أولا: المعنى اللغوي:
المادة (ق و ي) لها أصلان متباينان في اللغة، الأول: يدل على الشدةٍ وخلاف الضعف، والثاني: يدل على خلاف هذا وعلى قلة خيرٍ.
فمن الأول القوة، والقوي: خلاف الضعيف. وأصل ذلك من القوى، وهي جمع قوةٍ من قوى الحبل.
ومن الأصل الثاني القواء: الأرض لا أهل بها. ويقال: أقوت الدار: خلت. وأقوى القوم: صاروا بالقواء والقي، وأقوى الرجل: إذا فني زاده، والقوة: الطاقة من الحبل، وجمعها قوًى، ورجل شديد القوى، أي شديد أسر الخلق 1. والقوة المقصودة هنا مأخوذة من الأصل الأول، فالقوة: خلاف الضعف.
فالناظر يرى أن معنى القوة في اللغة يدل على خلاف الضعف، والقدرة على فعل الشيء.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: «القوة هي تمكن الحيوان من الأفعال الشاقة، فقوى النفس النباتية تسمى قوى طبيعية، وقوى النفس الحيوانية تسمى قوى نفسانية، وقوى النفس الإنسانية تسمى: قوى عقلية. والقوى العقلية باعتبار إدراكاتها للكليات تسمى القوة النظرية، وباعتبار استنباطها للصناعات الفكرية من أدلتها بالرأي تسمى القوة العملية» 2.
وقال الطاهر ابن عاشور: «والقوة حقيقتها حالةٌ في الجسم يتأتى له بها أن يعمل ما يشق عمله في المعتاد، فتكون في الأعضاء الظاهرة، مثل قوة اليدين على الصنع الشديد، والرجلين على المشي الطويل، والعينين على النظر للمرئيات الدقيقة. وتكون في الأعضاء الباطنة، مثل قوة الدماغ على التفكير الذي لا يستطيعه غالب الناس، وعلى حفظ ما يعجز عن حفظه غالب الناس» 3.
وردت مادة (قوي) في القرآن الكريم (42) ، يخص موضوع البحث منها (41) مرة 4.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
مصدر ... 30 ... {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60]
صيغة المبالغة ... 11 ... {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) } [الأنفال:52]
ذكر أهل الوجوه والنظائر أن القوة في القرآن على خمسة أوجه 5، لكن بالتأمل في هذه الأوجه نجد أنها كلها تعود إلى معنى واحد، وهو المعنى اللغوي، وهو الشدة، خلاف الضعف 6.
قال الله تعالى: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [هود: 80] . يعني: من أتقوى به من الجند، وما أتقوى به من المال 7.
الشدة:
الشدة لغةً:
قال ابن فارس: «الشين والدال أصلٌ واحدٌ يدل على قوةٍ في الشيء، وفروعه ترجع إليه. من ذلك شددت العقد شدًا أشده. والشدة: المرة الواحدة» 8.
الشدة اصطلاحًا:
هي «اسم من الاشتداد» 9.
الصلة بين الشدة والقوة:
أن الشدة في الأصل هي مبالغة في وصف الشيء في صلابة، وليست هي من قبيل القدرة، أما القوة فمن قبيل القدرة 10.
القسوة:
القسوة لغةً:
القسوة: الصلابة في كل شيءٍ، وحجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسيةٌ: لا تنبت شيئًا، والقسوة في القلب تعني ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. وقسا قلبه قسوة وقساوة وقساء، وهو غلظ القلب وشدته، وأقساه الذنب، ويقال: الذنب مقساةٌ للقلب 11.
القسوة اصطلاحًا:
قال الراغب: «القسوة: غلظ القلب» 12.
الصلة بين القسوة والقوة:
أن القسوة تستعمل فيما لا يقبل العلاج؛ ولهذا يوصف بها القلب وإن لم يكن صلبًا 13، أما القوة فهي ليست كذلك؛ بل هي القدرة على التمكن من فعل الشيء.
الضعف:
الضعف لغةً:
«الضعف والضعف: خلاف القوة. وقد ضعف فهو ضعيفٌ، وأضعفه غيره. وقومٌ ضعافٌ وضعفاء وضعفةٌ. واستضعفه، أي: عده ضعيفًا» 14.
الضعف اصطلاحًا:
هو: «وهن القوة حسًّا أو معنى» 15.
الصلة بين الضعف والقوة:
يتفقان في أن كلًّا منهما من فعل الله تعالى كما أن القوة من فعل الله تعالى، تقول: خلقه الله ضعيفًا أو خلقه قويًا 16. ولكنهما متناقضان، فالضعف خلاف القوة.
الوهن:
الوهن لغةً:
هو الضعف وقد وهن ووهنه غيره، فالفعل يلزم ويتعدى 17.
الوهن اصطلاحًا:
قال الراغب: «الوهن: ضعف من حيث الخلق، أو الخلق» 18.
الصلة بين الوهن والقوة:
أن القوة هي القدرة على التمكن من فعل الشيء، والوهن أن يفعل الإنسان فعل الضعيف وهو قوي، فالوهن فيه انكسار للجسد بالخوف وغيره 19، إذن فهي خلاف القوة.
أولًا: وصف الله نفسه بالقوة:
سمى الله تعالى ووصف نفسه بالقوة، وقد ورد تسمية الله تعالى بالقوي في القرآن في تسعة مواضع من الكتاب العزيز 20.
ومن ذلك قوله تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 52] .
وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .
وقال سبحانه: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] .
وقال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66] .
وقال: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19] .
قال ابن جرير: « {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ} [الأنفال: 52] . لا يغلبه غالبٌ ولا يرد قضاءه رادٌ، ينفذ أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، شديدٌ عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه» 21.
وقال الزجاج: «القوي هو الكامل القدرة على الشيء، تقول: هو قادر على حمله. فإذا زدته وصفا قلت: هو قوي على حمله. وقد وصف نفسه بالقوة فقال عز قائلا: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] » 22.
قال ابن القيم 23:
وهو القوي بقوة هي وصفه
وعليك يقدر يا أخا السلطان
ويقترن اسم الله تعالى (القوي) باسميه تعالى (المتين، والعزيز) .
قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66] .
وقال: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [الشورى: 19] .
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] .
قال الزجاج: «المتين أصله فعيل من المتن الذي هو العضو، ويقال: ماتنته على ذلك الأمر إذا قاويته مقاواة، وهو يفيد في الله سبحانه التناهي في القوة والقدرة» 24.
وفي اللسان: «والمتين صفةٌ لقوله: {ذُو الْقُوَّةِ} وهو الله تبارك وتقدس، ومعنى {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ذو الاقتدار الشديد، والمتين في صفة الله القوي، قال ابن الأثير: هو القوي الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله مشقةٌ ولا كلفة ولا تعبٌ، والمتانة: الشدة والقوة، فهو من حيث إنه بالغ القدرة تامها قوي، ومن حيث إنه شديد القوة متينٌ. قال ابن سيده: وقرئ (المتينِ) بالخفض على النعت للقوة، لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة من قوله تعالى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} ، أي: وعظٌ» 25.
يقول الرازي: «قال: المتين وذلك لأن ذو القوة كما بينا لا يدل إلا على أن له قوةً ما فزاد في الوصف بيانًا، وهو الذي له ثباتٌ لا يتزلزل، وهو مع المتين من بابٍ واحدٍ لفظًا ومعنًى، فإن متن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته، والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن، والمتانة مع القوة كالعزة مع القوة؛ حيث ذكر الله تعالى في مواضع القوة مع العزة فقال: {قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .وقال: {الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود: 66] .
وفيه لطيفةٌ تؤيد ما ذكرنا من البحث في القوي وذي القوة، وذلك لأن المتين هو الثابت الذي لا يتزلزل والعزيز هو الغالب، ففي المتين أنه لا يغلب ولا يقهر ولا يهزم، وفي العزيز أنه يغلب ويقهر ويزل الأقدام، والعزة أكمل من المتانة، كما أن القوي أكمل من ذي القوة، فقرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه، ولو نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل لرأيت في كتاب الله تعالى لطائف تنبهك على عناد المنكرين وقبح إنكار المعاندين» 26.
وقال البخاري: «باب قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 58] » 27.
وهذه الآية ونظائرها تدل بوضوح على أن الله تعالى موصوف بالصفات العليا، كما أنه مسمى بالأسماء الحسنى، فالقوة صفته، والرزاق اسمه، وتقدم أن كل اسم لابد أن يتضمن الصفة، وبذلك وغيره يرد على المنكرين للصفات 28.
ومن مظاهر قوة الله تعالى:
1.نصره سبحانه لرسله.
قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ? إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ?21?) [المجادلة: 21] .
ومن ذلك نصره لأهل الإيمان يوم الأحزاب، قال تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ?25? وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ?26? وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًاہ) [الأحزاب: 9 - 27] .
2.إهلاك الله تعالى للأمم الكافرة.
قال تعالى: (ٹ ٹ ٹفَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ(13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ? قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى? ? وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى? عَلَى الْهُدَى? فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [فصلت: 13 - 18] .
3.قوة الله تعالى في الآخرة.
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ? وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ?165?) [البقرة: 165] .
4.قوة الله تعالى في خلقه.
قال الله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [فاطر: 41] .
فالواجب على العباد أن يركنوا إلى قوة الله تعالى، وأن لا يركنوا إلى الذين ظلموا، لا بد أن يركنوا إلى الركن الشديد سبحانه وتعالى، ولذلك فعن أبي موسى قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا، وهو معكم) قال وأنا خلفه، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فقال (يا عبد الله بن قيسٍ، ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟) ، فقلت: بلى، يا رسول الله. قال: (قل: لا حول ولا قوة إلا بالله) 29.
فإن المعنى: لا تحول للعبد من حالٍ إلى حالٍ ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنزٌ من كنوز الجنة، فالعبد محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات والصبر على المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.
ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به فصار مخذولًا. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه. ومن كلام بعض السلف: يا رب، عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟! 30.
وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك ومن يخاف، وركوب الأهوال 31.
ثانيًا: وصف ملك الوحي بالقوة:
قال الله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} [النجم: 5 - 7] 32.
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: علم محمدًا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن جبريل عليه السلام، وعنى بقوله: {شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] شديد الأسباب، والقوى: جمع قوةٍ، وعنى بالمرة: صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قويًا، وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المرة واحدة المرر، وإنما أريد به: ذو مرةٍ سويةٍ، وإذا كانت المرة صحيحةً كان الإنسان صحيحًا» 33.
وقال ابن عاشور: «واتفق المفسرون على أن المراد به جبريل عليه السلام.
والمراد ب (القوى) استطاعة تنفيذ ما يأمر الله به من الأعمال العظيمة العقلية والجسمانية، فهو الملك الذي ينزل على الرسل بالتبليغ» 34.
وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19 - 21] 35.
قال ابن عاشور: «ووصف {رَسُولٍ} بخمسة أوصافٍ:
الأول: {كَرِيمٍ} ٍ وهو النفيس في نوعه.
والوصفان الثاني والثالث: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} ٍ فالقوة حقيقتها مقدرة الذات على الأعمال العظيمة التي لا يقدر عليها غالبًا.
والمكين: فعيلٌ، صفةٌ مشبهةٌ من مكن بضم الكاف مكانةً، إذا علت رتبته عند غيره.
وتوسيط قوله: {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} بين {ذِي قُوَّةٍ} و {مَكِينٍ} ليتنازعه كلا الوصفين على وجه الإيجاز، أي: هو ذو قوةٍ عند الله، أي جعل الله مقدرة جبريل تخوله أن يقوم بعظيم ما يوكله الله به مما يحتاج إلى قوة القدرة وقوة التدبير، وهو ذو مكانةٍ عند الله وزلفى.
الوصف الرابع: {مُطَاعٍ} أن يطيعه من معه من الملائكة كما يطيع الجيش قائدهم.
والأمين 36: الذي يحفظ ما عهد له به حتى يؤديه دون نقصٍ ولا تغييرٍ» 37.
وفي قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23] .
وقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 13 - 15] .
ثبت عن مسروقٍ قال: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} [التكوير: 23] .
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض) 38.
وعن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت زر بن حبيشٍ عن قول الله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 9 - 10] ، قال: حدثنا ابن مسعودٍ: أنه (رأى جبريل، له ستمائة جناحٍ) 39.
وقال تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] 40.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] .
قال: (رأى رفرفًا أخضر سد أفق السماء) 41.
وعنه قال: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، وله ستمائة جناحٍ، كل جناحٍ منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليمٌ) 42.
ومن مظاهر قوة جبريل عليه السلام:
1.إهلاك الظالمين من قوم لوط.
وعن مجاهدٍ قال: «أخذ جبرائيل عليه السلام قوم لوطٍ من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم» 43.
وعنه قال: «أدخل جبرائيل جناحه تحت الأرض السفلى من قوم لوطٍ، ثم أخذهم بالجناح الأيمن، فأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها» 44.
وعنه قال: «فحملها على خوافي جناحه بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها، فكان أول ما سقط منها شرفها، فذلك قول الله: (? ? پ پ پ پ ? ?) [هود: 82] .
قال مجاهدٌ: فلم يصب قومًا ما أصابهم؛ إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم، وأمطر عليهم حجارةً من سجيلٍ» 45.
قال قتادة: «وبلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي كلابهم، ثم دمدم بعضها على بعضٍ، فجعل عاليها سافلها، ثم تبعتهم الحجارة» 46.
2.جهاده.
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ: (هذا جبريل آخذٌ برأس فرسه عليه أداة الحرب) 47.
وعن سعد بن أبي وقاصٍ قال: (لقد رأيت يوم أحدٍ عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد) 48.
وعن عائشة قالت: أصيب سعدٌ يوم الخندق، رماه رجلٌ من قريشٍ يقال له: ابن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمةً في المسجد يعوده من قريبٍ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ والله، ما وضعناه اخرج إليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأين؟) فأشار إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعدٍ، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية والنساء، وتقسم أموالهم 49.
ثالثًا: الأمر بأخذ الأمور الحسنة بالقوة:
قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:63] .
ومعنى الآية: خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض فاقبلوه واعملوا باجتهادٍ منكم في أدائه من غير تقصيرٍ ولا توانٍ. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوةٍ بجدٍّ 50.
أمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة، وأن يعزموا فيه عزيمة، فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة .. إنه عهد الله مع المؤمنين .. وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق .. وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه هي طبيعته، إنه أمر عظيم، فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف، ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة 51.
وقال تعالى: (يَا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ? وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم:12] .
أي: بجدٍّ واجتهادٍ، وذلك بتفهم المعنى أولًا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به 52.
وقال تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ? سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145 ) ) [الأعراف:145] .
فأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ الشرع بقوة، وأن يبلغه لقومه، والواجب على هؤلاء أن يتحركوا لنشر هذا الدين وتبليغه للعالمين.
يقول الطاهر: «والقوة هنا في قوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) تمثيلٌ لحالة العزم على العمل بما في الألواح بمنتهى الجد والحرص دون تأخيرٍ ولا تساهلٍ ولا انقطاعٍ عند المشقة ولا مللٍ، بحالة القوي الذي لا يستعصي عليه عملٌ يريده. ومنه قوله تعالى: (يَا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) [مريم:12] .
وهذا الأخذ هو حظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله المشرع، والرسول المنفذ، وأصحابه وولاة الأمور هم أعوانٌ على التنفيذ، وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند مغيبه، وهو وهم فيما سوى ذلك كسائر الأمة.
فقوله: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) تعريجٌ على ما هو حظ عموم الأمة من الشريعة وهو التمسك بها» 53.
رابعًا: الامتنان بالقوة، والتحذير من الاغترار بها:
امتن الله تعالى على قوم هود بنعمة القوة، ولذلك قال لهم هود عليه السلام: (. وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) [هود:52] .