فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 2431

وقد أطال الرحلة التي تحتاج ثلاثة أيام إلى أسبوع؛ تحقيقًا للأمن، وتمويهًا للعدو، فأدلج إلى غار ثور حتى يهدأ الطلب وتفتر الهمم في اقتفاء أثره، فيتمكن من السير وهو آمن، وطلب في هذه الفترة من ابن أبي بكر موافاته بأخبار المشركين أولًا بأول، واختار أسماء بنت أبي بكر لتزويدهم بالغذاء؛ فقد كانت تستعد للمخاض ولم تكن تحركاتها لتثير شكوك قريش.

ورغم بذله عليه السلام للجهد في التخفي إلا أن قريشًا وصلت إلى الغار! لكن لا يخشى من وثق بالله وبذل في سبيل ذلك كل الأسباب، فلا يضيع الله عمل المتوكل العامل، فكان مطمئنًا ومثبتًا لقلب أبي بكر رضي الله عنه 62.

قال تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ? فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى? ? وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:40] .

هذا هو نبينا القدوة الذي لم يركن إلى أنه رسول من رب العالمين بعثه ليبلغ دينه، ولم ينتظر النصرة وهو قاعد في بيته، فالإنسان -وإن سمت رسالته وتعلقت بالله تعالى- عليه أن يبذل من أجلها الأسباب؛ حتى تتحقق الغاية منها.

وفي حروبه صلى الله عليه وسلم مع المشركين نماذج كثيرة من التوكل، أهمها غزوة بدر، أولى الغزوات التي خرج فيها المسلون للقاء من يفوقهم عدة وعتادًا، خرجوا واثقين بنصر الله مصطحبين ما استطاعوا جمعه من عتاد، وقد لا نتصور اطمئنان هذه الفئة وهم أمام جمع غفير من الجنود المدججين الذين أرادوا استئصال الإسلام، لكنه التوكل على الله والثقة بنصره التي لا يوازيها شيء.

قال تعالى: (?إِذ تَستَغيثونَ رَبَّكُم فَاستَجابَ لَكُم أَنّي مُمِدُّكُم بِأَلفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُردِفينَ ?9? وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلّا بُشرى وَلِتَطمَئِنَّ بِهِ قُلوبُكُم وَمَا النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ ?10? إِذ يُغَشّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيكُم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذهِبَ عَنكُم رِجزَ الشَّيطانِ وَلِيَربِطَ عَلى قُلوبِكُم وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقدامَ ?11? إِذ يوحي رَبُّكَ إِلَى المَلائِكَةِ أَنّي مَعَكُم فَثَبِّتُوا الَّذينَ آمَنوا سَأُلقي في قُلوبِ الَّذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ فَاضرِبوا فَوقَ الأَعناقِ وَاضرِبوا مِنهُم كُلَّ بَنانٍ) [الأنفال:9 - 12] .

قال الزجاج: «أمر بدر كان من أعظم الآيات؛ لأن عدد المسلمين كان قليلًا جدًا، وكانوا رجّالةً، فأيدهم الله، وكان المشركون أضعافهم، وأمدّهم اللّه بالملائكة» 63.

وقد اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستعداد لغزوة الأحزاب، التي تكالب فيها المشركون واليهود على المسلمين، وكانت أعدادهم ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، لكن هذا لم يفتّ في عضد المؤمنين الصادقين، فحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة الكرام الخندق في جو من البرد والجوع، لا يؤازرهم سوى انتصارهم لدين الله تعالى.

وقد مَنَّ الله عليهم بأن أرعب الأحزاب وشردهم 64.

قال تعالى: (لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ?24? وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ?25? وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ?26? وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) [الأحزاب:25 - 27] .

فالله تعالى هو ناصر المؤمنين المتوكلين.

قال السعدي: «لا يغالبه أحد إلا غلب، ولا يستنصره أحد إلا غلب، ولا يعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة، قوتهم وعزتهم، إن لم يعنهم بقوته وعزته» 65.

ثالثًا: طلب الرزق:

التوكل على الله تعالى في طلب الرزق سمة المؤمنين؛ لأن الرزق مكفول بربوبية الله تعالى للمؤمن والكافر إن عمل الاثنان بالأسباب.

