أي: «من آياته أشياء يقضي كل عقل بأنها لا مشاركة للأوثان فيها، وهو ما في الريح من المنافع، وذلك أنها بشرى بالمطر، ويذيق الله بها المطر، ويلقح بها الشجر، وغير ذلك، ويجري بها السفن في البحر، ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات في البحر، وفي ذرو الأطعمة، وغير ذلك» 88.
فالشكر والتفكر قرينان، فالتفكر يغذي الشكر؛ لأنه يمد الشاكرين بدلائل الوحدانية والقدرة الباهرة، فيشكرون الرب ويفردونه بالعبادة.
أخبر سبحانه وتعالى في كتابه عن نماذج شكرت نعمه فأثنى عليها، وألقى في قلوب عباده المؤمنين الثناء عليهم، وأخبر عن الجاحدين نعمه وكيف سلبها منهم، وفي هذا المبحث نبين نماذج شاكرة لنعم الله، ونماذج غير شاكرة لنعمه؛ لنقتدي بالأولى، ونتجنب عاقبة الثانية:
أولًا: نماذج شاكرة:
أثنى الله سبحانه وتعالى على الرسل والأنبياء الشاكرين لنعمه بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم في كتابه الكريم؛ ليقتدي بهم المؤمنون في شكرهم ويتابعونهم عليه، ومن هؤلاء:
1.نوح عليه السلام.
الذي أثنى الله عليه بأنه كان عبدًا شكورًا بقلبه ولسانه وجوارحه.
قال سبحانه وتعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ شَكُورًا} [الإسراء: 3] .
عن مجاهدٍ رحمه الله قال عن نوح عليه السلام: «لم يأكل شيئًا قط إلا حمد الله عز وجل، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمد الله عليه، ولم يمش مشيًا قط إلا حمد الله عليه، ولم يبطش بشيءٍ قط إلا حمد الله عليه؛ فأثنى الله عز وجل عليه أنه كان عبدًا شكورًا» 89.
وفي هذا المعنى روى مسلم بسنده عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) 90.
وفي الآية دلالة على أن من يعبد الله فقد شكره، ومن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته.
2.إبراهيم عليه السلام.
أثنى الله على خليله إبراهيم عليه السلام فقال: {شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 121] .
كان عليه السلام يخلص الشكر لله فيما أنعم عليه، ولا يجعل معه في شكره في نعمه عليه شريكًا من الآلهة والأنداد وغير ذلك، كما يفعل مشركو قريش 91.
وفي الآية أوثر صيغة جمع القلة؛ للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يخل بشكر النعمة القليلة، فكيف بالكثيرة؟! 92.
3.موسى عليه السلام.
أمر سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يأخذ ما أعطاه من أمره ونهيه، وأن يتمسك به، وأن يعمل به، وأن يكون من الشاكرين له سبحانه وتعالى على ما آتاه من رسالته، واختصاصه بكلامه، قال سبحانه وتعالى: {قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] .
«وأمر الله سبحانه وتعالى لموسى بأخذ ما آتاه، والشكر على الاصطفاء والعطاء، فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة الله. والرسل صلوات الله وسلامه عليهم قدوة للناس، وللناس فيهم أسوة، وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم الله بالقبول والشكر؛ استزادة من النعمة، وإصلاحًا للقلب، وتحرزًا من البطر، واتصالًا بالله» 93.
وقد قام عليه السلام لله مقامات عظيمة في مقابلة أعدى عدو له وهو فرعون، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، وتحمل في سبيل ذلك الأذى؛ وصبر عليه ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، وكان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يصبر نفسه بما حدث لأخيه موسى عليه السلام ويقول: (يرحم الله موسى؛ لقد أوذي بأكثر من هذا، فصبر) 94.
4.محمد صلى الله عليه وسلم.
أمر الله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعبادة ربه وحده لا شريك له، وأن يكون من الشاكرين لنعمه، قال سبحانه وتعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 66] .
فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وقام بمقام الشكر حق القيام؛ ففي مقام العبادة قام بين يدي ربه حتى تورمت قدماه الشريفتان.
روى البخاري بسنده عن زيادٍ هو ابن علاقة أنه سمع المغيرة يقول: (قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا) 95.
