وهذا هو المفتاح الخامس من مفاتح الغيب: مكان الموت و نهاية المرحلة في هذه الحياة الدنيا، وهي المصير المحتوم لكل مخلوق، ومع ذلك لا يستطيع الإنسان ولا تستطيع أي نفس كانت أن تدري مكان موتها، هل هو في الأرض التي ولدت فيها أم في غيرها؟ في هذا البلد أو ذاك من بلاد الله الواسعة المترامية الأطراف، وفي أي بقعة أو مكان من هذا البلد أو ذاك؟ و هل يكون ذلك في بر أو بحر أو سهل أو جبل.، إلى غير ذلك مما يقف الإنسان أمامه عاجزًا، إذ لا يعلم ذلك كله إلا الخالق سبحانه الذي أحاط بكل شيء علمًا.
وقد جاء في الحديث: (إذا أراد الله قبض روح عبدٍ في أرضٍ جعل له فيها -أو قال بها- حاجةً) 71.
ولما كان علم مكان الموت، لا يعلمه أحد من الناس بنوع حيلة، مع شدة حذره منه وحبه -لو أنفق جميع ما يملكه لكي يعلمه- عبر عنه بما عبر عن الذي قبله، فقال مؤكدًا بإعادة النافي والمسند: (وَمَا تَدْرِي) وأظهر؛ لأنه أظهر وأليق بالتعميم فقال: (نَفْسٌ) أي: من البشر وغيره (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ، ولم يقل: بأي وقت؛ لعدم القدرة على الانفكاك عن الوقت، مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين، وإحاطة العلم بكراهة كل أحد للموت، فكان ذلك أدل دليل على جهله بموضع موته؛ إذ لو علم به لبعد عنه ولم يقرب منه 72.
الحكمة في أن للغيب مفاتح:
وقد تلمس بعض العلماء الحكمة فيما جاء في الآية الكريمة وفي الحديث الشريف من التعبير عن هذه الغيوب وأصولها بـ (المفاتح) ، فذكر الشيخ ابن أبي جمرة الأندلسي 73 أن الحكمة في أن للغيب مفاتح تظهر في أمور، منها:
حكمة حصر الغيب بهذه المفاتح:
وأمور الغيب ليست محصورة في هذه الخمس التي جاءت في سورة لقمان وفي حديث مفاتيح الغيب -الذي سبق- فهي لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى الذي يعلمها كلها، بكلياتها وجزئياتها، وظواهرها وبواطنها. فهي (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) ، لا على معنى أن الغيب محصور فيهن -كما زعمه بعضهم- فقد صرح القرآن الكريم بغيرهن في مواطن كثيرة؛ من ذلك: معرفة حقيقة الروح، و تفصيل بدء الخلق، و تفاصيل النشأة الآخرة، و جنود الله، إلى غير ذلك. وإنما اقتصر في الحديث على الأمور المجموعة في آية لقمان المذكورة؛ لأن النفوس كلها تتشوق لمعرفتها، ولأنها وردت مجموعة في سؤال الناس للنبي صلى الله عليه وسلم على ما روي في سبب النزول، وقد تقرر أن العدد لا مفهوم مخالفة له، بل يثبت مضمونه ولا ينفي ما زاد عنه 75.
ولتقريب هذا إلى الأذهان جاء التعبير بـ (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) ؛ إذ أن أقرب الأشياء إلى الاطلاع على ما غاب عن الإنسان هو الأبواب، والمفاتح أيسر الأشياء لفتح الباب، فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف مكانها فما فوقها أحرى أن لا يعرف ولا يعلم علمًا حقيقيًا. وإن كان لبعض الغيوب أسبابًا قد يستدل بها عليها، لكن ليس ذلك حقيقيًا، ولما كان جميع ما في الوجود محصورًا في علمه شبهه بالمخازن، واستعار المفتاح لأبواب تلك المخازن.
وتلمس العلامة ابن أبي جمرة الأندلسي رحمه الله الحكمة في حصر أمور الغيب في هذه الخمسة، فوجدها في الإشارة إلى حصر العوالم في هذه الخمس من المفاتح:
فالمفتاح الأول: (عِلْمُ السَّاعَةِ) فيه إشارة إلى علوم الآخرة كلها، ويوم القيامة أولها، وهو مفتاح علومها. وإذا انتفى علم الأقرب انتفى ما بعده من باب أولى.
والمفتاح الثاني: (إنزال الغيث) إشارة إلى علوم العالم العلوي، وخص منه المطر مع أن له أسبابًا قد تدل بمجرى العادة وسنة الله الكونية على وقوعه وإنزاله، لكنه من غير تحقيق وعلم يقيني.
والمفتاح الثالث: (علم ما في الأرحام) إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة، ومع ذلك نفى أن يعرف أحد حقيقتها، فغيرها منفيٌ بطريق أولى.
والمفتاح الرابع: (علم ما في غد) إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث والكسب، وعبر بلفظ: (غد) لتكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان -مع قربه- لا يعلم حقيقته وحقيقة ما يقع فيه -مع إمكان الأمارة والعلامة الدالة عليه-، فما بعده أولى أنه لا يعرف.
والمفتاح الخامس: (علم مكان الموت) إشارة إلى أمور العالم السفلي، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده، ولكن ليس ذلك حقيقة، بل لو مات في بلده، لا يعلم في أي بقعة يدفن فيها، ولو كان هناك مقبرة لأسلافه الماضين، بل ولو كان له قبر أعده لنفسه 76.
وقال السيد محمد رشيد رضا: «العوالم ثلاثة:
الأول: القريب الداني الذي نقيم فيه قبل الموت.
الثاني: الذي نقيم فيه بعد الموت أبدًا إلى غير نهاية.
الثالث: الوسط بينهما، وهو ما نقيم فيه بين العالمين حتى يتم جمعنا بانتهاء الدنيا، ونفد على الله جميعًا.
فالثاني والثالث: من الغيب الذي ليس مشهودًا لنا، ولا يحصل فيه زيادة يبرزها الله تعالى من العدم، كالأحجار والمعادن ونحوها من الموجودات، التي وجدت في الكون تدريجيًا، أو دفعة واحدة، ومنه ما هو غيب، وهو ما يتجدد بصورة مخصوصة لم تكن مشهودة، وهو النبات ومفتحة الغيث، والحيوان ومفتحة الأرحام غالبًا، أو عبر بها عنه، وكسب الحيوان وعمله وهو مفتح وخزانة من خزائن الغيب» 77.
استأثر الله سبحانه وتعالى بعلم الغيب، واختص به نفسه، فليس لأحد من الخلق أن يزعم أنه قادر على معرفة ما استأثر الله تعالى به، فقد قال الله عز وجل: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ? وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ? وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?59?) [الأنعام: 59] .
وقال سبحانه وتعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ?65?) [النمل: 65] .
ومفاتح الغيب هذه هي التي أشار الله تعالى إليها وفصلها في سورة لقمان: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ?34?) [لقمان: 34] .
ولم يطلع الله تعالى أحدًا على الغيب إلا من اختاره من رسله لإطلاعه على بعض أنواع الغيوب، مما شاءت حكمة الله تعالى أن يعلمه لهم في مرحلة من مراحل الغيب -على ما سبق بيانه في أنواع الغيب- فقال سبحانه وتعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ?) [آل عمران: 179] .
وقال أيضًا: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى? غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى? مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن: 27] .
وما استأثر الله تعالى بعلمه، فلا يعلمه أحد من الخلق حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية؛ والله تعالى يقول: قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65 ) ) 78.
ولذلك ينبغي أن نتعرف على حكم من يدعي شيئًا من علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به، أو لم يستأثر به، ولكن لم يهيئ للخلق أسباب المعرفة له. ويدخل في ذلك حكم التنجيم والكهانة والعرافة.
أولًا: حكم ادعاء علم الغيب والاستسقاء بالنجوم والكواكب:
وفيما يلي إشارة إلى حكم ذلك كله، كما ذكره علماء الإسلام في كتب التفسير، وكتب التوحيد، وكتب الفقه، ونجتزئ ببعض النصوص الدالة على ذلك من المذاهب الفقهية المختلفة. وبالله التوفيق:
يقول ابن أبي العز الحنفي: «ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين. قال الله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى? غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى? مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) [الجن: 27] .
وقال سبحانه وتعالى: (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ? وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34] .
ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها، ولا من جهلنا انتفاء حكمته. ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيات والعقارب والفأر والحشرات، التي لا يعلم منها إلا المضرة -لم ينف أن يكون الله تعالى خالقًا لها-، ولا يلزم أن لا يكون فيها حكمة خفيت علينا؛ لأن عدم العلم لا يكون علمًا بالمعدوم» 79.
ويقول ابن عابدين الحنفي: «إن دعوى علم الغيب معارضةٌ لنص القرآن الكريم، فيكفر بها، إلا إذا أسند ذلك صراحةً أو دلالةً إلى سببٍ من الله تعالى، كوحيٍ أو إلهامٍ، وكذا لو أسنده إلى أمارة عادية بجعل الله تعالى. وقال أيضًا: وأما ما وقع لبعض الخواص كالأنبياء والأولياء بالوحي والإلهام فهو بإعلام من الله تعالى، فليس مما نحن فيه» 80.
و يقول القرطبي المالكي: «قال علماؤنا: أضاف سبحانه علم الغيب إلى نفسه في غير ما آيةٍ من كتابه إلا من اصطفى من عباده، فمن قال: إنه ينزل الغيث غدًا وجزم فهو كافر، أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا. وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فإن لم يجزم وقال: إن النوء ينزل الله به الماء عادة، وأنه سبب الماء عادة، وأنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر، إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيهًا بكلمة أهل الكفر، وجهلًا بلطيف حكمته؛ لأنه ينزل متى شاء، مرةً بنوء كذا، ومرةً دون النوء. قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ) » 81.
وقال أيضًا: «فلا مطمع لأحدٍ في علم شيء من الأمور الخمس، ولا طريق لعلم شيء من ذلك إلا أن يعلم الله تعالى بذلك -أو بشيء منه- أحدًا ممن شاءه، فمن ادعى علم شيء من هذه الأمور، كان في دعواه كاذبًا، إلا أن يسند ذلك إلى رسولٍ بطريقةٍ تفيد العلم القطعي، ووجود ذلك متعذر بل ممتنعٌ. وأما ظن الغيب: فلم يتعرض شيء من الشرع لنفيه ولا إثباته؛ فقد يجوز أن يظن المنجم -أو صاحب خط الرمل، أو نحو هذا- شيئًا مما يقع في المستقبل، فيقع على ما ظنه، فيكون ذلك ظنًا صادقًا، إذا كان عن موجبٍ عاديٍ يقتضي ذلك الظن، وليس بعلم، فتفهم هذا؛ فإنه موضعٌ غلط بسببه رجال، وأكلت به أموال» 82.
وقال أبو بكرٍ ابن العربي المالكي: «مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله لا أمارة عليها، ولا علامة عليها، إلا ما أخبر به الصادق المجتبى لاطلاع الغيب من أمارات الساعة، والأربعة سواها لا أمارة عليها، فكل من قال: إنه ينزل الغيث غدًا فهو كافرٌ، أخبر عنه بأماراتٍ ادعاها، أو بقولٍ مطلق.
ومن قال: إنه يعلم ما في الرحم فهو كافر، فأما الأمارة على هذا فتختلف، فمنها كفرٌ، ومنها تجربةٌ. والتجربة منها أن يقول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فهو ذكرٌ، وإن وجدت الجنب الأشأم (الأيسر) أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة لا واجبًا في الخلقة لم نكفره، ولم نفسقه.
فأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن الجملية أو المفصلة فيما يكون قبل أن يكون، فلا ريبة في كفره أيضًا.
فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر، فقد قال علماؤنا: يؤدب ويسجن ولا يكفر. أما عدم تكفيره: فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب، وتقدير المنازل، حسبما أخبر الله سبحانه في قوله جل وعلا: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) [يس:39] .
فلحسابهم له، وإخبارهم عنه، وصدقهم فيه، توقفت علماؤنا عن الحكم بتكفيرهم.
وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة في تعليق العلم بالغيب المستأنف، ولا يدرون قدر الفرق بين هذا وغيره، فتشوش عقائدهم في الدين، وتتزلزل قواعدهم في اليقين فأدبوا حتى يسروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به» 83.
وقال الوزير عون الدين بن هبيرة: «ما يدعيه المنجمون من أنهم يعرفون الكسوف قبل كونه من طريق، فلا يختص بهم دون غيرهم ممن يعرف الحساب، بل هو مما إذا حسبه الحاسب عرفه، وليس مما يدل على أنهم يتخصصون فيه، مما يجعلونه حجة في دعواهم علم الغيب مما تفرد الله سبحانه بعلمه، فإنه لا دلالة لهم على ذلك، ولا فيما تعلقوا به من هذا الاحتجاج على ما أرهجوا به» 84.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: «الاستسقاء بالنجوم نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفرٌ ظاهر؛ إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [العنكبوت: 63] .
الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور النجم، فحكى ابن مفلح خلافًا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه.
والصحيح أنه محرم؛ لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله بقوله صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ في أمتى من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) 85.
وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم» 86.
وعندما ينسب المطر إلى الأنواء ومنازل القمر وغير ذلك، يدعي بهذا علمًا للغيب؛ إذ إنه عندما يرى هذه المظاهر والأسباب يدعي نزول المطر، وقد سبق أن هذا مما اختص الله تعالى به، وإن كان قد يعلمه الإنسان ظنًا في مرحلة انعقاد أسبابه، كما سبق بيانه في مفاتح علم الغيب، والله سبحانه أعلم.
ثانيًا: الكهانة وصور ادعاء علم الغيب:
ومما يدخل في باب ادعاء علم الغيب: العرافة، والتنجيم، والكهانة، والطرق بالحصى، وقد يطلق عليها جميعها اسم الكهانة 87.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية 88: «وممن يدخل في ذم السحرة: الكهان والعرافون والمنجمون والذين يخطون في الرمل، وكل هؤلاء يدعون علم الغيب، وهم كفرة خارجون عن الإسلام بادعائهم الغيب. قال الله تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ? وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [النمل: 65] .
ومن صدقهم في دعواهم فهو كافرٌ بالله مشركٌ. عن أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى حائضًا، أو امرأةً في دبرها، أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ) 89.
وسنفرد أهم هذه الصور بكلمة موجزة، نبين من خلالها حكم من يدعي شيئًا من ذلك أو يفعله أو يصدقه.
الكهانة:
قال ابن سيده: «كهن يكهن ويكهن، وتكهن يتكهن تكهنًا و تكهينًا: قضى له بالغيب. ورجلٌ كاهنٌ من قوم كهنةٍ وكهانٍ. وكهن كهانةً صار كاهنًا، وحرفته الكهانة» 90.
والمراد من علم الكهانة مناسبة الأرواح البشرية مع الأرواح المجردة من الجن والشياطين، والاستعلام بهم عن الأحوال الجزئية الحادثة في عالم الكون المخصوصة بالمستقبل. فالكهانة هي: ادعاء علم الغيب أو القضاء به، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب. والأصل فيه: استراق الجني السمع من كلام الملائكة، فيلقيه في أذن الكاهن.
والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخرٍ، ويسعى في قضاء حوائجه. والعرب تسمي كل من آذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا. فهو يخبر عما يكون في المستقبل ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب 91.
قال الخطابي 92: «الكهنة قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة وطباع نارية، فألفتهم الشياطين؛ لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، وساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه. فالكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن» .
وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية، خصوصًا في العرب؛ لانقطاع النبوة فيهم، وهي على أربعة أصناف:
الأول: ما يتلقونه من الجن، فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء، فيركب بعضهم بعضًا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام، فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام، ونزل القرآن، حرست السماء من الشياطين وأرسلت عليهم الشًهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى، فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) [الصافات: 10] .
وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًا، كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدًا حتى كاد يضمحل، ولله الحمد.
والثاني: ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره، مما لا يطلع عليه الإنسان غالبًا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد عنه.
والثالث: ما يستند إلى ظنٍ وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة، مع كثرة الكذب فيه. وإذا كان كذلك فسؤالهم عن غيب ليخبروا عنه حرامٌ، وما يأخذون على ذلك حرامٌ، ولا خلاف فيه؛ لأنه حلوان الكاهن المنهي عنه.
والرابع: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك. ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعًا 93.
ونقل القرطبي عن علماء المالكية أنه «يجب على من ولي الحسبة أن يقيم هؤلاء الكهنة من الأسواق، وينكر عليهم أشد النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك، وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور، فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإن تلك الكلمة إما خطفة جني، أو موافقة قدر ليغتر به بعض الجهال، ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين، فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم على الفساد، والضلال» 94.
وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى حائضًا، أو امرأةً في دبرها، أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل الله على محمدٍ) 95.
وله شاهد من حديث جابر وعمران بن حصين، أخرجهما البزار بسندين جيدين، ولفظهما: (من أتى كاهنًا فصدقه) 96.
وأخرجه مسلم من حديث امرأةٍ من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -ومن الرواة من سماها حفصة- بلفظ: (من أتى عرافًا) 97.
وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي، ولفظه: (من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا) 98.
واتفقت ألفاظهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلا حديث مسلم فقال فيه: (لم يقبل لهما صلاة أربعين ليلة) .
ووقع عند الطبراني من حديث أنس بسند لين مرفوعًا بلفظ: (من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد برئ مما نزل على محمدٍ، ومن أتاه غير مصدقٍ له لم تقبل صلاته أربعين يومًا) 99.
والأحاديث الأول مع صحتها وكثرتها، أولى من هذا. والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي 100.
فما أعظم ضلال أولئك الذين يدعون معرفة الغيب بالكهانة! وما أشدً عقوبة أولئك الذين يأتونهم ويصدقونهم فيما يزعمون، حتى إن الشكوى ارتفعت على ألسنة كثير من العلماء في قرون سلفت، عم فيها ذلك الضلال.
فقال القرطبي رحمه الله: «وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان -زمان القرطبي- بإتيان المنجمين والكهان لاسيما بالديار المصرية، فقد شاع في رؤسائهم وأتباعهم وأمرائهم اتخاذ المنجمين، بل ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاءوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين، فبهرجوا عليهم بالمحال، واستخرجوا منهم الأموال فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل، ومن أديانهم على الفساد والضلال. وكل ذلك من الكبائر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) فكيف بمن اتخذهم وأنفق عليهم معتمدًا على أقوالهم؟» 101.