يقول المولى عز وجل: (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?60? وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ?61? اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:60 - 62] .

فالله تعالى يرزق بفضله جميع عباده، ولا أدلّ على كرمه تعالى من امتنانه بكنوز قارون التي بسطها له بسطًا، فلله خزائن السماوات والأرض، وهو الممتن علينا بالطعام والشراب والذرية وكل ما نملك، وهو المتكفل بأرزاق المستقبل.

قال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ?22? فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ) [الذاريات:22 - 23] .

والآية الكريمة تلفت انتباه الإنسان إلى السبب الأهم للرزق، فالسبب الظاهر للرزق هو رعاية الأرض التي تخرج النبات والثروات، لكن المؤمن العاقل عليه أن يرفع بصره نحو السماء؛ فالسبب الحقيقي للرزق هو الله تعالى، الذي يرزق عباده بفضله لا بجهدهم، فالأصل أن يتوكل الإنسان على الله تعالى جازمًا أنه وحده هو المانح للأرزاق، وأن يعمل بأسباب تلك الأرزاق حتى ينال رحمة الله تعالى وفضله.

يقول سيد قطب في تعليقه على الآية: «والقلب المؤمن يدرك هذه اللفتة على حقيقتها، ويفهمها على وضعها ويعرف أن المقصود بها ليس هو إهمال الأرض وأسبابها، فهو مكلف بالخلافة فيها وتعميرها، إنما المقصود هو ألا يعلق نفسه بها، وألا يغفل عن الله في عمارتها، ليعمل في الأرض وهو يتطلع إلى السماء، وليأخذ بالأسباب وهو يستيقن أنها ليست هي التي ترزقه، فرزقه مقدر في السماء، وما وعده الله لا بد أن يكون» 66.

وقد وعد الله عز وجل المتوكل عليه بكفايته ورزقه، قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ?2? وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق:2 - 3] .

وفي الآيات بيانٌ لضرورة تقوى الله في أمور الطلاق أو الإمساك، وحضٌّ على التوكل على الله؛ لأنه الرزاق، ولأن الله تعالى بالغ أمره، توكل الإنسان عليه أو لم يتوكل عليه، غير أن المتوكل يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجرًا 67، وقد قسّم ابن عجيبة الأسباب من حيث الأخذ والترك إلى ثلاثة أسباب:

أولها سبب معلوم قطعًا قد أجراه الله، وهو سنة من سنن الدنيا، فهذا لا يجوز تركه، كالأكل لرفع الجوع واللباس لرفع البرد، والثاني: سبب مظنون، كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه، لكنه أخذ بأسباب الرزق وفعله محمود، والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، ثم بيّن أن الثالث مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك 68.

قال الزحيلي: «ومن شروط التوكل الصحيح: تنفيذ الأحكام الشرعية، ومراعاة السنن المطلوبة في الحياة، من اتخاذ الأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله تعالى» 69.

وقد حثت السنة النبوية على التوكل في طلب الرزق، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنّكم كنتم توكّلون على اللّه حقّ توكّله لرزقتم كما يرزق الطّير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا) 70.

وفي الآن نفسه أمر المؤمن بالأخذ بأسباب الرزق اقتداءً بأنبياء الله الكرام، فعن المقدام رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ما أكل أحد طعامًا قط، خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام، كان يأكل من عمل يده) 71.

أما ترك الكسب والاعتماد على الخوارق والجوائز الربانية فهذا سمت المتقاعسين الذي ذمّه الله عز وجل؛ لأن فيه إبطالًا لقانون الأسباب والمسببات الذي وضعه الله في الكون، ودعوةً إلى التكاسل والقعود ومخالفةً لأمر الله تعالى بإعمار الأرض بالعمل.

رابعًا: الدعوة إلى الله تعالى:

الدعوة مضمار مهم يخوضه المسلم بجدّ وحب وإخلاص مقرون بالعلم، ولا يتأتى لنا جني ثمرات الدعوة إلا بعد التوكل على الله عز وجل والثقة بأنه تعالى إن شاء أجرى الحجة على لسان الداعية وقلمه، فجعل القلوب تنجذب إليه وتنقاد إلى ما يدعو إليه، وإن لم يشأ فلن يُكتب للدعوة نجاح، مهما بلغت حجة الداعية، ومهما عظمت خبرته.

وقد خلّد التاريخ نماذج عديدة من الدعاة المتوكلين الذين لم يعتمدوا على سمو الهدف وربانية مصدر الرسالة، بل اجتهدوا وأخذوا بأسباب النجاح حتى تسمو دعوتهم وتنتصر فكرتهم، ومثالنا على أولئك الدعاة مؤمن ياسين الذي بذل في سبيل دعوته كل جهد.

قال تعالى: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ?20? اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ?21? وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?22? أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ?23? إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ?24? إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ?25? قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ?26? بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) [يس:20 - 27] .

ولعل المتأمل في الأسباب التي اتخذها هذا الداعية المخلص المتوكل على الله تعالى في دعوته لقومه المكذبين يعلم أنه استحق دخول الجنة بحق، ومن هذه الأسباب ما يأتي 72:

قال القرطبي: «وفي هذه الآية تنبيه عظيم، ودلالة على وجوب كظم الغيظ، والحلم عن أهل الجهل، والترؤف على من أدخل نفسه في غمار الأشرار وأهل البغي، والتشمر في تخليصه، والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه» 73.

ولعل التوكل على الله تعالى هو المسهل الرئيس للدعوة الإسلامية، فلو استحضر الإنسان عند دعوته ما قد يعود عليه من هموم وغموم، وانتقادات وإعراض، فإنه سيترك أمر الدعوة، لكنه مع التوكل على الله تعالى يشعر بقوة وعزة ومناصرة من الله تعالى، فيهون عليه أمر الدعوة، ومن الأمور التي تبعث الداعية على التوكل:

وفي سيرة أنبياء الله الكرام جميعًا، وهم أوائل الدعاة إلى الله تعالى، نماذج عظيمة من التوكل على الله في الدعوة، وعلى رأسهم إمام المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم.

تأمل قول الله تعالى: لَقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَءوفٌ رَحيمٌ ?128? فَإِن تَوَلَّوا فَقُل حَسبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرشِ العَظيمِ) [التوبة:128 - 129] .

وقد بيّن الله تعالى فضل النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء العرب من جنسهم ومن نسبهم، فهو عربي قرشي مثلهم، يخاف عليهم سوء العاقبة والوقوع في العذاب، حريص ألا تفلت منه أي نفس إلى النار، وهو رؤوف رحيم بحالهم، قيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يواسي الله تعالى نبيه الكريم قائلًا: فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك فاستعن وفوّض أمرك إليه، فهو كافيك معرّتهم ولا يضرونك، وهو ناصرك عليهم، وهكذا كان فعله عليه السلام دومًا، فهو الصبور على أذاهم، الحريص على دعوتهم، المتوكل على الله في كل حال 74.

خامسًا: مواجهة الظالمين والمجرمين:

يلزم على المؤمن استحضار قوة الله تعالى ومساندته عند مواجهة الظالمين والمجرمين، والتوكل عليه تعالى في ذلك، فالطاقة البشرية قاصرة، سيما وإن كانت تتجه لمحاربة الظالمين، فالظالم لا يخشى الله، ولا يردعه شيء، وهو مستعد لبذل أرخص الوسائل وأرذلها للحصول على غرضه، وقد مرّت قصص عبر التاريخ تجسد أدب التوكل على الله في محاربة الظلمة، من ذلك قصة موسى عليه السلام مع الطاغية فرعون.

تأمل قول الله تعالى: (ثُمَّ بَعَثنا مِن بَعدِهِم موسى بِآياتِنا إِلى فِرعَونَ وَمَلَئِهِ فَظَلَموا بِها فَانظُر كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُفسِدينَ?103? وَقالَ موسى يا فِرعَونُ إِنّي رَسولٌ مِن رَبِّ العالَمينَ?104? حَقيقٌ عَلى أَن لا أَقولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ قَد جِئتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُم فَأَرسِل مَعِيَ بَني إِسرائيلَ ?105? قالَ إِن كُنتَ جِئتَ بِآيَةٍ فَأتِ بِها إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقينَ ?106? فَأَلقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعبانٌ مُبينٌ) [الأعراف:103 - 107] .

