فهرس الكتاب

الصفحة 2156 من 2431

غزوات الرسول مع اليهود

أولًا: أسباب وجود اليهود في جزيرة العرب

ورد في سبب وجود اليهود في جزيرة العرب عدة أسباب يمكن حصرها في ثلاثة:

حيث انتقلت جماعات من اليهود من الشام إلى شبه الجزيرة العربية، فيما يبدو أنه كان فرارًا من الاضطهاد، وكان انتقالهم يشبه موجات مذعورة، تبحث لنفسها عن شاطئ ومستقر، ولم تتم على دفعة واحدة، كما أنها لم تستقر في مكان واحد.

وقد ورد في ذلك عدة روايات:

قال أبو حيان: كان بنو النضير من الجيش الذين عصوا موسى في كونهم لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق تركوه لجماله وعقله، وقال موسى عليه السلام: لا تستحيوا منهم أحدًا، فلما رجعوا إلى الشام وجدوا موسى عليه السلام قد مات، فقال لهم بنو إسرائيل: أنتم عصاة الله، والله ما دخلتم علينا بلادنا، فانصرفوا إلى الحجاز 2.

لكن ضعف السهيلي هذه الرواية حيث قال: ولا أحسب هذا صحيحًا لبعد عمر موسى عليه السلام 3.

ورجح السهيلي هذا الرأي، حيث قال عقب إيراده للرأي الأول ورده: «والذي قال غيره -أي: غير أبي الفرج الأصفهاني ممن تعرض لأسباب وجود اليهود في الجزيرة-: إن طائفة من بني إسرائيل لحقت بأرض الحجاز حين دوخ بختنصر البابلي في بلادهم، وجاس خلال ديارهم، فحينئذٍ لحق من لحق منهم بالحجاز كقريظة والنضير، وسكنوا خيبر والمدينة، وهذا معنى ما ذكر الطبري، والله أعلم» 6.

قال أبو جعفر: يقول تعالى: وظن هؤلاء الإسرائيليون أن الله أخذ ميثاقهم، وأنه أرسل إليهم رسلًا، وأنهم كانوا كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فريقًا، أن لا يكون من الله لهم ابتلاء واختبارٌ بالشدائد من العقوبات بما كانوا يفعلون 7.

وكان قتال الرومان لهم أحد هذه العقوبات التي حلت بهم.

وقد رجح الدكتور جواد علي، أن هجرة اليهود إلى جزيرة العرب كانت بعد غزو الرومان لهم، حيث قال: أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم، مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء البعيدة عن مجالات الروم فإنه يستند إلى أساس تاريخي صحيح 8، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فلا يستبعد أن يكون يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين 9.

وقد دل عليه: ما حكاه ابن النجار أن علماء بني إسرائيل كانوا يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل وماء بين حرتين، وكانت هذه الصفة تنطبق على أربعة أماكن في الجزيرة مروا بها تقريبًا (تيماء، وخيبر، وفدك، ويثرب) فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة، فلما رأوا تيماء وفيها النخل نزلها طائفة منهم، وظن طائفة أنها خيبر فنزلوها، ومضى أشرفهم وأكثرهم، فلما رأوا يثرب سبخة وحرة وفيها النخل قالوا: هذه البلد التي تكون مهاجر النبي عليه الصلاة والسلام.

قال ابن النجار: «وقال آخرون: بل كان علماؤهم -أي: اليهود- يجدون في التوراة أن نبيًّا يهاجر من العرب إلى بلد فيه نخل بين حرَّتين، فأقبلوا من الشام يطلبون صفة البلد، فنزل طائفة تيماء وتوطنوا نخلًا، ومضى طائفة، فلما رأوا خيبر ظنوا أنها البلدة التي يهاجر إليها، فأقام بعضهم بها، ومضى أكثرهم وأشرفهم، فلما رأوا يثرب سبخةً وحرةً ونخلًا قالوا: هذا البلد الذي يكون له مهاجر النبي إليها، فنزلوه» 10.

لكن كثيرًا من علماء بني إسرائيل كانوا يرون أنها يثرب، لذا يلحظ أن كثيرًا من القبائل الإسرائيلية نزلوا يثرب وآثروا العيش فيها، واتخذوها وطنًا، حتى إذا ظهر النبي المبشر به آمنوا به، فلما ظهر لم يؤمن به إلا عدد قليل منهم، وكان إيمانهم على هيئة فردية وليست جماعية، فكان للمعتقد الديني أثره في استقرارهم في الحجاز.

حيث ذكرت بعض الروايات أن موسى عليه السلام خرج حاجًّا إلى الكعبة، وفي عودته تخلف بعض اليهود فسكنوا يثرب.

ومنها ما أورده الصالحي في سيرته قال: «وقال أبو المنذر الشرقي بن القطامي: سمعت حديث تأسيس المدينة من سليمان بن عبد الله بن حنظلة الغسيل، وسمعت أيضًا بعض ذلك من رجل من قريش عن أبي عبيدة بن عبد الله بن عمار بن ياسر، فجمعت حديثهما لكثرة اتفاقه وقلة اختلافه، قالا: «بلغنا أنه لما حج موسى صلوات الله عليه حج معه أناس من بني إسرائيل، فلما كان في انصرافهم أتوا على المدينة، فرأوا موضعها صفة بلد نبي يجدون وصفه في التوراة بأنه خاتم النبيين، فاشتورت طائفة منهم على أن يتخلفوا به، فنزلوا في موضع سوق بني قينقاع، ثم تألفت إليهم أناس من العرب فرجعوا إلى دينهم، فكانوا أول من سكن موضع المدينة» 11.

إلا أن هذه الرواية مرجوحة بما اتفق عليه أكثر المؤرخين، وهو أن قبائل اليهود في الحجاز هم عبرانيون نازحون من جراء الاضطهاد الروماني، في الفترة مابين عامي 70 م - و 135 م، ولم يكونوا عربًا، أي: إنهم هم الناجون من دمار أورشليم على يد تيطوس أو الذين تم إجلاؤهم (بني النضير وقريظة) على يد الإمبراطور هادريان.

وقد ادعى يهود بني قينقاع أن أصلهم موغل في القدم بيثرب ويعود لزمان موسى في الوجود، كما تدعي الإسرائيليات التي حاول اليهود ترويجها، ونقلها لنا المؤرخون المسلمون، إلا أن قدم تواجدهم لا دليل عليه، فلا يمكن الاستدلال على قدم الوجود اليهودي ما قبل الميلاد فضلًا لزمان موسى عليه السلام؛ لأن اليهود على مر التاريخ لاقوا من الاضطهاد ما لم تلقه أمة أخرى، ولذا فلا يمكن نفي أن اليهود في يثرب قد جاؤوا على فترات متقطعة، ولكن لا يمكن تأكيد بحال من الأحوال فترات ما قبل الميلاد، أما ما بعد الميلاد فالثابت هو نزوح بني النضير وقريظة إلى يثرب.

وتبقى هذه الادعاءات ادعاءات يهودية محضة، ربما عن قصد ألفوها ونشروها بين المسلمين ليكتسبوا شرعية في المكان الذي استقروا فيه، وبرغم أصالة وعبرية تلك القبائل مثل بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر وفدك ووادي القرى، إلا أن هناك من قبائل العرب من اعتنق اليهودية أيضًا، وربما كان تقربًا لليهود.

والذي يظهر: أن غالبية يهود جزيرة العرب حلوا بها في القرن الأول الميلادي، أي: بعد التدمير الثاني لأورشليم على يد تيطس الروماني، وكان أهم أسباب حلولهم بها هو فرارهم من وجه الرومان حتى يأمنوا من بطشهم وفتكهم بهم.

أما عدد قبائلهم وبطونهم فكثيرة، وقد أوصلها بعضهم إلى نيف وعشرين فرعًا، منهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وبنو هدل، وبنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وبنو محمم، وبنو زعوراء، وبنو القصيص، وغيرهم 12، وقد اشتهر من هذه القبائل، بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، وسبب شهرتهم أنهم كانوا ذوي عدد وعدة، ولهم وقائع مع الأوس والخزرج، ثم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته 13.

