فذكر الله وامتلاء القلب بهذا الذكر يفيض على الذاكر أنوارًا من جلال الله وبهائه، وإذا هو في حمى عزيز لا ينال، وفي ضمان وثيق من أن يهون، أو يذل لغير الله الواحد القهار، وأسمى الذكر وأكمله هو ذكر العارفين بالله معرفة يطلعون منها على ما يملأ قلوبهم جلالًا وخشية لله، حيث يشهدون من كمالات الله ما لا يشهده إلا المقربون، الذي رضي الله عنهم، ورضوا عنه 246.
فذكر الله لك أيها العبد أعظم من ذكرك له، وأكبر من ذكرك له، وأشرف من ذكرك له، وذكر الله تعالى امتلاء النفس بعظمته وقدرته وجلالته، والإحساس بنعمه الظاهرة والباطنة، وليس ذكره جلت قدرته بترديد اللسان فقط، بل إن الذكر طاعة لله، فمن أطاع الله فقد ذكر الله، ومن لم يطعه فليس بذاكر، وإن أكثر التسبيح وتلاوة الكتاب، قال أبو جعفر: «يعني: -تعالى ذكره- بذلك: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به، وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم» 247.
ومن فوائد الذكر: المغفرة، ودخول الجنة، قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] .
فالذاكرون الله بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم والذاكرات كذلك أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، و {وَأَجْرًا عَظِيمًا} يعني: ثوابًا في الآخرة على ذلك من أعمالهم عظيمًا؛ وذلك الجنة 248. وعطف {وَالذَّاكِرَاتِ} أي: كذلك في الحكم، فليس هذا الحكم خاص بالرجل فقط، ففي الآية الكريمة تسوية بين الرجل والمرأة في مقام التكليف والجزاء.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي ما بين اعتقادات وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعدٍ وقاصر، وما بين أفعال الخير وترك الشر الذي من قام بهن فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان، فجازاهم على عملهم بالمغفرة لذنوبهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات {وَأَجْرًا عَظِيمًا} لا يقدر قدره إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم 249.
وهذه الصفات الكثيرة التي جمعت في هذه الآية تتعاون في تكوين النفس المسلمة، فهي الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم وحفظ الفروج، وذكر الله كثيرًا، ولكل منها قيمته في بناء الشخصية المسلمة. وبقية ألفاظ الآية في غاية البيان والوضوح.
ثالثًا: الفلاح:
ومن فوائد الذكر: الحصول على الفلاح، وهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب.
قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10] .
وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .
وقد علم الله عباده هنا في هذه الآية الثانية إذا التقوا بالفئة -وهي الجماعة من المحاربين- نوعين من الأدب: الأول: الثبات، وهو أن يوطنوا أنفسهم على اللقاء ولا يحدثوها بالتولي، والثاني: أن يذكروا الله كثيرًا، وفي تفسير هذا الذكر قولان:
القول الأول: أن يكونوا بقلوبهم ذاكرين الله، وبألسنتهم ذاكرين الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أمر الله أولياءه بذكره في أشد أحوالهم تنبيهًا على أن الإنسان لا يجوز أن يخلي قلبه ولسانه عن ذكر الله، ولو أن رجلًا أقبل من المغرب إلى المشرق ينفق الأموال سخاء، والآخر من المشرق إلى المغرب يضرب بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجرًا» .
والقول الثاني: أن المراد من هذا الذكر الدعاء بالنصر والظفر؛ لأن ذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى 250.
والآية محتملة للمعنيين.
وهنا أيضًا قال: {كَثِيرًا} أي: ذكرًا كثيرًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} قال: «لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء: 103] .
بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حالٍ» 251.
{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يقول: كيما تنجحوا فتظفروا بعدوكم، ويرزقكم الله النصر والظفر عليهم 252؛ لأن مقاتلة الكافر إن كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك جاريًا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى، وهذا هو أعظم مقامات العبودية، فإن غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة، وإن صار مغلوبًا فاز بالشهادة والدرجات العالية، أما إن كانت المقاتلة لا لله، بل لأجل الثناء في الدنيا، وطلب المال لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح 253.
فالفلاح في هذه الآية له أوجه:
أحدها: على رجاء الفلاح.
والثاني: أي: لكي تفلحوا.
والثالث: على قطع وجوب الفلاح إذا فعل ذلك؛ بما قالوا: إن (لعل) و (عسى) من الله تعالى واجبة 254.
والحاصل: أن {تُفْلِحُونَ} مضارع (أفلح الرجل يفلح فهو مفلح) : إذا نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب إطلاقين معروفين مشهورين:
أحدهما: تطلق العرب الفلاح بمعنى الفوز بالمطلوب الأكبر، فكل من فاز بالمطلوب الذي كان يهتم به جدًا، وهو من أكبر مطالبه، تقول العرب: أفلح هذا، أي: فاز بما كان يطلب، وهذا معنًى معروف في كلام العرب.
الإطلاق الثاني: هو إطلاق العرب الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، فالعرب تقول: أفلح هذا: إذا كان باقيًا خالدًا في نعيم سرمدي، وهذا المعنى معروف مشهور في كلام العرب أيضًا.
والمقصود: أن من أطاع الله جل وعلا وذكره كثيرًا نال الفلاح بمعنييه، ففاز بمطلوبه الأكبر، وهو الجنة ورضا الله، ونال البقاء السرمدي الأبدي في نعيم الجنات.
وهذه الآية الكريمة تدل على أن الذين إذا لقوا فئة من فئات الكفار في ميدان القتال ولم يثبتوا أو لم يذكروا الله كثيرًا أنهم لا يفلحون، وهو كذلك؛ لأن النصر من الله، كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [الأنفال: 10] .
قال في بدر: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126] .
مع أنه أنزل ملائكة السماء ناصرين، يعني: لا تظنوا أن الملائكة ينصرونكم، الناصر هو الله وحده جل وعلا؛ ولذا قال: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] 255.
والخلاصة: إننا أمرنا بالذكر على كل حال نكون عليها في الحرب، كما يدل على ذلك السياق، فأجدر بأن نؤمر به في حال السلم، إلى أن المؤمنين في جهاد مستمر، وحروب دائمة، فهم تارة يجاهدون الأعداء، وأخرى يجاهدون الأهواء، ومن ثم أمرهم الله بالذكر في كثير من الآي 256.
وعن كعب الأحبار قال: «ما من شيء أحب إلى الله من قراءة القرآن والذكر؛ ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه قد أمر الناس بالذكر عند القتال؟ فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] » 257.
رابعًا: النجاة من البلاء:
ومن فوائد الذكر: النجاة من البلاء، قال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144] .
يقول تعالى ذكره: {فَلَوْلَا أَنَّهُ} يعني: يونس عليه السلام {كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} من الذاكرين الله قبل ذلك، وكان عليه السلام كثير الذكر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من المصلين» ، وقال وهب: «من العابدين» ، وقال الحسن: «ما كانت له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملًا صالحًا» ، وقال الضحاك: «شكر الله تعالى له طاعته القديمة» ، وقيل: فلولا أنه كان من المسبحين في بطن الحوت، قال سعيد ابن جبير: «يعني: قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] » 258. وكل الأقوال صحيحة.
قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «إن العبد إذا كان له دعاء في السر، فإذا نزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء، فيشفعون له فينجيه الله، فإذا لم يكن له دعاء قالوا: الآن فلا تشفعون له» ، بيانه: لفظة فرعون: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} [يونس: 91] 259.
والمقصود: أن من فوائد الذكر النجاة من الكروب، كما ذكر الله من حال يونس عليه السلام أنه كان من الذاكرين الله قبل البلاء، فذكره الله في حال البلاء، فأنقذه ونجاه.
خامسًا: اطمئنان القلوب:
ومن فوائد الذكر: حصول الطمأنينة، وقد مدح الله قومًا اطمأنت قلوبهم بذكره، وفي الذكر وجدوا سلوتهم، وبالذكر وصلوا إلى صفوتهم.
قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .
قوله: {تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي: تسكن قلوبهم، وتستأنس بذكر الله 260.
وفي هذا الذكر قولان:
أحدهما: أنه القرآن؛ لأنه يسمى ذكرًا، كما قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50] .
وقال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] . لأنه آية بينة تسكن القلوب، وتثبت اليقين فيها.
والثاني: ذكر الله على الإطلاق.
وفي معنى هذه الطمأنينة قولان:
أحدهما: أنها الحب له والأنس به.
والثاني: السكون إليه من غير شك، بخلاف الذين إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم، والمعنى: تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين؛ لأن الكافر غير مطمئن القلب 261.
والمعنيان مرادان، ولا تعارض بينهما، فذكر الله تسبيحه وتهليله وتكبيره، ويحتمل أن يكون المراد به القرآن.
قال السعدي: «ثم ذكر تعالى علامة المؤمنين، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي: حقيق بها وحريٌ أن لا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته، وعلى قدر معرفتها بالله ومحبتها له يكون ذكرها له، هذا على القول بأن ذكر الله ذكر العبد لربه، من تسبيح وتهليل وتكبير وغير ذلك.
وقيل: إن المراد بذكر الله كتابه الذي أنزله ذكرى للمؤمنين، فعلى هذا معنى طمأنينة القلوب بذكر الله: أنها حين تعرف معاني القرآن وأحكامه تطمئن لها، فإنها تدل على الحق المبين المؤيد بالأدلة والبراهين؛ وبذلك تطمئن القلوب، فإنها لا تطمئن القلوب إلا باليقين والعلم؛ وذلك في كتاب الله، مضمون على أتم الوجوه وأكملها، وأما ما سواه من الكتب التي لا ترجع إليه فلا تطمئن بها، بل لا تزال قلقة من تعارض الأدلة، وتضاد الأحكام» 262.
وعدل إلى صيغة المضارع؛ لإفادة دوام الاطمئنان واستمراره {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي: بذكره دون غيره تسكن القلوب أنسًا به، واعتمادًا عليه، ورجاء منه، وقدر بعضهم مضافًا، أي: بذكر رحمته ومغفرته، أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته 263.
واختير المضارع في {تَطْمَئِنُّ} مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره، وأنه لا يتخلله شك ولا تردد.
وافتتحت جملة {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ} بحرف التنبيه اهتمامًا بمضمونها، وإغراء بوعيه، وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف القلوب من التعميم، وفيه إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبير في القرآن؛ لتطمئن قلوبهم، كأنه يقول: إذا علمتم راحة بال المؤمنين، فماذا يمنعكم بأن تكونوا مثلهم؟! فإن تلك في متناولكم؛ لأن ذكر الله بمسامعكم 264.
إذن تطمئن القلوب بإحساسها بالصلة بالله، والأنس بجواره، والأمن في جانبه وفي حماه، تطمئن من قلق الوحدة، وحيرة الطريق، بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير، وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء، ومن كل ضر، ومن كل شر إلا بما يشاء، مع الرضا بالابتلاء والصبر على البلاء، وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، فاتصلت بالله، يعرفونها ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها؛ لأنها لا تنقل بالكلمات، إنما تسري في القلب فيستروحها، ويهش لها، ويندى بها ويستريح إليها، ويستشعر الطمأنينة والسلام، ويحس أنه في هذا الوجود ليس مفردًا بلا أنيس، فكل ما حوله صديق؛ إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه.
وليس أشقى على وجه هذه الأرض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله، ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله في الكون؛ لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون، ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لم جاء؟ ولم يذهب؟ ولم يعاني ما يعاني في الحياة؟ ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شيء خيفة؛ لأنه لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شيء في هذا الوجود، ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريدًا وحيدًا شاردًا في فلاة، عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين، وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكنًا إلى الله، مطمئنًا إلى حماه، مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد، ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله 265.
سادسًا: مغفرة الذنوب:
ومن فوائد الذكر: مغفرة الذنوب.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135 - 136] .
فهؤلاء إذا فعلوا فاحشة بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعد به العاصين، ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها.
{أُولَئِكَ} الموصوفون بتلك الصفات {جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} تزيل عنهم كل محذور {وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلًا، ولا يغير ما هم فيه من النعيم {وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} عملوا لله قليلًا، فأجروا كثيرًا، فـ «عند الصباح يحمد القوم السرى» ، وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملًا موفرًا 266.
والمقصود: أنهم حصلوا على هذه المغفرة من الله، والجنات، والخلود فيها بسبب الاستغفار، وهو ذكر من الأذكار.
موضوعات ذات صلة:
الاستعانة، الاستغاثة، الاستغفار، التسبيح، الحمد، الغفلة
1 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 10/ 94، مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 358، تاج العروس، الزبيدي 11/ 387.
2 الفتوحات الربانية شرح الأذكار النووية 1/ 396.
3 مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 661.
4 الوابل الصيب من الكلم الطيب ص 89.
5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 270 - 275.
6 انظر: الوجوه والنظائر في القرآن، مقاتل بن سليمان، ص 51 - 55، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 217 - 220، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 301 - 305.
7 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 125، لسان العرب، ابن منظور 3/ 1914.
8 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 223، لسان العرب، ابن منظور 2/ 472.
9 انظر: الصحاح، الجوهري 6/ 2337، مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 280.
10 بدائع الفوائد 3/ 9.
11 تفسير المراغي 9/ 156.
12 أحكام القرآن، الجصاص 4/ 222.
13 التفسير القيم ص 259.
14 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1426.
15 التحرير والتنوير، ابن عاشور 9/ 242.
16 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 355.
17 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 494.
18 البحر المحيط، أبو حيان 5/ 263.
19 الكشاف، الزمخشري 2/ 192.
20 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 5/ 553.
21 التفسير المظهري 3/ 454.
22 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 539.
23 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير 4/ 57، رقم 2992.
24 أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، 9/ 121، رقم 7405.
25 مجموع فتاوى ابن تيمية 15/ 35.
26 أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر 1/ 115، رقم 555، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما 1/ 439، رقم 632.
27 محاسن التأويل، القاسمي 5/ 248.
28 الدر المختار، وحاشية ابن عابدين: رد المحتار 6/ 398.
29 انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 21/ 226.
30 تصحيح الدعاء ص 90 - 92.
31 الأذكار، النووي ص 9.
32 انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 21/ 226.
33 مفاتيح الغيب، الرازي 29/ 424.
34 انظر: التصاريف لتفسير القرآن مما اشتبهت أسمائه وتصرفت معانيه ص 158.
35 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، 5/ 320، رقم 3377، وابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب فضل الذكر، 2/ 1245، رقم 3790.
وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/ 513، رقم 2629.
36 جامع العلوم والحكم، ابن رجب 2/ 525.
37 الجواهر الحسان، الثعالبي 3/ 110، مفاتيح الغيب، الرازي 15/ 442.
38 انظر: الفتوحات الربانية 1/ 106 - 108.
39 التحرير والتنوير 22/ 24.
40 العذب النمير 4/ 463.
41 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 9/ 441.
42 التسهيل، ابن جزي 1/ 319.
43 الجواهر الحسان، الثعالبي 3/ 110.
44 الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني 2/ 329.
45 الكشاف، الزمخشري 1/ 454.
46 الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن القيم ص 88.
47 مجموع فتاوى ابن تيمية 10/ 566.
48 إكمال المعلم، القاضي عياض 8/ 189.
49 المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي 17/ 16.
50 المصدر السابق.
51 البحر المديد، ابن عجيبة 5/ 251.
52 مختصر خليل ص 31.
53 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 314.
54 جامع البيان، الطبري 15/ 453.
55 الوسيط، الواحدي 3/ 175.
56 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، 5/ 532، رقم 3510.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس» .
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص 100، رقم 699.
57 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر 4/ 2074، رقم 2699.
58 سبل السلام 2/ 700.
59 الأذكار، النووي ص 8.
60 انظر: الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع، محمد الخميس ص 52 - 53.
61 الأم، الشافعي 1/ 150.
62 مجموع فتاوى ابن تيمية 22/ 519.
63 الاعتصام، الشاطبي 1/ 506.
64 المدخل، ابن الحاج 1/ 91.
65 مجموع فتاوى ابن باز 30/ 44.
66 مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 16/ 268.
67 مجموع فتاوى صالح الفوزان 1/ 300.
68 الاعتصام 4/ 318.
69 تصحيح الدعاء ص 134.
70 انظر: البدع، ابن وضاح 1/ 47.
71 أخرجه الدارمي في سننه، 1/ 142، رقم 222.
72 المحكم والمحيط الأعظم 5/ 499.
73 المصدر السابق ص 543.