي ترقرق ماء الشباب فيه يقال: ماهت السفينة تموه وتماه. دخل فيها الماء. وأماهت الأرض: ظهر فيها نزٌّ، وأماه الفحل: ألقى ماءه في رحم الأنثى، ورجلٌ ماه القلب، أي: كثير ماء القلب» 1، وأصله موه بالتحريك؛ لأنه يجمع على أمواه في القلة ومياه في الكثرة 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الماء-هو «جوهر سيال يضاد النار برطوبته وبرودته، وقيل: الماء جسم لطيف بسيط شفاف يبرد غلة العطش، به حياة كل نامٍ» 3.
وعرف الماء أيضًا بأنه: «سائل عليه عماد الحياة، يتركب من اتحاد الهيدروجين والأكسجين بنسبة حجمين من الأول إلى حجم من الثاني، وهو في نقائه شفاف لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، ومنه: العذب، والملح المعدني، والمقطر» 4.
العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالماء هو الماء.
وردت كلمة (ماء) في القرآن الكريم (63) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم غير مضافة ... 59 ... {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [البقرة:22]
اسم مضافة ... 4 ... {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا} [الملك:30]
وجاء الماء في الاستعمال القرآني على وجهين 6:
الأول: الماء المعروف: ومنه قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنفال:11] .
والثاني: النطفة: ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] . يعني: من نطفة.
المطر:
المطر لغةً:
الميم والطاء والراء أصلٌ صحيحٌ فيه معنيان: أحدهما -وهو المقصود-: الغيث النازل من السماء، يقال: مطرنا مطرًا 7.
المطر اصطلاحًا:
قال الراغب: «المطر: الماء المنسكب» 8.
الصلة بين المطر والماء:
هو نوع من أنواع الماء الموجودة على الكرة الأرضية، لكن المطر مختص بالماء النازل من السماء.
النار:
النار لغةً:
هي النار المعروفة، وهي مؤنث، وهي من الواو؛ لأن تصغيرها نويرةٌ 9.
النار اصطلاحًا:
قال الراغب: «والنار تقال للهيب الذي يبدو للحاسة» 10.
الصلة بين الماء والنار:
الماء تطفئ النار، فهما نقيضان لا يجتمعان.
اليبس:
اليبس لغةً:
يبس ييبس فهو يابسٌ ويبسٌ ويبيسٌ ويبسٌ: إذا كان رطبًا فجف، وأصله: اليبوسة وهو المكان الذي لم يعهد رطبًا، فيبسٌ 11.
اليبس اصطلاحًا:
هو «المكان يكون فيه ماء فيذهب» 12.
الصلة بين الماء واليبس:
إن وجود الماء في المكان يجعله رطبًا، فإذا فقد أصبح يابسًا، فالعلاقة بينهما عكسية، فوجود أحدهما يعني عدم وجود الآخر.
تحدث القرآن الكريم عن الماء كأصل لخلق الأحياء، وكأساس لاستمرار الحياة نوضح ذلك فيما يأتي:
أولًا: الماء كان قبل الكون:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7] .
عن سعيد بن جبيرٍ قال: «سئل ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن قول الله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} ، على أي شيءٍ كان الماء؟ قال: على متن الريح 13 وعن مجاهدٍ رحمه الله، في قول الله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} : قبل أن يخلق شيئًا» 14.
وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده عن عمران بن حصينٍ، قال: (إني عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قومٌ من بني تميمٍ، فقال:(اقبلوا البشرى يا بني تميمٍ) ، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناسٌ من أهل اليمن، فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن؛ إذ لم يقبلها بنو تميمٍ) ، قالوا: قبلنا، جئناك؛ لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان، قال: (كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيءٍ.) 15.
أشار بقوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم؛ لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء 16.
وأكد القرآن الكريم على أن الحياة منذ نشأتها الأولى احتاجت إلى الماء كعامل أساسي لظهورها، حيث ذكر أن الطين كان أول مراحل خلق الكائنات الحية والطين هو التراب المعجون بالماء، فقال عز من قائل: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7] .
وقد ثبت علميًا أن الماء خلق قبل خلق الحياة، قال الدكتور زغلول النجار حفظه الله: «كوكب الأرض هو أغنى كواكب مجموعتنا الشمسية في المياه، ولذلك يطلق عليه اسم (الكوكب المائي) أو (الكوكب الأزرق) ، وتغطي المياه نحو 71? من مساحة الأرض، بينما تشغل اليابسة نحو 29? فقط من مساحة سطحها، وتقدر كمية المياه علي سطح الأرض بنحو 1360 مليون كيلومتر مكعب (1. 36*910) ، وقد حار العلماء منذ القدم في تفسير كيفية تجمع هذا الكم الهائل من المياه علي سطح الأرض؟
والشواهد العديدة التي تجمعت لدى العلماء تؤكد أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلًا من جوفها، ولايزال خروجه مستمرا من داخل الأرض عبر الثورات البركانية» 17.
ثانيًا: الماء والكائنات الحية:
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .
قال بعض العلماء: «الماء الذي خلق منه كل شيءٍ هو النطفة؛ لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص» .
وقال بعض العلماء: «هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرةً كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرةٍ؛ لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلها ناشئةٌ عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهرٌ، وكذلك هو في اللحوم، والألبان، والأسمان ونحوها؛ لأنه كله ناشئٌ بسبب الماء» .
وقال بعض أهل العلم: معنى خلقه كل حيوانٍ من ماءٍ أنه كأنما خلقه من الماء؛ لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه 18.
ثالثًا: الماء أصل خلق البشر:
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان: 54] .
أي: خلق الإنسان من نطفةٍ ضعيفةٍ فسواه وعدله وجعله كامل الخلقة ذكرا وأنثى، كما يشاء، فجعله نسبًا وصهرًا، فهو في ابتداء أمره ولدٌ نسيبٌ، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهارٌ وأختانٌ وقراباتٌ، وكل ذلك من ماءٍ مهينٍ 19.
وقد شملت آية سورة القمر الأطوار المختلفة لخلق الإنسان.
قال تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [القيامة: 37 - 39] .
وقد وصف الله هذا الماء الذي هو أصل البشر بوصفين:
الأول: الماء المهين: قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة: 8] .
والمهين: الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به 20.
الثاني: الماء الدافق: قال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7] .
ماءٌ دافقٌ: أي: مصبوبٌ في الرحم 21. يعني: من ماء مدفوق 22. خارج بقوة وسرعة 23.
والنظرة العلمية تتطابق مع القرآن في تلك التسمية؛ حيث إن سبب تدفقه هو تقلصات جدار الحويصلة المنوية والقناة القاذفة للمني مع تقلصات عضلات العجان 24 فتدفع بالسائل المنوي بمحتوياته من ملايين الحيوانات المنوية عبر الإحليل إلى المهبل 25.
رابعًا: الماء أصل حياة الكائن الحي:
«يقرر العلماء: أن الماء يدخل في بناء أي جسم حي؛ إذ هو في الحقيقة قوام حياته، فالماء في نظر العلم هو المكون الأصلي في تركيب مادة الخلية الحية. والخلية هي وحدة البناء في كل شيء حي، نباتًا كان أو حيوانًا، كما أن علم الكيمياء في أبحاثه الحديثة، أثبت أن الماء عنصر لازم وفعال في كل ما يحدث من التحولات والتفاعلات التي تتم داخل الأجسام، فهو إما وسط، أو عامل مساعد، أو داخل في هذا التفاعل، أو ناتج عنه، إذن الماء هو السائل الوحيد الذي لا غنى عنه لأي كائن حي، مهما كان شكله، أو حجمه، تضاءل أم تضخم. ابتداء من الميكروبات الدقيقة- التي لا يمكن للعين المجردة أن تراها- وانتهاء بالفيلة والحيتان أضخم الكائنات الحية الموجودة على الأرض وفي البحار 26.
ويشكل الماء 90 ? من وزن بعض الكائنات الحية، أما في الإنسان فيشكل الماء أكثر من 60 ? من وزن جسمه، إن الدماغ البشري يحوي 70 ? من وزنه ماءً، الرئتان تحويان نسبة 90 بالمئة ماء، ونسبة الماء في الدم 83 ?، ولذلك فإن الإنسان لا يستطيع العيش بصحة جيدة من دون ماء أكثر من يوم واحد.
خامسًا: الماء أصل حياة النبات:
أهمية الماء للنباتات لا تقل عن أهميتها للكائنات الحية، فالنباتات تمتص الماء من التربة، وبه الغذاء اللازم لنموه.
قال تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] .
وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] .
أي: فإذا أنزل الله عليها المطر، اهتزت أي: تحركت بالنبات، وحييت بعد موتها، وربت أي: ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون من ثمار وزروع وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومه وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: {وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} أي: حسن المنظر طيب الريح 27.
ومما كشفه العلم أن النباتات والأشجار إذا أحست بالعطش، أو بنقص الماء طلبته وألحت في النداء عليه، كما يصنع الأطفال من بني البشر، فقد قام فريق من العلماء في جامعة إنجليز بولاية ويلز الأسترالية بإجراء تجربة على النباتات التي تعاني من العطش، وسجلوا الذبذبات الصغيرة التي تصدر من أوراقها وسيقانها آنئذ، وقد استخدمت في هذه التجارب أجهزة دقيقة جدًا؛ لتسجيل ذبذبات الصوت، وقارنوها بالذبذبات الناتجة عن النبات في حال توافر الماء، وجدوا أن الذبذبات في الحالة الأولى أشد وأقوى، وكأن النبات يصيح ويصرخ؛ لكي يحصل على احتياجاته من الماء 28.
سادسًا: الماء والدواب:
قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور: 45] .
يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه أنواع المخلوقات، على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، من ماءٍ واحدٍ، {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} كالحية وما شاكلها، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ} كالإنسان والطير، {وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} كالأنعام وسائر الحيوانات 29.
وكل ما يدب على الأرض ذات أصل واحد. ثم هي- كما ترى العين- متنوعة الأشكال. منها الزواحف تمشي على بطنها، ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمين. ومنها الحيوان يدب على أربع. كل أولئك وفق سنة الله ومشيئته، لا عن فلتة ولا مصادفة، {يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} غير مقيد بشكل ولا هيئة.
فالنواميس والسنن التي تعمل في الكون قد اقتضتها مشيئته الطليقة وارتضتها، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهي بهذا التنوع في الأشكال والأحجام، والأصول والأنواع، والشيات والألوان. وهي خارجة من أصل واحد؛ ليوحي بالتدبير المقصود، والمشيئة العامدة. وينفي فكرة الفلتة والمصادفة.
وإلا فأي فلتة تلك التي تتضمن كل هذا التدبير وأية مصادفة تلك التي تتضمن كل هذا التقدير؟ إنما هو صنع الله العزيز الحكيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى 30.
قال الرازي رحمه الله: «لما كان الغالب جدًا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدةٌ من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلًا للغالب منزلة الكل» 31.
وتنوع المخلوقات مع وحدة المنشأ من دلائل التوحيد وإثبات الذات الإلهية.
يقوم الماء بوظائف عديدة مهمة وحيوية للمحافظة على استمرار الحياة، وتتلخص فيما يلي:
يعتبر الماء هو الوسط الذي يذوب فيه وتنتقل بواسطته جميع عناصر الغذاء من عضو لآخر حيث تؤدي وظائفها.
يسهل عمليات الهضم والامتصاص والإخراج، فوجود الماء داخل القناة الهضمية يسهل عملية الإخراج وتخلص الجسم من الفضلات.
يحافظ على مستوى الضغط الأسموزي بداخل وخارج الخلايا عند الحد الطبيعي، ويقوم بعملية التوازن الإلكتروني داخل الجسم.
يقوم بدور هام في المحافظة على ثبوت درجة حرارة الجسم عند حدها الطبيعي، ففي الأجواء الحارة وعند شعور الشخص بارتفاع درجة الحرارة لإصابته بحمى مثلًا، يحدث عملية التعرق التي ترطب الجلد وتوازن درجة حرارته وتؤدي إلى انخفاضها.
يحمل الماء المواد الضارة أو السامة للجسم والناتجة عن التمثيل الغذائي عن طريق الكليتين؛ ليتخلص منها على هيئة بول مثل البولينا والحامض البولي وغيرها.
يقوم الماء بدور الملين للمواد الغذائية، فيسهل عملية مضغها؛ لوجوده باللعاب وبالتالي بلعها وهضمها.
يعتبر الماء عنصرًا مهما في عملية بناء الخلايا، ويساعد على سرعة التئام الأنسجة عند إصابتها بالجروح أو الأمراض، والماء في الجسم يوجد على شكلين؛ أحدهما خارج الأنسجة ويمثل الجزء الأكبر، والآخر داخل الأنسجة، والماء خارج الأنسجة يمثل السوائل الموجودة بالدم واللمف وسائل النخاع الشوكي والافرازات الأخرى؛ مثل الإفرازات المعدية، والصفراء والبنكرياس وغيرها، أما الماء داخل الأنسجة فيمثل السوائل المحيطة بالخلايا في المساقات البينية والسوائل المكونة للبروتوبلازم داخل الخلايا نفسها 32.
للماء مصادر تحدث عنها القرآن الكريم نبينها فيما يأتي:
أولًا: السماء:
إنزال الماء من السماء يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله، والتذكير بنعمته كذلك، فهو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعًا:
قال تعالى: {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .
وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم: 32] .
قال ابن عاشور رحمه الله: «واعلم أن كون الماء نازلًا من السماء هو أن تكونه يكون في طبقات الجو من آثار البخار الذي في الجو، فإن الجو ممتلئ دائمًا بالأبخرة الصاعدة إليه بواسطة حرارة الشمس من مياه البحار والأنهار ومن نداوة الأرض ومن النبات» 33.
وقال تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 164] .
أي: فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها 34.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} [الأنعام: 99] .
أي: فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش، وأرزاق بني آدم وأقواتهم ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون 35.
وقال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] .
أي: جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم، ونحن الخازنون لهذا الماء، ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا 36.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] .
أي: لكم منه شرابٌ أي: جعله عذبًا زلالًا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحًا أجاجًا، وأخرج لكم منه شجرًا ترعون فيه أنعامكم 37.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج: 63] .
أي: خضراء بعد يباسها ومحولها.
وقال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون: 18] .
أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابليةً له تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى 38.
ثانيًا: الأرض:
قال تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} [النازعات: 31] .
عن الضحاك رحمه الله: «ماءها: ما فجر فيها من الأنهار» 39. ونسب الماء والمرعى إلى الأرض؛ حيث هما يظهران فيها 40، «وقدم الماء على المرعى؛ لأنه سبب في وجود المرعى» 41.
وقال الرازي رحمه الله: «قوله تعالى: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} فيه مسألتان:
المسألة الأولى: ماؤها: عيونها المتفجرة بالماء ومرعاها: رعيها، وهو في الأصل موضع الرعي.
فإن قيل: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟ قلنا: لوجهين:
الأول: أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها؛ للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل، وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها.
والثاني: أن يكون أخرج حالا، والتقدير: والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماءها ومرعاها.
المسألة الثانية: أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام، ونظيره قوله في النحل: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] .
وقال في سورة أخرى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 25 - 32] .
فكذا في هذه الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف: 12] .
وقرئ: (نرتع) من الرعي، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] .
فانظر كيف دل بقوله: ماءها ومرعاها على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر، والحب والثمر والعصف والحطب، واللباس والدواء حتى النار والملح، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} [الواقعة: 71، 72] .