وأوصى معاذًا فيما رواه أبو داود عن معاذ بن جبلٍ، أن رسول صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، وقال: (يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاةٍ تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) 96.
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباسٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: (رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا) 97.
وفي تبليغ الرسالة: لما نزل عليه: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 1 - 4] .
شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، ولما نزل عليه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] .
فصدع بأمر الله، لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والإنس 98.
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب رحمه الله: «إنه النداء العلوي الجليل، للأمر العظيم الثقيل، نذارة هذه البشرية وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان، وهو واجب ثقيل شاق، حين يناط بفرد من البشر -مهما يكن نبيًا رسولا- فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود، {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} ، والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال وهم لا يشعرون، وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئا حين يضلون، ولا يزيدون في ملكه شيئا حين يهتدون؛ غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشر الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم ويدخلهم جنته من فضله» 99.
هذا غيض من فيض من شكره صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو سيد الشاكرين.
ثانيًا: نماذج غير شاكرة:
هذان نموذجان لقرى غير شاكرة لأنعم الله، وبيان كيف سلب الله نعمه منهم:
1.قرية كانت آمنة.
أخبر سبحانه وتعالى عن بلدة كانت في أمان من الاعتداء، واطمئنان من ضيق العيش، يأتيها رزقها هنيئًا سهلا من كل جهة، فجحد أهلها نعم الله عليهم، وأشركوا به، ولم يشكروا له، فعاقبهم الله بالجوع، والخوف.
قال سبحانه وتعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة رحمهم الله: «والقرية المضروب بها المثل مكة، كانت بهذه الصفة التي ذكر الله؛ لأنها كانت لا تغزى ولا يغير عليها أحد، وكانت الأرزاق تجلب إليها، وأنعم الله عليها برسوله، فكفروا بأنعم الله في ذلك وفي جملة الشرع والهداية، فأصابتهم السنون والخوف، وسرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته» 100.
«وإن من أشنع ما كانوا يصنعون تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه منهم، وذلك أظهر في معنى الإنعام عليهم والرفق بهم» 101.
وفي الآية دلالة على أن عدم شكر نعم الله سبب لزوالها عن أهلها.
2.قبيلة سبأ.
قال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ فِيهَا قُرًى وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ: 15 - 19] .
سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها: (مأرب) ، ومن نعم الله ولطفه بالناس عمومًا، وبالعرب خصوصًا، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره؛ ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة، فقال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ} ، أي: محلهم الذي يسكنون فيه {آيَةٌ} ، والآية هنا: ما أدر الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا الله ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله: {جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ} وكان لهم وادٍ عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا قد بنوا سدًا محكما، يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أدرها عليهم من وجوه كثيرة:
منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.
ومنها: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى وعدهم -إن شكروه- أن يغفر لهم ويرحمهم؛ ولهذا قال: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} .
ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة -الظاهر أنها قرى صنعاء، قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها الشام- هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد.
ولهذا قال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} ، أي: سيرا مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه {لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} ، أي: مطمئنين في السير في تلك الليالي والأيام، غير خائفين، وهذا من تمام نعمة الله عليهم، أن أمنهم من الخوف، فأعرضوا عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان السير فيها متيسرًا، {وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بكفرهم بالله وبنعمته.
فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بهذه النعمة، التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها سيل العرم، أي: السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} ، أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا {خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} ، وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم.
فكما بدلوا الشكر الحسن بالكفر القبيح، بدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} ، أي: وهل نجازي جزاء العقوبة -بدليل السياق- إلا من كفر بالله وبطر النعمة؟! فلما أصابهم ما أصابهم، تفرقوا وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يتحدث بهم، وأسمارًا للناس، وكان يضرب بهم المثل، فيقال: «تفرقوا أيدي سبأ» ، فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال الله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} .
صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه الله، ولا يتسخطها، بل يصبر عليها، شكور لنعمة الله سبحانه وتعالى يقر بها ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته، فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة جزاء لكفرهم نعمة الله، وأن من فعل مثلهم فعل به كما فعل بهم، وأن شكر الله سبحانه وتعالى حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل الله صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا 102.
أطلق الله جزاء الشاكرين ولم يقيده، ففي سياق الحديث عن الذين ثبتوا على الإيمان حين أشاع الأعداء مقتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد.
قال سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .
قوله: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} ، أي: الذين صبروا وقاتلوا واستشهدوا؛ لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام 103، فهم الذين يعرفون مقدار النعمة التي منحها الله لعباده في إعطائهم هذا المنهج، فيشكرونها باتباع المنهج، ويشكرونها بالثناء على الله، ومن ثم يسعدون بالمنهج؛ فيكون هذا جزاء طيبًا على شكرهم، ثم يسعدون بجزاء الله لهم في الآخرة، وهو أكبر وأبقى 104.
وقد ذكر الطبري بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال في تفسير هذه الآية: (الشاكرون) الثابتون على دينهم، أبو بكر وأصحابه، وكان يقول: «أبو بكر أمير الشاكرين» ، وهذه عبارة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية في يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم وثبوته في ذلك الموطن، وثبوته في أمر الردة.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته، هاج المنافقون وتكلموا، وهموا بالاجتماع والمكاشفة، أوقع الله سبحانه وتعالى في نفس عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبض، فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي صلى الله عليه وسلم، ففت ذلك في أعضاد المنافقين وتفرقت كلمتهم، ثم جاء أبو بكر بعد أن نظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع كلام عمر فقال له: «اسكت» ، فاستمر عمر في كلامه، فتشهد أبو بكر فأصغى الناس إليه، فقال: «أما بعد فإنه من كان يعبد الله تعالى فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} » ، وتلا الآية كلها.
فبكى الناس ولم يبق أحد إلا قرأ الآية، كأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم، قالت عائشة رضي الله عنها: «فنفع الله بخطبة عمر، ثم بخطبة أبي بكر» ، فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر وشكر الناس بسببه 105.
وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله سبحانه وتعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه فَقْدُ رئيسٍ ولو عَظُم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم.
وفي هذه الآية أيضًا أعظم دليل على فضيلة الصديق الأكبر أبي بكر، وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم هم سادات الشاكرين 106.
ووعد سبحانه وتعالى من طلب بعمله الجزاء منه في الآخرة أن يمنحه ما طلبه، ويؤتيه جزاءه وافرًا مع ما له في الدنيا من رزق مقسوم؛ لأنه شكر الله بطاعته وجهاده.
قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 145] .
أي: من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال سبحانه وتعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20] .
وقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19] .
وقوله: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} ، أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم 107.
وليس المراد أن من أراد ثواب الدنيا وحظوظها يحرم من ثواب الآخرة وحظوظها؛ فإن الأدلة الشرعية دلت على أن إرادة خير الدنيا مقصد شرعي حسن، وهل جاءت الشريعة إلا لإصلاح الدنيا، والإعداد لحياة الآخرة الأبدية الكاملة.
قال الله سبحانه وتعالى: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} [آل عمران: 148] .
وقال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] .
أي: الغنيمة أو الشهادة، وجملة: {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} ، تذييل يعم الشاكرين ممن يريد ثواب الدنيا، ومن يريد ثواب الآخرة، ويعم الجزاء كل بحسبه 108.
قال ابن فورك: وفيه إشارة إلى أنهم ينعمهم الله بنعيم الدنيا، ولا يقصرهم على نعيم الآخرة 109.
أولًا: الثمرات الدنيوية:
1.الهداية إلى الحق.
قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] .
أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض، ليقولوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس، من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟! أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير، لو كان ما صاروا إليه خيرًا لم يدعنا.
وقال في جوابهم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} ، أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له، بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
وكذلك ابتلى الله سبحانه وتعالى بعض عباده ببعض بتباين حظوظهم من الأرزاق والأخلاق، فجعل بعضهم غنيًا وبعضهم فقيرًا، وبعضهم قويًا وبعضهم ضعيفًا، فأحوج بعضهم إلى بعض اختبارًا منه لهم بذلك؛ ليقول الكافرون الأغنياء: أهؤلاء الضعفاء من الله عليهم بالهداية إلى الإسلام من بيننا؟! أليس الله سبحانه وتعالى بأعلم بمن يشكرون نعمته، فيوفقهم إلى الهداية لدينه؟ 110.
في الآية دلالة على أن الله تعالى بحكمته يقيم العبد في مقامه الذي يليق به.
2.حفظ النعم من الزوال.