إلى قوله تعالى: (قالوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمينَ ?121? رَبِّ موسى وَهارونَ?122? قالَ فِرعَونُ آمَنتُم بِهِ قَبلَ أَن آذَنَ لَكُم إِنَّ هذا لَمَكرٌ مَكَرتُموهُ فِي المَدينَةِ لِتُخرِجوا مِنها أَهلَها فَسَوفَ تَعلَمونَ ?123? لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُم وَأَرجُلَكُم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُم أَجمَعينَ ?124? قالوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنقَلِبونَ ?125?وَما تَنقِمُ مِنّا إِلّا أَن آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتنا رَبَّنا أَفرِغ عَلَينا صَبرًا وَتَوَفَّنا مُسلِمينَ ?126? وَقالَ المَلَأُ مِن قَومِ فِرعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَومَهُ لِيُفسِدوا فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبناءَهُم وَنَستَحيي نِساءَهُم وَإِنّا فَوقَهُم قاهِرونَ?127? قالَ موسى لِقَومِهِ استَعينوا بِاللَّهِ وَاصبِروا إِنَّ الأَرضَ لِلَّهِ يورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ) [الأعراف:121 - 128] .

وفي الآيات الكريمة تصوير دقيق لتفكير وسلوك الطغاة، فهم يخشون الدين؛ لعلمهم أن الأمة إن التزمت به ووحدت خالقها فستنصرف عن تقديس الظالمين ورجائهم في أمور حياتهم، وستخرج من ظلمات التبعية إلى نور التحرر من القيود البشرية والانقياد لله تعالى وحده دون شركاء، وهذا ما حصل عندما طلب موسى من فرعون أن يترك بني إسرائيل ليعبدوا الله وحده، فأدرك فرعون وملؤه أن هذا يعني سلب السلطة منهم، فأرادوا إحراجه بتقديم الحجة على صدقه أمام الناس.

وقد أظهر الله على يديه معجزاته التي أبهرت سحرة فرعون كلهم، فآمنوا، وواجهوا ذلك الطاغية المستبد الذي أراد استئصال هذا الدين وأتباعه، وعلى الرغم من تهديده ووعيده إلا أن المؤمنين أيقنوا أن مردهم إلى الله تعالى طال عمرهم أم قصر، وأنهم اختاروا الموت في سبيل لله على الموت كفارًا، وواساهم نبيهم الكريم وذكّرهم بصفة المؤمن، وهي الاستعانة بالله الكريم، السند المتين لعباده، الذي يكفيهم ما أهمّهم، فليس لهم غير الله تعالى، فهو الملاذ الحصين، وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه، وإن الأرض لله، وما فرعون وقومه إلا نزلاء فيها، فيجب ألا ينظر إلى الطاغوت أنه مكين في الأرض غير مزحزح عنها، فصاحب الأرض ومالكها هو الذي يقرر متى يطردهم منها، وإن العاقبة للمتقين حتمًا، فلا يخالج قلوب الداعين إلى رب العالمين قلق على المصير 75.

هذا هو نبي الله الذي قال عنه جل وعلا: (وَقالَ موسى يا قَومِ إِن كُنتُم آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلوا إِن كُنتُم مُسلِمينَ) [يونس:84] .

فهو الذي يذكر قومه دومًا بحقيقة الإيمان واستلزامه للتوكل على الله وحده دون سواه.

وقد واجه إبراهيم عليه السلام أعتى الظالمين، فقد جسد النمرود مثالًا للطغيان.

يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [البقرة:258] .

فالنمرود بن كنعان هو أول من تجبر في الأرض وادّعى الربوبية، وكان إبراهيم عليه السلام قد دخل بلدته، فأرسل إليه النمرود، وقال: من ربك؟ ويظهر أنه لم يسأل إبراهيم ليعرف الجواب، بل سأله استهزاءً، فهو يعلم أنه نبي الله تعالى، وأنه يدعو إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، فرد عليه إبراهيم واثقًا متوكلًا متسلحًا بالإيمان والحجة التي أجراها الله على لسانه عليه السلام: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) .