ثانيًا: أماكن وجودهم:

تفرق اليهود في الجزيرة العربية، وسكنوا عدة أماكن منها، وكان أشهرها:

وما ورد من وجود لليهود باليمن، فالراجح أنه نتيجة تسرب اليهودية من إسرائيليي الحجاز إليها في القرن الخامس بعد الميلاد 15.

ثالثًا: علاقتهم بالأوس والخزرج:

ذكر المفسرون أن علاقة اليهود بالأوس والخزرج كانت وطيدة، إذ بنيت على التحالفات فيما بينهم، وبما أنهم كانوا يسكنون مكانًا واحدًا، فمن الطبيعي أن تتولد بينهم علاقات تجمعهم، وقد عكس لنا القرآن الكريم جانبًا من جوانب هذه العلاقة، وهو الجانب السياسي، وما ترتب على هذه العلاقة من نتائج، قال تعالى {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85] .

قال السدي رحمه الله: كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سمير 16 فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها، النضير وحلفاءها، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها، فيغلبونهم، فيخربون بيوتهم، ويخرجونهم منها، فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا، فذلك حين عيرهم جل وعز بقوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [البقرة: 85] 17.

وقد انعكست هذه العلاقة على الجانب الاقتصادي فيما بينهم، إذ كان اليهود قد سيطروا على أغلب الجوانب الاقتصادية في المدينة، وكان من أهم الأعمال التي اشتغلوا بها التجارة، حتى صار لبعضهم فيها شهرة كبيرة، كذلك اشتغلوا بالزراعة التي كانت المهنة الرئيسة لسكان القرى منهم.

كما اهتموا أيضًا بالصناعة، ومن أهم الصناعات التي برعوا فيها صناعة الصياغة، واشتهر بها بنو قينقاع وصناعة السيوف والدروع وسائر الآلات الحربية، وكانت لديهم ثروات وأموال، وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على المراهنات وتعاطي الربا.

وقد ترتب على سيطرة اليهود على الجوانب الاقتصادية في المدينة وضواحيها، أن قوي نفوذهم المالي وتحكموا في الأسواق فحشًا واحتكارًا لمصلحتهم ومنفعتهم، فكرههم أغلب الناس لأنانيتهم واشتطاطهم في أخذ الربا وسعيهم للثراء بطرق خبيثة يأنفها العربي ويأباها.

وقد كانت علاقة اليهود بالأوس والخزرج خاضعةً للمنفعة الشخصية والمكاسب المادية، فكان اليهود يعملون على إثارة الحرب بين الفريقين متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم، كما حصل ذلك في كثير من الحروب التي أنهكت الأوس والخزرج؛ لأنهم كانوا يهمهم أن تكون لهم السيطرة المالية على المدينة والسيطرة على صناعة السلاح وجزء كبير من الزراعة ومصادر المياه.

أما بالنسبة للجانب الديني، فقد كان اليهود يعدون أنفسهم أعلى مكانةً من الأوس والخزرج؛ لأنهم أهل كتاب، أما الأوس والخزرج فكانوا كفارًا، ولذا فقد كان اليهود يترقبون خروج النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتبعوه وتكون لهم السيادة في الأرض، وكانوا يدعون أنه سيكون منهم، وعند بعثته سيتحكمون في غيرهم من الأوس والخزرج دينًا ودنيا 18.

حينما استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد هجرته إليها، وأسلم من أسلم من أهلها، وظل اليهود على ديانتهم، وكانوا قوة لا يستهان بها آنذاك، وكانوا شركاء للمسلمين في سكنى المدينة، عقد النبي صلى الله عليه وسلم عهدًا معهم، أبقاهم فيه على صلاتهم وتحالفهم مع الأوس والخزرج، ومنحهم حرية الدين، وأوجب عليهم مشاركة المسلمين في الدفاع عن المدينة إذا ما تعرضت لأذى، كما أوجب على المسلمين معاونتهم أيضًا إذا تحقق ذلك.

ولم يمر على هذا العهد سوى عام ونصف حتى نقضته الطائفة الأولى من اليهود وهو بنو قينقاع 19، فكانوا أول من نقض العهد من اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليعاقبهم على فعلهم.

أولًا: زمان الغزوة ومكانها.

أما الزمان: فكانت يوم السبت للنصف من شوال في السنة الثانية من الهجرة، حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يومًا إلى هلال ذي القعدة 20.

وأما المكان: فوقعت الغزوة في ديارهم وكانت في طرف المدينة المنورة 21، ومنازلهم عند جسر بطحان مما يلي العالية 22.

ثانيًا: أسباب الغزوة:

أورد أهل التفسير أن غزوة بني قينقاع كان لها سببان:

الأول: نقضهم للعهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أظهروا له الحسد بما فتح الله عليه في بدر، وكشفوا عن أخلاقهم الدنيئة.

قال محمد بن إسحاق رحمه الله: (كان من أمر بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: يا معشر اليهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، فقالوا: يا محمد إنك ترى أنا كقومك، لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت فيهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس) 23.

الثاني: إثارة الفتنة، بالاعتداء على الأعراض وقتل المسلمين: فعن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلبٍ 24 لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغٍ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع 25.

ولا مانع من تحقق السببين معًا، أو أن يكون فعل اليهود بالمرأة إن صح نتيجة لحقدهم على الإسلام والمسلمين.

ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، يحمل لواءه عمه حمزة بن عبد المطلب، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، حتى أتاهم فوجدهم قد تحصنوا بحصنهم، فحاصرهم خمس عشرة ليلة لا يطلع منهم أحد.

وكان عدد اليهود يومئذٍ سبعمائة مقاتل، أربعمائة حاسر 26 وثلاثمائة دارع 27، مدرعون بدروع الحديد 28.

ثالثًا: حديث القرآن عن الغزوة:

لم يكد يستقر النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من غزوة بدر ظافرًا منتصرًا، حتى كشف يهود بني قينقاع عن نواياهم الخبيثة، وما تضمره قلوبهم من حسد وبغضاء للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فنقضوا العهد الذي وثقه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم، وليس هذا ببعيد عنهم، فقد كشف القرآن الكريم في مواضع عدة عن مواقفهم الدنيئة التي عكست التعجيز والتشكيك والسخرية واللجاج والدس والتآمر التي اشتهروا بها.

ولما لم يستجب يهود بني قينقاع لدعوة الحق بدخولهم في الإسلام أو مراعاة العهد الذي بينهم وبين المسلمين، فقد اقتضت حكمة التنزيل توجيه الإنذار لهم، أن يحيق بهم مثل ما حاق بأسلافهم من كفار قريش في بدر.

قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران 12 - 13] .

وقد ذكر أئمة التفسير أن هاتين الآيتين نزلتا في يهود بني قينقاع، وذلك لما جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في سوقهم ووجه إليهم الإنذار لفعلهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما أنزلت هؤلاء الآيات إلا فيهم، أي: في يهود بني قينقاع 29.

وفي تلك الغزوة ظهرت موالاة المنافقين لليهود، حيث قام زعيم المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول بمحاولة تخليصهم من خلال شفاعته عند النبي صلى الله عليه وسلم.

روى ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: (حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أُبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رئي لوجهه ظلل ثم قال: ويحك أرسلني، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟! إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك) 30.

من أجل ذلك نهى رب العزة سبحانه وتعالى المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة: 51 - 52] .

وقد ورد في سبب نزول هاتين الآيتين، ما رواه محمد بن إسحاق بسنده عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: «لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبدالله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد بني عوف، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبدالله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم، وقال: يا رسول الله أتولى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبدالله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة» 31.

وذكر أبو حيان في تفسيره، قال الزهري وغيره: سبب نزولها قصة عبد الله بن أُبيٍّ واستمساكه بحلف يهود، وتبرؤ عبادة بن الصامت من حلفهم عند انقضاء بدر، في قصةٍ فيها طولٌ هذا ملخصها 32.

وهذا دليل واضح على مشروعية التبرؤ من اليهود والنصارى، وعدم موالاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت