أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «القاف واللام والباء أصلان صحيحان: أحدهما: يدل على خالص شيءٍ وشريفه، والآخر على رد شيءٍ من جهةٍ إلى جهة، فالأول القلب: قلب الإنسان وغيره، سمي بهذا؛ لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه، وخالص كل شيءٍ وأشرفه قلبه» 1.
ومنه: قلب النخلة وقلبها: لبها وشحمتها، وأجود خوصها وأشده بياضًا، ويقولون: هو عربي قلب، أي: محض خالص، ويقولون: القلب: تحويل الشيء عن وجهه، وقلب الأمور: بحثها ونظر في عواقبها، وتقلب في الأمور وفي البلاد: تصرف فيها كيف شاء، ورجل قلبٌ يتقلب كيف شاء وتقلب ظهرًا لبطنٍ وجنبًا لجنبٍ: إذا تحول، والقلب: مضغةٌ من الفؤاد معلقةٌ بالنياط، والجمع أقلبٌ وقلوبٌ 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: «القلب: لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، ويسميها الحكيم: النفس الناطقة، والروح باطنه، والنفس الحيوانية مركبة، وهي المدرك، والعالم من الإنسان، والمخاطب، والمطالب، والمعاتب» 3.
وقيل: هو محل النفس والعقل والعلم والفهم والعزم. وسمي قلبا لتقلبه في الأشياء بالخواطر والعزوم والاعتقادات والإرادات 4، وقيل معناه: الروح. ولم يرتض الراغب هذا التعريف فقال: فأما العقل فلا يصح عليه ذلك 5.
فالقلب في المعنى الاصطلاحي يمكن أن يحمل على أصليه الصحيحين في اللغة.
ورد (القلب) في القرآن الكريم (132) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 19 ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) } [ق:37]
المثنى ... 1 ... {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4]
الجمع ... 112 ... {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [آل عمران:151]
وجاء القلب في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 7:
الأول: العقل: ومنه قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق:37] . يعني: عقل.
الثاني: الرأي: ومنه قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر:14] . يعني: آراؤهم شتى.
الثالث: القلب بعينه الذي في الصدر: ومنه قوله تعالى: {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] . يعني: القلب الذي هو محل النفس.
العقل:
العقل لغةً:
هذه المادة تدل على حبسة في الشيء، ومنه العقل: وهو الحابس عن ذميم القول والفعل، وهو نقيض الجهل، يقال: عقل يعقل عقلا، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله، وجمعه عقول. ورجل عاقلٌ وقوم عقلاء وعاقلون ورجل عقول، إذا كان حسن الفهم وافر العقل 8.
العقل اصطلاحًا:
قال الراغب: «العقل: يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقلٌ» 9.
وقيل: العقل آلة التمييز. وعرفه الجزائري: قوة باطنية يميز بها المرء بين النافع والضار، والصالح والفاسد 10.
الصلة بين العقل والقلب:
ذهب الشافعي وأكثر المتكلمين إلى أن محل العقل هو القلب، وهو مستعد لأن تنجلي فيه حقيقة الحق في الأشياء كلها 11.
الفؤاد:
الفؤاد لغةً:
التفؤد: التوقد. والفؤاد: القلب لتفؤده وتوقده، وهو مذكرٌ لا يأتي مؤنثًا 12.
الفؤاد اصطلاحًا:
قال الراغب: «الفؤاد كالقلب لكن يقال له: فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد، أي: التوقد» 13.
الصلة بين الفؤاد والقلب:
قيل: الفؤاد هو باطن القلب، وقيل: هو غشاء القلب، والقلب حبته وسويداؤه، كما أن الفؤاد الرقيق تسرع إمالته، والقلب الغليظ القاسي لا ينفعل لشيء 14.
فالأفئدة توصف بالرقة، والقلوب باللين؛ لأن الفؤاد غشاء القلب إذا رق نفذ القول فيه وخلص إلى ما وراءه 15.
الصدور:
الصدور لغةً:
جمع (صدر) وصدر كل شيء: أوله، وصدر السهم: ما جاز من وسطه إلى مستدقه، وسمي بذلك؛ لأنه المتقدم إذا رمي. والصدر: الطائفة من الشيء، والصدرة من الإنسان: ما أشرف من أعلى صدره 16.
الصدور اصطلاحًا:
قال المناوي: «الصدر: مسكن القلب، يشبه رئيس القوم، والعالي المجلس؛ لشرف منزلته على غيره من الناس» 17.
الصلة بين الصدور والقلب:
يتبين أن القلب جزء من أجزاء الصدر وأعضائه.
أولًا: القلب السليم.
ويتصف هذا القلب السليم بعدة صفات، منها:
وردت آيات متعددة تحمل وصف الاطمئنان لقلوب المؤمنين، من هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] .
ومعني الآية الكريمة: اذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم حين طلب إبراهيم عليه السلام من ربه كيفية البعث، حيث سأل مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان؛ ولهذا خاطبه ربه سبحانه بقوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} أي: أو لم تصدق بقدرتي على الإحياء، قال: بلى آمنت ولكن سألتك لأزداد يقينا على يقيني، وعلما لا مجال فيه لتشكيك، وليسكن قلبي بالمعاينة المضمومة إلى الاستدلال برؤية ذلك فكان ما كان من أمر الله عز وجل له.
والطمأنينة والاطمئنان: السكون بعد الانزعاج 18.
يقول القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ الطمأنينة: اعتدال وسكون. فطمأنينة الأعضاء معروفة، وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد.
فاليقين في شأن خليل الرحمن موجود كائن، ولكنه صلى الله عليه وسلم يريد سكون قلبه بمضامة العيان إلى الإيمان والإيقان بأن الله قادر على ذلك، إذن فالقلب المطمئن هو الذي امتلأ سكونًا وهيبة من عظمة الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [الرعد: 28] 19
فبمعرفة الله والإكثار من عبادته يكتسب القلب سكونه، يقول الإمام الغزالي: «الطاعات تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقًا ونورًا وضياء حتى يتلألأ فيه جلية الحق وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين، وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر» 20. واستشهد بالآية الكريمة السابقة [الرعد 28] .
من معاني طمأنينة القلب في القرآن الكريم:
قال تعالى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ?124?بَلَى? ? إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَ?ذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ?125?وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى? لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ? وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ?126? [آل عمران:124 - 126] .
السكون وعدم الاضطراب، واستعيرت هنا ليقين النفس بحصول الأمر تشبيهًا للعلم الثابت بثبات النفس أي: عدم اضطرابها 21.
قال تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ?9?وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى? وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ? وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?10?) [الأنفال:9 - 10] .
قال الطبري: «لتسكن قلوبكم بمجيئها إليكم، وتوقن بنصرة الله لكم» 22.
قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَ?كِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?106?) [النحل:106] .
ومعنى (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) : لم تتغير عقيدته، وفيه دليل على أن الإيمان هو التصديق بالقلب 23.
من صفات القلوب السليمة «السكينة» وقد وردت في القرآن في مواضع متعددة.
من ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ? وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الفتح:4] .
هذه الآية الكريمة تتحدث عن حدث له أهميته في حياة الإسلام والمسلمين، حيث معونة الله ونصرته لعباده الصادقين وقت الشدائد والمحن، وذلك أنه لما منع صلى الله عليه وسلم هو ومن معه من المسلمين من دخول مكة معتمرين كادت صفوف المسلمين تتفكك، وتذهب ريحهم لعظم أمر احتباسهم من المشركين والحيلولة دون دخول مكة. (فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟! قال: بلى، قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا، فرجع متغيظًا فلم يصبر حتى جاء أبا بكرٍ فقال: يا أبا بكرٍ ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله أبدًا فنزلت سورة الفتح) 24.
فأصل السكينة: الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، بل يوجب له زيادة الإيمان وقوة اليقين والثبات؛ ولهذا أخبر سبحانه بإنزالها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب نحو:
أما السكون: فثبوت الشيء بعد تحرك.
وقد فسر الضحاك السكينة: بالرحمة. وقيل السكينة: الوقار، وقيل: الملائكة، وهي بحسب ورودها تنتظم كل هذه المعاني.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل سكينة في القرآن هي الطمأنينة إلا التي في البقرة (ڑ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ? قَالُوا أَنَّى? يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ? قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ? وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?247?وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى? وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?248? [البقرة:247 - 248] 26.
وقد فسرت بزوال الرعب وهذا لا يبعد عن الطمأنينة.
من صفات القلب السليم «الخشوع» قال تعالى: (ے أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ? وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد:16] .
الآية الكريمة «تحمل عتابًا مؤثرًا من المولى الكريم الرحيم، واستبطاء للاستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله، فبعث فيها الرسول يدعوها إلى الإيمان بربها، ونزل عليه الآيات البينات ليخرجها من الظلمات إلى النور، وأراها من آياته في الكون والخلق ما يبصر ويحذر.
عتاب فيه الود، وفيه الحض، وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله، والخشوع لذكره، وتلقي ما نزل من الحق بما يليق بجلال الحق من الروعة والخشية والطاعة والاستسلام، مع رائحة التنديد والاستبطاء في السؤال: (ے أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) .
وإلى جانب التحضيض والاستبطاء تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن الاستجابة، وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن بدون جلاء، وما تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل عن ذكر الله، وحين لا تخشع للحق (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ? وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وليس وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج» 27.
و (يَأْنِ) كيحن: آن يئين، كحان يحين لفظًا ومعنى» 28.
(تَخْشَعَ) : أي: تلين، وتسكن، وتخضع تضرع وتذل، وتطمئن لذكر الله.
والخشوع الخوف الدائم في القلب، ومصدر الخشوع هو القلب 29.
في ظلال هذه الآية يقول أديب العربية مصطفي صادق الرافعي: أَلَمْ يَأْنِ) هذه الكلمة حث وإطماع وجدال وحجة، وهي في الآية تصرح أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال للإيمان، وأن وقت هذا الخشوع هو كمال العمر، وكيف يعرف المؤمن أنه سيأتي له أن يعيش ساعة أو ما دونها؟!
إذن فالكلمة صارخة تقول: الآن الآن قبل ألا يكون آن، أى: البدار ما دمت في نفس من العمر فإن لحظة بعد «الآن» لا يضمنها الحي.
وإذا فني وقت الإنسان انتهى زمن عمله فبقى الأبد كله على ما هو، ومعنى هذا أن الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة، وإن هو إلا اللحظة الراهنة من عمره التي هي «الآن» فانظر ـ ويحك ـ وقد جعل الأبد في يدك، انظر كيف تصنع به.
تلك هي حكمة اختيار اللفظة من معنى «الآن» دون غيره.
ثم قال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) وهذا كالنص على أن غير هؤلاء لا تخشع قلوبهم لذكر الله ولا للحق، فلا تقوم بهم الفضيلة، ولا تستقيم بهم الشريعة، وعالمهم وجاهلهم سواء، لا يخشعان إلا للمادة، وكأن إنسانهم إنسان ترابي، لا يزال يضطرب على مكر الليل والنهار بين طرفين من الحيوان عيشه وموته، وما تقسو الحياة قسوتها على الناس إلا بهم، وما ترق رقتها إلا بالمؤمنين.
وجعل الخشوع للقلوب خاصة، إذ كان خشوع القلب غير خشوع الجسم، فهذا الأخير لا يكون خشوعًا، بل ذلًا، أو ضعة، أو رياء أو نفاقًا، أو ما كان.
أما خشوع القلب فلن يكون إلا خالصًا مخلصًا محصن الإرادة، واشترط القلب كأنه يقول: إنما القلب أساس المؤمن، وإن المؤمن ينبع من قلبه لا من غيره، متى كان هذا القلب خاشعًا لله وللحق، فإن لم يكن قلبه على تلك الحال، نبع منه الفاسق والظالم الطاغية وكل ذي شر.
ما أشبه القلب تتفرع منه معاني الخلق بالحبة تنسرح منها الشجرة، فخذ نفسك من قلبك كما شئت، حلوًا من حلو، ومرًا من مر.
وخشوع القلب لله وللحق معناه السمو فوق حب الذات، وفوق الأثرة والمطامع الفاسدة، وهذا يضع للمؤمن قاعدة الحياة الصحيحة، ويجعلها في قانونين لا قانون واحد.
ومتى خشع القلب لله وللحق، عظمت فيه الصغائر من قوة إحساسه بها، فيراها كبيرة وإن عمي الناس عنها، ويراها وهي بعيدة منه بمثل عين العقاب يكون في لوح الجو ولا يغيب عن عينه ما في الثرى.
وقد تخشع القلوب لبعض الأهواء خشوعًا هو شر من الطغيان والقسوة فتقيد خشوع القلب «بذكر الله» هو في نفسه نفي لعبادة الهوى، وعبادة الذات الإنسانية في شهواتها، وما الشهوة عند المخلوق الضعيف إلا إله ساعتها) 30.
ومما يورث الخشوع: ترقب آفات النفس والعمل ومطالعة عيوب ونقائص النفس من العجب والكبر والرياء، وضعف الصدق وقلة اليقين 31.
الخشوع ـ بصفة عامة ـ في القرآن على أربعة أوجه:
الأول: التواضع؛ لقوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة:45] . يعني: المتواضعين.
الثاني: الخوف؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى? وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90] . يعني: خائفين.
الثالث: سكون الجوارح ورمي البصر إلى موضع السجود؛ لقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ?1?الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ?2? [المؤمنون:1 - 2] .
الرابع: الذل والتذلل؛ لقوله تعالى في سورة طه: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ? وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَ?نِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) [طه:108] يقول: ذلت كقوله تعالى في سورة الغاشية: (ٹ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ) [الغاشية:2] .
مثلها في سورة القلم: (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ) [القلم:43] .
ونحوه في سورة القمر: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) [القمر:7] .
الإخبات:
ورد لفظ الإخبات في آيات ثلاث في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى? أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(52) لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ? وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ? وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54 ) ) [الحج:52 - 54] .
يتحدث الحق جل وعلا عن حملة وحيه «الرسل» الذين يتمنون إيمان الناس بربهم وإسلامهم الوجه لله عز وجل، ويتحدث عن الشياطين وما جبلوا عليه من كراهية طريق الله عز وجل ووقوفهم وقفة الأعداء في وجه المرسلين، كما قال تعالى: (ٹ وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى? بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ? وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ? فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ?112?) [الأنعام:112] .
جاءت هذه الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم تقول له: «لا تحزن يا محمد على معاداة قومك لك فهذه سنة المرسلين، ثم يبين المولى عز وجل سنته أيضًا حيال مكر الشياطين، وأنه يبطله ثم يثبت آياته الدالة على وحدانيته، ويجعل وساوس الشياطين فتنة للمنافقين وللكافرين الذين لا تلين قلوبهم لذكر الله، وإن الكافرين لفي عداوة شديدة لله ولرسوله، وليعلم أهل العلم أن القرآن هو الحق الحقيق بالإيمان فيؤمنوا به فتخبت له أي: «تخشع وتسكن قلوبهم» بخلاف من في قلبه مرض، وإن الله لمرشد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم.
والإخبات: نزول الخبت وهو المكان المنخفض، وتفسيره بالإخلاص؛ لأنه لازم للتواضع والتذلل 32.
وإخبات القلوب: يكون بالانقياد والخشية للقرآن على التخصيص، ولكل أوامر الله على التعميم 33، قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ?34?الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى? مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?35?) [الحج:34 - 35] .
ولقد ورد عن السلف تفسيراتٌ متعددة للمخبتين كلها ترجع إلى ما ذكرنا سابقًا وإن اختلفت العبارة.
قال سفيان: هم الراضون بقضاء الله، وقال الكلبي: المجتهدون في العبادة، وقال عمرو بن أوس: الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا 34.
هذا وقد وصف الله تعالى المخبتين بصفات ذكرها في قوله سبحانه: (?الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى? مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?)
والإخبات ورد في القرآن على وجهين:
الأول: الإخلاص ومنه قوله تعالى في سورة هود: (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ) [هود:23] .
يعني: أخلصوا ومثلها في سورة الحج (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج:34] .
يعني: المخلصين، والإخلاص محله القلب.
الثاني: الإخبات بمعنى القبول ومنه قوله تعالى في سورة الحج: (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ?) [الحج:54] .
يعني فتقبل له صدورهم 35.
التقوى:
من صفات القلوب السليمة «التقوى» وهي كنز عزيز إن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف، وعلقٍ نفيس، وخير كثير، ورزق كريم، وغنم جسيم وملك عظيم، فهي الخصلة التى تجمع خير الدنيا والآخرة، وعليها مدار القبول، وبها وصى سبحانه الأولين والآخرين فقال تعالى: (?وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ? وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) [النساء:131] .
ومن هنا علمنا أنها الغاية التى لا متجاوز عنها؛ لجمعها محض النصح والدلالة والإرشاد والتأديب والتعليم والتهذيب 36.
والتقوى مشتقة من الوقاية وهي حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، يقال: وقاه وقيًا ووقاية: صانه.
والتوقية: الصيانة والحفظ.
والمتقي: هو من جعل بينه وبين المعاصي وقاية تحول بينه وبينها من قوة عزمه على تركها، وتوطين قلبه على ذلك؛ فلذلك قيل له: متق.
وتعريفها شرعًا: حفظ النفس عما يؤثم، وذلك بترك المحظور وبترك بعض المباحات 37.
وقد ذكر أهل التفسير أن التقوى في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: التوحيد، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ? وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) [النساء:131] .
وفي الحجرات: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى? ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [الحجرات:3] .
والثاني: الإخلاص، ومنه قوله تعالى في الحج: (ٹ ٹ ذَ?لِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32] أراد من إخلاص القلوب.
والثالث: العبادة، ومنه قوله تعالى في النحل: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى? مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ?) [النحل:2] .
وفي المؤمنين: (إِنَّ هَ?ذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92] .
وفي الشعراء: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11 ) ) [الشعراء:10 - 11] .
والرابع: ترك المعصية، ومنه قوله تعالى في البقرة: (ھ ے ے يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(189 ) ) [البقرة:189] .
والخامس: الخشية، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [النساء:1] .
وفي الشعراء: (ذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ) [الشعراء:106] وكذلك في قصة هود وصالح وشعيب 38.
ومحل التقوى هو القلب؛ لقوله تعالى: (ٹ ٹ ذَ?لِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32] .
والنكتة في تخصيص القلب في الآية بالتقوى، أن حقيقة التقوى في القلب وهو منشؤها؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (التقوى ها هنا وأشار إلى صدره) .39
أو للإشارة إلى أن التقوى تنقسم إلى قسمين: تقوى القلوب، وتقوى الأعضاء.
وتقوى القلوب: المراد بها التقوى الحقيقية الصادقة التي يتصف بها المؤمن الصادق وهي المثبتة هنا، وتقوى الأعضاء المراد بها التقوى الصورية الكاذبة التي يتصف بها المنافق الذي كثيرًا ما تخشع أعضاؤه وقلبه ساه لاه، وما في الآية شديد الشبه بقولهم: العفو من شيم الكرام، فمتى فهم منه كون العفو من أعظم أبواب الشيم فليفهم من ذلك كون التعظيم لشعائر الله من أعظم أبواب التقوى 40.
الوجل:
وردت صفة الوجل في آيات كثيرة من القرآن العظيم، منها قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال: 2] .
الوجل: استشعار الخوف، يقال: وجل يوجل وجلًا فهو وجلٌ 41.