فما كان من تفكيره القاصر، وغروره المتغلغل في أعماق نفسه إلا أن يعمد إلى سجنائه، فيقتل من صدر بحقه التخلية، ويخلي من صدر بحقه القتل، واعتقد أنه بذلك قد أبطل حجة نبي الله إبراهيم، فسأله إبراهيم حينها ما إن كان يستطيع الإتيان بالشمس من المغرب؛ فالله يأتي بها من المشرق.

وقد ذكر الماوردي أن لتحول إبراهيم للحجة الثانية دون البقاء لنصرة الحجة الأولى احتمالين:

أحدهما: أنه قد ظهر من فساد قول النمرود ما لم يحتج معه إبراهيم عليه السلام إلى النصرة، ثم أتبع ذلك بغيرها تأكيدًا عليه في الحجة.

والاحتمال الثاني: أنه لمّا كان في تلك الحجة من تحايل النمرود بما عارضها به من الشبهة، أحب أنه يحتج عليه بما لا تحايل فيه؛ قطعًا له واستظهارًا 76.

هذا هو نبينا إبراهيم عليه السلام الذي ما ترك التوكل على الله تعالى في دعوته.

يقول الحق تعالى داعيًا إلى التأسي به عليه السلام: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [الممتحنة:4] .

وقد واجه ذو القرنين ظلم يأجوج ومأجوج بالتوكل على الله مع الأخذ بأسباب التوكل واتخاذ عوامل الحيطة منهم.

قال تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِن دونِهِما قَومًا لا يَكادونَ يَفقَهونَ قَولًا ?93? قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا ?94? قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا ?95? آتوني زُبَرَ الحَديدِ حَتّى إِذا ساوى بَينَ الصَّدَفَينِ قالَ انفُخوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتوني أُفرِغ عَلَيهِ قِطرًا ?96? فَمَا اسطاعوا أَن يَظهَروهُ وَمَا استَطاعوا لَهُ نَقبًا ?97? قالَ هذا رَحمَةٌ مِن رَبّي فَإِذا جاءَ وَعدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعدُ رَبّي حَقًّا) [الكهف:93 - 98] .

وقد ورد في تفسير الآيات أن ذي القرنين ملكٌ حكم الدنيا بأسرها، فاستغاث به قومٌ ليحميهم من يأجوج ومأجوج، وهم جماعة عظيمة من نسل ولديّ يافث بن نوح، اشتهروا بالكثرة وقد هابهم أولئك القوم وخشوا ظلمهم، فسألوا ذا القرنين أن يبني لهم سدًّا منيعًا يحميهم من أذى قوم يأجوج ومأجوج مقابل خرج من المال، فما كان منه إلا أن تواضع لله ولم يغترّ بقوته، بل اعترف بفضل الله عليه أن آتاه الصحة والعافية التي هي خير من أموالهم التي سيجمعونها له 77.

ووافق أن يبني السد متوكلًا على الله وحده، وقد أخذ بأسباب إنجاح مشروعه فطلب منهم إعانته بالرجال وعمل الأبدان والآلة التي يبني بها السد، وهذا بداية النجاح في العمل، فإن القوم لو جمعوا له خرجًا، لم يعنه أحد، ولتركوه يبني، فكان عونهم أسرع في إنجاز العمل وإنجاح المشروع، واستخدم المواد المناسبة لتقوية السد، من حديد وحرارة ونحاس، وهنا يتجلّى ظهور العمل المخلص، وهو أهم مقومات التوكل، ثم أقرّ ذو القرنين مرة أخرى بفضل الله عليه، وأن بقاء السد مرهون بإرادة الله، وأن المولى سيشاء أن يجعله دكاء في وقت يعلمه ويقدره سبحانه 78.

سادسًا: مواجهة الشيطان وأعوانه:

يتوجب على المؤمن إخلاص التوكل على الله تعالى في مواجهة الشيطان وأعوانه، قال تعالى: (إِنَّمَا النَّجْوَى? مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [المجادلة:10] .

فلولا التوكل على الله لن يكون للإنسان قدرة في مجابهة قوى الشر العظيمة التي يستخدمها الشيطان في إغواء العباد، ففي الآية الكريمة على لسان إبليس لعنه الله: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ?82? إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص:82 - 83] .

أي لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحبّبنها إلى قلوبهم حتى يرتكبوها، ولأضلّنهم عن سبيل الرشاد إلا من أخلصته بتوفيقك فهديته، فإن ذلك ممن لا سلطان لي عليه ولا طاقة لي به 79.

وكان الرد الإلهي المتحدي: (قالَ اذهَب فَمَن تَبِعَكَ مِنهُم فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُم جَزاءً مَوفورًا ?63? وَاستَفزِز مَنِ استَطَعتَ مِنهُم بِصَوتِكَ وَأَجلِب عَلَيهِم بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكهُم فِي الأَموالِ وَالأَولادِ وَعِدهُم وَما يَعِدُهُمُ الشَّيطانُ إِلّا غُرورًا ?64? إِنَّ عِبادي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكيلًا) [الإسراء:63 - 65] .

فقد أمره الله تعالى أمر إهانة أن يبذل كل جهده وأن يقطع من يشاء عن الحق، وأن يستخدم كل صوت له ولأعوانه في الوسوسة والإبعاد عن الدين، وأمره أن اجمع في سبيل إغوائهم خيولك ورجالك التي تمشي في الإفساد، وشاركهم في أموالهم بأن تجعلهم ينفقونها على المعاصي واجعل من أولادهم بالزنا لك نصيب، أو سيطر على عقولهم فاجعلهم يهوّدون أبناءهم وينصّرونهم، ومنّهم بالأماني الكاذبة أن لا جنة ولا نار، وأنهم غير محاسبين على ما يفعلون، فعباد الله المؤمنون لن يغتروا بكذبك، فهم المخلصون في عبادتهم، والله كافيهم وعاصمهم من سيطرة إبليس عليهم وهو الحافظ لهم من كل سوء 80.

وعلى قدر هذا التحدي الكبير يجب أن يعمل المؤمن لحماية نفسه من سيطرة الشيطان وأعوانه، فهم لا يألون جهدًا في إسقاطنا في المعصية مهما صغرت أو كبرت.

ولنا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام نموذج رائع في تحدي الشيطان وأعوانه، فبالرغم من تعرضه عليه السلام لضغوط شديدة من أجل الوقوع في الرذيلة، إلا أنه واجهها بقوة نابعة من إيمانه بالله تعالى، وأعانه على ذلك استعانته بالله تعالى وتوكله عليه حق التوكل.

قال تعالى مصورًا لنا تفاصيل القصة: (وَراوَدَتهُ الَّتي هُوَ في بَيتِها عَن نَفسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبوابَ وَقالَت هَيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبّي أَحسَنَ مَثوايَ إِنَّهُ لا يُفلِحُ الظّالِمونَ ?23? وَلَقَد هَمَّت بِهِ وَهَمَّ بِها لَولا أَن رَأى بُرهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السّوءَ وَالفَحشاءَ إِنَّهُ مِن عِبادِنَا المُخلَصينَ ?24? وَاستَبَقَا البابَ وَقَدَّت قَميصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلفَيا سَيِّدَها لَدَى البابِ قالَت ما جَزاءُ مَن أَرادَ بِأَهلِكَ سوءًا إِلّا أَن يُسجَنَ أَو عَذابٌ أَليمٌ) [يوسف:23 - 25] .

حتى قوله عز وجل: (قالَ رَبِّ السِّجنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدعونَني إِلَيهِ وَإِلّا تَصرِف عَنّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُن مِنَ الجاهِلينَ ?33? فَاستَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنهُ كَيدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ العَليمُ) [يوسف:33 - 34] .

فقد عاش يوسف عليه السلام في كنف عزيز مصر، ويوسف معترف بفضله وفضل زوجه عليه، وقد تعرض لفتنة امرأة العزيز وهو في مرحلة النضج والشباب، ومن طلبت منه الفاحشة هي صاحبة الفضل عليه وهي متزينة متأهبة له، وقد أوصدت الأبواب وأخلت الأجواء لوقوع الجريمة، ورغم كل هذه العوامل التي اجتمعت على نبي الله المعصوم إلا أنه واجه تلك المحنة بالتعفف الشديد عن الرذيلة 81.

ومن الأسباب التي أخذ بها يوسف عليه السلام في توكله على الله واستعانته به وحده على مواجهة الشيطان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت