فهرس الكتاب

الصفحة 2357 من 2431

العلن

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (علن) على إظهار الشيء والإشارة إليه وظهوره.

والعلان والمعالنة والإعلان بمعنى المجاهرة.

ويقال: علن الأمر يعلن علونًا ويعلن وعلن يعلن علنًا وعلانية فيهما، إذا شاع وظهر.

والإعلان: إظهار الشيء 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يخرج المعنى الاصطلاحي للعلن عن المعنى اللغوي، فقد عرفها المناوي بقوله: «العلانية: ضد السر، وأكثر ما يقال في المعاني دون الأعيان» 2.

وفي بعض المعاجم الحديثة: الإعلان هو: «إظهار الشيء بالنشر عنه في الصحف ونحوها، والعلانية خلاف السر، ويوصف به فيقال: رجل علانية ظاهر أمره، وجمعها علانون» 3.

وردت مادة (علن) في القرآن الكريم (16) مرة 4.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) } [نوح:9]

الفعل المضارع ... 10 ... {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم:38]

المصدر ... 4 ... {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} [البقرة:274]

وجاء العلن في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: الإظهار والمجاهرة ضد الإخفاء والإسرار 5.

الجهر:

الجهر لغة:

جهرت الشيء إذا كشفته، وجهرته واجتهرته أي رأيته بلا حجاب بيني وبينه، والجهر العلانية وفي الحديث (وكان عمر رجلًا مجهرًا) 6 أي صاحب جهرٍ ورفع لصوته، والجهر هو ما ظهر.

والجهر أيضًا: رفع الصوت يقال جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها 7.

الجهر اصطلاحًا:

هو «رفع الصوت بحيث يسمع نفسه ومن جاوره» 8.

الصلة بين الجهر والعلن:

أن العلانية أعم من الجهر، ولا يقتضي الإعلان رفع الصوت به، والجهر يقتضي رفع الصوت به 9.

الإخفاء:

الإخفاء لغة:

الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد 10.

والإخفاء اصطلاحًا هو:

الستر ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها 11.

الصلة بين الإخفاء والعلن:

أن الإخفاء ضد العلانية.

السر:

السر لغة هو:

ما يكتم في النفس من الحديث، وهو خلاف الإعلان، والجمع الأسرار، يقال: سررته: كتمته، كما يطلق على: ما يظهر؛ لأنه من الأضداد، يقال: سررته: أعلنته، والوجهان جميعا في تفسير قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [يونس: 54] .

الأول: كتموها، والثاني: أظهروها بدليل قوله تعالى: {فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا} [الأنعام: 27] ؛ ولأن دار الآخرة ليست دار تجلد وتصبر?.

السر اصطلاحًا هو:

اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها 12.

الصلة بين السر والعلن:

أن السر ضد العلانية.

بالنظر إلى آيات الكتاب العزيز التي تناولت العلن والسر، نجد أن أكثرها قدم فيها السر على العلن، والإخفاء على الإبداء، وهذا التقديم لحكمٍ سامية، ومعانٍ عالية استنبط منها المفسرون ما أفاء الله به عليهم.

قال تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) } [آل عمران: 29] .

وهنا نجد أن المولى سبحانه وتعالى قدم فيه الإخفاء على الإبداء على عكس ما وقع في قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله إذ لم يتعلق بإشعار أن المحاسبة بما يخفونه أولى منها بما يبدونه غرض بل الأمر بالعكس وأما ههنا فقد تعلق بإشعار كون تعلق علمه تعالى بما يسرونه أولى منه بما يعلنونه غرض مهم مع كونهما على السوية كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة والكامنة 13.

وقال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) } [هود: 5] .

وقد روي في سبب نزول الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو المنطق حسن السياق للحديث يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة ويضمر في قلبه ما يضادها.

وقال ابن شداد: إنها نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يراه النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه لو رآه النبي صلى الله عليه وسلم لم يمكنه التخلف عن حضور مجلسه والمصاحبة معه وربما يؤدى ذلك إلى ظهور ما في قلبه من الكفر والنفاق.

وقيل: «كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخى ستره ويحني ظهره» ، فهنا تفيد الآية أنه يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه ما عسى يظهرونه وإنما قدم السر على العلن نعيا عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذانًا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقًا للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه 14.

وقال تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النحل: 23] .

وقال جل شأنه: {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) } [يس: 76] .

ففي هذه الآية نجد أن تقديم السر على العلن إما للمبالغة في بيان شمول علمه تعالى لجميع المعلومات، كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه مع استوائهما في الحقيقة، فإن علمه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الاشياء البارزة والكامنة، وإما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن، إذ ما من شئ يعلن إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب قبل ذلك فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية حقيقة 15.

وقال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) } [النحل: 19] .

وقال تعالى: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] .

وقال تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: 4] .

وحكمة تقديم السر على العلن أنها بمثابة النعي عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذانا بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه وتحقيقا للمساواة بين العلمين على أبلغ وجه فكأن علمه سبحانه بما يسرونه أقدم منه بما يعلنونه وحاصل المعنى يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سرهم وعلنهم فكيف يخفى عليه سبحانه ما عسى أن يظهروه 16.

أما الآيات التي قدم فيها الإبداء على الإخفاء، أو العلن على السر، فهي آيات قليلة.

ومن ذلك قوله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) } [البقرة: 33] .

وهنا حيث كان واردا بصدد الخطاب مع الملائكة عليهم السلام المنزه مقامهم عن اقتضاء التأكيد والمبالغة في الإخبار بإحاطة علمه تعالى بالظاهر والباطن لم يسلك فيه ذلك المسلك -وهو تقديم الخفاء على العلن- مع أنه وقع الغنية عنه بما قبله من قوله عز و جل إني أعلم غيب السموات والأرض ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب فتعلق علمه سبحانه بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية 17.

وقال تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) } [المائدة: 99] .

وقال جل شأنه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) } [النور: 29] .

ثانيًا: حكمة المقابلة بين العلن والسر والإخفاء والإكنان:

المتتبع لآيات القرآن الكريم التي تحدثت عن العلن والسر، أو الإخفاء والإكنان يجد فيها مقابلة بليغة بين هذه الألفاظ، وما ذلك إلا صورة بليغة من صور بلاغة الكتاب العزيز.

ومن هذه الصور ما يلي:

1.المقابلة بين التعريض والإكنان في خطبة النساء.

أباح الله سبحانه وتعالى للرجال التعريض بالخطبة للمعتدة من وفاة خلال فترة العدة، وكذا الإكنان بمعنى إخفاء الرغبة في الزواج في نفس الرجل فقال جل شأنه {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} [البقرة: 235] .

وللبيضاوي كلام طيب في معنى الآية وما فيها من بلاغة أوجزه على هذا النحو:

قال ما ملخصه: «إن التعريض والتلويح إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازا، والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه، والمراد بالنساء المعتدات للوفاة، وتعريض خطبتها أن يقول لها: إنك جميلة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك.

{أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أو أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحا ولا تعريضًا.

{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فيهن، وفيه نوع توبيخ.

{وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} استدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدهن نكاحا أو جماعا عبر بالسر عن الوطء؛ لأنه مما يسر ثم عن العقد لأنه سبب فيه وقيل معناه: لا تواعدوهن في السر على أن المعنى بالمواعدة في السر المواعدة بما يستهجن.

{سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي: لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف» 18.

2.العلاقة بين السر وما أخفى منه.

قال الله تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) } [طه: 7] .

قال العكبري: قوله تعالى «وأخفى» يجوز أن يكون فعلا ومفعوله محذوف: أي وأخفى السر عن الخلق، ويجوز أن يكون اسما: أي وأخفى منه 19.

وأشار الزجاج إلى أن من صور حذف المفعول في القرآن الكريم قول الله تعالى {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) } [طه: 7] .

والمعنى: «فإنه يعلم السر وأخفى، أي أخفى سره، كقوله {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) } [الجن: 26] .

وقيل: «بل تقديره: بل أخفى من السر، فحذف الجار والمجرور، كقوله الله أكبر، أي أكبر من كل شيء 20.

قال الرازي: «ذهب أبو حيان إلى أنه رضي الله تعالى عنه اعتبر في الآية حذف أحد المتقابلين اكتفاءا بالآخرة وكلامه رضي الله تعالى عنه محتمل لذلك ويحتمل أنه ذكر العلانية في بيان المعنى لأن من علم السر علم العلانية من باب أولى، ويحتمل أن ذلك لأنه ما من علانية إلا وهي غيب بالنسبة إلى بعض الأشخاص؛ فيكون قد أشار رضي الله تعالى عنه ببيان المعنى وذكر السر والعلانية فيه إلى أن المراد بغائبة في الآية ما يشملها وهو ما اتصف بالغيبة أعم من أن تكون مطلقة أو إضافية» 21.

3.المقابلة بين السر والجهر.

قال الله تعالى {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) } [الأنعام: 3] .

تفيد وحدانية الله تعالى.

قال الزمخشري فيها: «فإن قلت: كيف موقع قوله {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} .

قلت: إن أراد المتوحد بالإلهية كان تقريرًا له، لأن الذي استوى في علمه السر والعلانية، هو الله وحده» 22.

يمكن تقسيم العلن إلى أنواع متعددة باعتبارات مختلفة بيانها بإيجاز على النحو التالي:

أولًا: العلن المحمود والعلن المذموم:

يمكن تقسم العلن إلى نوعين: علن محمود، وعلن مذموم.

فالعلن المحمود هو الذي حث القرآن الكريم عليه، وامتدحته السنة النبوية المطهرة، وهو كل علن يحقق منفعة للأمة المسلمة، أو يدفع عنها ضررًا، أو يهدي ضالا أو يرشد حيرانًا.

وهذا النوع يشمل: الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، ودعوة غير المسلمين إلى الدخول في دين الإسلام، والجهر بالعبادات البدنية كالصلاة وقراءة القرآن والذكر، والتكبير في الأعياد ونحوها، والعبادات البدنية والمالية كالحج، والعبادات المالية كالزكاة والصدقة إذا خلتا من الرياء وقصد بها حث الناس على تنفيذ فرائض الله تعالى.

ويشمل هذا النوع من العلن أيضًا إعلان التظلم لنيل المظلوم حقه من الظالم، وتحذير الناس منه قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) } [النساء: 148] .

وإعلان أعمال الخير المختلفة ليتأسى الناس فيها بفاعل الخير وباذل المعروف.

والعلن المذموم هو الذي يضر بعقيدة المسلم وعبادته، كموالاة الكفار ومجاراتهم في غيهم وضلالهم، وكذا العلن الذي ينشر الفاحشة والرذيلة في المجتمع، كالجهر بالمعاصي القولية والفعلية.

والتي حذر القرآن الكريم منها في قول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) } [النور: 19] .

ويشمل العلن المذموم كذلك قيام أحد الزوجين بإفشاء الأسرار الزوجية، حيث يتنافى ذلك مع مكارم الأخلاق، ومع وصف الله تعالى للحياة الزوجية بقوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] .

ومن العلن المذموم أيضًا إفشاء الأسرار الحربية، نظرًا لما يجلبه ذلك من خطر على الأمة الإسلامية، وفتح مجال لأعدائها للنيل منها.

وسيأتي بسط الكلام في صور العلن المحمود والمذموم وبيان منافع الأول ومضار الثاني، فيما يأتي.

ثانيًا: العلن الخاص والعلن العام:

يمكن تقسيم العلن باعتبار الشخص إلى قسمين: علن شخصي، وعلن عام، فالعلن الخاص أو الشخصي هو ما يختص بالفرد نفسه فيما يتعلق بشئونه هو مثل قضاء حوائجه ومصالحه المختلفة، بحيث يحق له أن يظهرها أو يخفيها، وذلك كأسراره الخاصة، أو أسراره الزوجية، أو عباداته وطاعاته المختلفة التي لا يطلع عليها الناس، كقيام الليل وقراءة القرآن والأذكار.

والعلن العام هو ما يتعلق بعموم جماعة بعينها أو دولة معينة، أو الأمة بأسرها، وذلك كأمور العمل في المهن أو الوظائف المختلفة، حيث يحظر على الشخص الذي يعمل في جهة معينة أن يجهر أو يفشي أسرار عمله للغير، لا سيما إذا كان عمله في مكان ذي أهمية كبيرة.

وهذا يشمل على سبيل المثال: الأسرار العسكرية، والسياسية الخاصة بالدول، ويشمل أسرار العمل في الدوائر المختلفة حكومية كانت أو خاصة، ويشمل أسرار المهنة كما في بعض المهن الحرفية الدقيقة التي يكلف صاحبها بأن لا يفشي أسرارها للمنافسين.

وسيأتي تفصيل الكلام عن العلن الخاص بالمرء والعلن العام وما يقبل منه وما لايقبل.

الله سبحانه وتعالى عالم بكل شيء خفي أو ظهر، بان أو استتر، يعلم ما كان وما هو كائن وما سوف يكون وما لم يكن، ولو كان كيف كان سيكون، والسر والجهر في علم الله تعالى سواء، وقد تواترت الآيات الكريمة المصرحة بذلك.

والناظر في الآيات القرآنية التي تحدثت عن السر والجهر وما يتعلق بهما يجد أنها تتحدث عن:

أولًا: استواء السر والجهر في علم الله تعالى:

وذلك مذكور بلفظ صريح في قول الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) } [الرعد: 9 - 10] .

والآية صريحة الدلالة على أن الله تعالى يستوي عنده السر والعلن، فمن أسر القول أو أظهره، لا يقدم شيئا ولا يؤخر في علم الله تعالى، وهو ما ذهب إليه جمهور المفسرين من السلف وغيرهم 23.

قال ابن الجوزي نقلا عن ابن الأنباري: «ناب سواء عن «مستو» والمعنى مستو منكم من أسر القول أي أخفاه وكتمه ومن جهر به أعلنه وأظهره والمعنى أن السر والجهر سواء عنده» 24.

ومما روي عن السلف في ذلك ما يلي:

-ما روي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) ، قال: السر والجهر عنده سواء 25.

-وما روي عن قتادة رضي الله عنه قوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) كل ذلك عنده تبارك وتعالى سواء، السر عنده علانية والظلمة عنده ضوء 26.

-وما روي عن الحسن رضي الله عنه: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) قال: «يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ويعلم من العلانية ما يعلم من السر» 27.

وسبب نزول الآيتين -هذه والتي قبلها - كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس - وهو أخو لبيد بن ربيعة الشاعر لأمه - أقبلا يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل من أصحابه يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك فقال: دعه فإن يرد الله به خيرًا يهده، فأقبل حتى قام عليه قال: يا محمد مالي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، قال: تجعل لي الأمر بعدك قال: لا ليس ذلك إلي إنما ذاك إلى الله تعالى يجعله حيث شاء، قال: أسلم على أن لك المدر ولي الوبر، يعني: لك ولاية القرى ولي ولاية البوادي قال: لا، قال فماذا تجعل لي قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها، قال: أو ليس ذلك إلي اليوم وكان أوصى إلى أربد إذا رأيتني أكلمه فدر من خلفه فاضربه بالسيف.

فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه، فدار أربد خلفه عليه السلام ليضربه فاخترط من سيفه شبرًا ثم حبسه الله فلم يقدر على سله؛ وجعل عامر يومئ إليه فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع بسيفه فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت، فارسل الله على أربد صاعقة في يوم صائف صاحي فأحرقته، وولى عامر هاربًا فقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد، والله لأملأن عليك الأرض رجالًا ألفًا أشعر وألفًا أمرد، فقال عليه السلام: يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة يريد الأوس والخرزج، فنزل عامر بيت امرأة سلولية فلما أصبح ضم إليه سلاحه وخرج، وهو يقول: واللات لئن اصحر محمد إلي وصاحبه، يعني: ملك الموت لأنفذنهما برمحى.

فلما رأى الله ذلك منه أرسل ملكًا فلطمه بجناحه فأذراه بالتراب، وخرجت على ركبته غدة في الوقت عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية، ثم مات على ظهر فرسه، فأنزل الله تعالى في هذه القصة قوله: (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) حتى بلغ (وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [الرعد: 13 - 14] 28.

ثانيًا: التصريح بعلم السر والعلن:

وذلك في مواضع كثيرة هي منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت