يقول المحقق الألوسي: «فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، هذا محمول على التوبيخ والتنديم، وهو يفيد الترك وعدم الوقوع؛ ولذا ظهر الاستدراك والعطف في قوله سبحانه وتعالى: (وَلَ?كِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) .
والتضرع: التذلل بالتوبة من الكفر، وهو منفي هنا؛ لأن التضرع ناشئ من القلب، فنفيه نفيه.
فكأنه قيل: فما لانت قلوبهم ولكن قست 65.
وهذا ليس بغريب على الكفار ولا على بني إسرائيل من لدن موسى عليه السلام وحتى عصرنا الحاضر، فلا عهد لهم ولا ميثاق ولا ذمة، الخيانة طبعهم، والنفاق صنيعهم، والغدر ديدنهم، والكفر أسهم وأصلهم.
مسألة: ذكر الله سبحانه وتعالى أن اطمئنان القلب لصيق الذكر ورفيقه، فكيف ينتج ذكر الله عز وجل قسوة، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر:22] .
يجيب العلامة الفخر فيقول: «إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات، شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورةً.
وتقرير هذا الكلام بالأمثلة: فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل، كنور الشمس يسود وجه القصار، ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح، وقد نرى إنسانًا يذكر كلامًا واحدًا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره، وما ذلك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ) [المؤمنون:12] وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإنسان آخر، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ?) قال كل واحد منهما: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتب فهكذا نزلت) فازداد عمر إيمانًا على إيمان، وازداد ذلك الإنسان كفرًا على كفره.
إذا عرفت هذا لم يبعد أيضًا أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله سبحانه وتعالى، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله سببًا لازدياد مرضها فكان مرض تلك النفوس مرضًا لا يرجى زواله، ولا يتوقع علاجه، وكانت في نهاية الشر والرداءة؛ فلهذا المعنى قال سبحانه وتعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ? أُولَ?ئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الزمر:22] 66.
ولا غرابة أليس قد قال الله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ? وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الزمر:45] .
وقال أيضًا: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ? وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ?) [فصلت:44] .
الريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس واضطرابها، والريبة وإن اشتهرت في معنى الشك إلا أن معناها الأصلي قلق النفس واضطرابها إلا أنه عدل عن معناه المصدري واستعمل في معنى الشك في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا) [البقرة:23] .
وفي نظائره لكونه سببا لقلق النفس واضطرابها على طريق إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب، والشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا ترجح أحدهما على الآخر فتقع في الاضطراب والحيرة، ومن هنا فإنه لا ريب في القرآن صادر ممن آمن به؛ ولذلك نفى الله عز وجل عن المؤمنين الارتياب، فقال سبحانه وتعالى: (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ?) [المدثر: 31] .
وقال سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات:15] 67.
وقد جاء الريب مقترنا بالقلوب في مواضع كلها تخص المنافقين:
الموضع الأول: قوله تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45) [التوبة:45] .
هذه الآية الكريمة تتحدث عن المنافقين إذ هم الذين كانوا يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد معه، من غير عذر بينٍ، وهم الذين شكت قلوبهم في حقيقة وحدانية الله، وفي ثوابه أهل طاعته، وعقابه أهل معاصيه فهم في شكهم متحيرون، وفي ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقًا من باطل، فيعملوا على بصيرة.
الثاني: قوله تعالى: (ں ں وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ?48?وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ?49?أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ? بَلْ أُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?50?) [النور:48 - 50] .
في شأن المنافقين بين سبحانه أن من خصالهم الذميمة أنهم إذا دعوا في خصوماتهم إلى ما في كتاب الله وإلى رسوله؛ ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرض لا يقبل حكم الله وحكم رسوله، مع أنه الحق الذي لا شك فيه. ثم يستفهم القرآن استفهاما إنكاريا قائلا: أسبب الإعراض ما في قلوبهم من مرض النفاق، أم شكوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟!
الثالث: قوله سبحانه وتعالى في سورة التوبة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ? وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى? ? وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ? لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110 ) ) [التوبة:107 - 110] .
ولنا وقفة مع هذه الآية الكريمة التي بينت حال المنافقين وأظهرت دينهم وديدنهم ــ وهم أهل الريب وأس التشكيك والشك ـ من خلال هذه الفعلة الآثمة التي فعلوها مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وسجلها الله عز وجل في قرآنه لنحذرهم، ونعد العدة لفضح مؤامراتهم وعدم تصديقهم أو السير في ركابهم، هذه الفعلة التي فعلوها ببنائهم مسجد الضرار، فقد بناه المنافقون بهدف مضارة المؤمنين وكيدهم ونصرة الكفرة والكافرين.
وهذا الهدف لم يظهروه فلا ننس أنهم منافقون، وليقسمن ما أردنا ببنائه إلا الخير، والله يعلم كذبهم في ذلك، ثم يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) لأن هذا المكان لم يبن إلا ليكون معقلًا للنفاق وأهله، ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى ما يتعلق بمسجد قباء، وما على شاكلته من بيوت الله الخالصة له وحده، فيقول: لمسجد أسس على التقوى من بداية أمره أحق أن تقوم فيه؛ لأن فيه رجالًا مؤمنين أطهارًا، والله يحب من كان كذلك، والله يحب المطهرين.
ثم يعقب ذلك باستفهام إنكاري: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، كمن أسس بنيانه على طرف واد متصدع مشرف على السقوط فسقط به في نار جهنم؟! والله لا يوفق الظالمين إلى الرشاد، لا يزال بنيانهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم.
يقول الفخر: المعنى: إن بناء ذلك البنيان صار سببًا لحصول الريبة في قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سببًا للريبة؛ ولكونه سببًا للريبة وجوه:
منها: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له، وازداد ارتيابهم في نبوته 68.
وحاصل المعنى: لا يزال هدم بنيانهم الذي بنو سببًا للقلق والاضطراب والوجل في القلوب 69.
هذه الريبة تمكنت من قلوبهم، ولن تخرج إلا بعد مفارقة الروح للجسد، قال سبحانه وتعالى: (لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ أي: تتصدع قلوبهم فيموتوا.
وذلك كقوله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [الحاقة:46] .
لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين 70.
فالاستثناء في (إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ?) من أعم الأوقات أو من أعم الأحوال، وما بعد (ھإِلَّا) في محل النصب على الظرفية، أي: لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطع قلوبهم.
أو في كل حال إلا حال تقطعها، أي: تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء إلا إذا انقطعت وفرقت، وحينئذ تخرج منها الريبة وتزول، وهو خارج مخرج التصوير والفرض.
وقيل: المراد بالتقطيع ما هو كائن بالموت من تفرق أجزاء البدن حقيقة، وروي ذلك عن بعض السلف.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن أيوب، قال: كان عكرمة يقرأ: (إلا أن تقطع قلوبهم في القبور) 71.
وقيل: إلا بمعنى إلى، بدليل أنه قرئ بها شاذًا 72.
وهذه الآية تؤكد ثوابت هذا البحث من أن القلب هو محل أمور الإنسان، يقول الفخر: «وارتابت قلوبهم: يدل على أن محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان محل الريب هو القلب كان محل المعرفة والإيمان ـ أيضًا ـ هو القلب؛ لأن محل أحد الضدين يجب أن يكون محلًا للضد الآخر؛ ولهذا السبب قال تعالى: أُولَ?ئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) [المجادلة: 22] وإذا كان محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب والمعاقب في الحقيقة هو القلب، والبواقي تكون تبعًا له 73.
من الصفات المذمومة التي تمرض القلب وتجعله ذا علة «الغل» .
الغل بالكسر مصدر غل يغل بمعنى غش وحقد، والغين واللام أصلٌ صحيحٌ يدل على تخلل شيءٍ، وثبات شيء، كالشيء يغرز. من ذلك قول العرب، غللت الشيء في الشيء إذا أثبته فيه، كأنك غرزته، ومن الباب الغل، وهو الضغن ينغل في الصدر 74.
وقيد القرطبي الغل بالكمون في الصدر حيث قال: «الغل: الحقد الكامن في الصدر» 75.
وهو العداوة، وغل يغل: إذا خان، وأغل: أي: صار ذا أغلال، أي: خيانة 76.
وفي استعمال القرآن الكريم جاء الغل مرتبطا بالقلب صراحة في موضع واحد هو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?9?وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ?10?) [الحشر:9 - 10] .
وقد بين المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية بعضًا من سجايا الأنصار وأخلاقهم، فيقول عز وجل: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ) أي: اتخذوا المدينة منزلًا وسكنًا، واعتقدوا الإيمان وأخلصوه من قبل كثير من المهاجرين يحبون من هاجر إليهم فيمدونهم بالأموال وينزلونهم منازلهم ويحتفون بهم أيما احتفاء، وفوق هذا كله لا يجدون حزازة و لا غيظًا مما أعطى المهاجرون من الغنيمة دونهم، ويفضلون غيرهم بالمال وغيره، ولو كانوا في غاية الاحتياج إليه، ومن حماه الله من البخل والجشع والطمع فأولئك هم الموفقون في الدنيا، المفلحون في الآخرة، والذين جاؤوا من بعدهم وهم التابعون لهم بإحسان في كل زمان ومكان يدعون ربهم قائلين: يا ربنا اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين الذين سبقونا بالإيمان بك، ولا تجعل في قلوبنا بغضًا ولا حسدًا لأحد من المؤمنين الموحدين، ربنا إنك رؤوف رحيم فاستجب وتقبل منا يا ربنا.
وهاتان الآيتان بفضل الله تعالى استوعبتا جميع شرائح المؤمنين في الدنيا.
يقول الفخر الرازي رحمه الله تعالى: «اعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار أو الذين جاؤوا من بعدهم، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين -وهم المهاجرون والأنصار- بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن كذلك، بل ذكرهم بسوء كان خارجًا من جملة أقسام المؤمنين حسب نص الآية» 77.
وفي الآية ذم للغل إذا كان على أحد من المؤمنين، وحث على الدعاء للصحابة، وتصفية القلوب من بغض أحد منهم.
سمع رجل وهو يتناول بعض المهاجرين، فدعي فقرأ عليه قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) [الحشر:8] الآية.
ثم قيل له: هؤلاء المهاجرون أفمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ) الآية. ثم قال أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو. فرد عليه: لا والله ليس من هؤلاء من سب هؤلاء، فكان أعظم ما تميز به الصحابة رضوان الله عليهم خلو قلوبهم من الغل.
وخلو القلب من الغل كان سببًا في أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حاروا في رجل وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، وما كانت فيه ميزة أعظم من أنه يبيت وليس في قلبه غل ولا حقد ولا حسد لأحد من المسلمين.
(فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ـ في أيام ثلاثة ـ(يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلع فيها رجل من الأنصار، فبات معه عبد الله بن عمرو بن العاص ثلاث ليال مستكشفًا حاله، فلم ير له كثير عمل، فأخبره الخبر، فقال له: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي غلًا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خير أعطاه الله تعالى إياه.
فقال له عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.
وفي رواية أنه قال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها لم أفرح بها، وأبيت وليس في قلبي غل على أحد.
فقال عبد الله: لكني أقوم الليل وأصوم النهار، ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك الله تعالى علينا فضلًا بينًا) 78.
وبعد:
فالغل من الأمراض الفتاكة بالقلوب، وعلاجه القناعة بقسم الله للعبد، وعدم التطلع إلى الغير؛ لأن ذلك يورث القلب همًا، والهم ينتج حقدًا وحسدًا، ولا يجوز لمسلم أن يحمل في صدره هذا الداء إلا في حالة واحدة، ويكون عين الداء أصل الدواء، هذه الحالة تكون عندما يوجه الحقد والغيظ والغل لأعداء الإسلام والمسلمين، لا من المسلم ضد أخيه المسلم.
من صفات القلوب المريضة: الغلظة.
الغلظة ضد الرقة، يقال: غِلْظَةٌ وغُلْظَةٌ، وأصله يستعمل في الأجسام، لكن قد يستعار للمعاني، قال سبحانه وتعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: 123] أي: خشونة أو قسوة 79.
وأحسن ما قيل في الغلظة ما قاله القرطبي: «وغلظ القلب: عبارة عن تجهم الوجه، وقلة الانفعال في الرغائب، وقلة الإشفاق والرحمة.
وقد وردت هذه المادة في آي القرآن الكريم، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ? وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ?159?) [آل عمران: 159] .
هذه الآية الكريمة وردت في معرض الحديث عن غزوة أحد، وذلك في سورة آل عمران، هذه الغزوة التي أصيب فيها المسلمون بمصيبة عدم النصر؛ وذلك لأمور متعددة يعلمها الله عز وجل منها عدم تطبيق الصحابة رضوان الله عليهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان حاله صلى الله عليه وسلم بين العقاب والعتاب للمخالفين، فأنزل الله سبحانه وتعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: فبسبب رحمة من الله أودعها قلبك يا محمد صلى الله عليه وسلم فألنت جانبك لأصحابك مع مخالفتهم، ولو كنت جافي الطبع، قاسي القلب لتفرقوا عنك، ونفروا منك، فاعف عنهم، واصفح واطلب المغفرة لهم، وأعد إليهم ثقتهم بالله، ثم بأنفسهم وذلك بمشورتك إياهم في الأمر، فإذا عزمت وصممت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين عليه، والآية يحمل مضمونها نفيًا صريحًا لكل معايب الأخلاق عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها الفظاظة والغلظة كما بين عبد الله ابن عمرو في حديث البخاري في وصف النبي صلى الله عليه وسلم من أنه (ليس بفظٍ ولا غليظٍ ولا سخابٍ في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر) 80.
الفظاظة: الجفوة في المعاشرة قولًا وفعلًا.
والله سبحانه وتعالى منع نبيه صلى الله عليه وسلم من الغلظة، وأمره بالغلظة في قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ? وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?9?) [التحريم:9] .
فهاهنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله سبحانه وتعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة:54] .
وقوله سبحانه وتعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا) [الفتح:29] .
وتحقيق القول فيه: أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة وسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة وأخرى بالنهي عنه إنما كان لأجل أن نتباعد عن الإفراط والتفريط فيبقى الأمر وسطا وكذلك جعلناكم أمة وسطًا 81.
والمراد بالوسطية العدل باستعمال الرأفة والرحمة من المؤمنين، والغلظة والشدة مع الكافرين لا سيما في الجهاد. إذن فالغلظة من أمراض القلوب التي يجب على المؤمن أن يتنزه عنها.
من الصفات الممرضة للقلب: اللهو.
واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. يقال: لهوت بكذا، ولهيت عن كذا: اشتغلت عنه بلهو قال تعالى: إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ?) [محمد:36] .
(وَمَا هَ?ذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ?) [العنكبوت:64] .
ويعبر عن كل ما به استمتاع باللهو. قال تعالى: (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا) [الأنبياء:17] .
وهو مأخوذ من قول العرب، لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه، ألهى لهيًا ولهيانًا 82.
فاللهو: سهو وإعراض وتشاغل وذهول وغفلة عن الحق، وقد جاء اللهو مقترنا بالقلب في الاستعمال القرآني في قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ?1?مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ?2?لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ? وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ? أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ?3? [الأنبياء:1 - 3] .
مطلع سورة الأنبياء يحمل تخويفًا وترهيبًا وإنذارًا، تحسبًا لقرب وقت حساب الناس على أعمالهم، وهم مستغرقون في شهواتهم غافلون عن اليوم الذي تشيب له النواصي.
وغفلتهم وإعراضهم لكونهم لا يعبؤون بالقرآن، فما يأتيهم من شيء من القرآن متجدد النزول فيه عظة لهم وتذكير إلا استمعوه وهم يلعبون استهزاءًا (لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) والمعنى: أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلًا، وثبتوا على رأس غفلتهم وسهوهم وذهولهم عن التأمل والتبصر بقلوبهم 83.
فاللهو والتشاغل عن ذكر الله من صفات القلوب المريضة التي تحول بين القلب والجد، وإن كنا نرى اللهو في الجوارح، إلا أنه في الحقيقة لو لم يله القلب لما لهى عضو من أعضاء الجسد، أليس القلب رئيسه وسيده المطاع.
ورد الزيغ في القرآن العظيم في آيات متعددة بلغت ثمانيا منها أربعة متصلة بالقلب، ثنتان منها في سورة آل عمران هما قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ? فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ? وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ? وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ? وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ?7?رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ? إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ?8?) [آل عمران:7 - 8] .
والثالثة في قوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ? إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:117] .
والرابعة في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ? فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ?5?) [الصف:5] .
ومعنى الزيغ: الميل عن الاستقامة، والتزايغ: التمايل، ورجل زائغ وقوم زاغة وزائغون 84.
وعلى ذلك فالزيغ إذا أضيف إلى القلوب كان معناه ابتعادها عن الاستقامة، وابتعادها عن الاستقامة يعني: جنوحها إلى الضلال، وقد ورد دعاء المؤمنين ألا يميل سبحانه قلوبهم إلى الباطل بعد أن هداهم للإيمان الحق في قوله سبحانه وتعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ? إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8] .
ومعني (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: امنحنا من فضلك وكرمك رحمة تثبتنا بها على دينك الحق، إنك أنت الوهاب المتفضل على عبادك بالعطايا والمنح.
وهذا الدعاء 85 يحتمل أن يكون من تمام مقالة الراسخين، ويحتمل أن يكون على معنى التعليم، أي: قولوا: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه بعد إذ هديتنا إلى معالم الحق من التفويض في المتشابه أو الإيمان بالقسمين أو التأويل الصحيح.
يقول الألوسي: (لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا) أي: لا تضلنا بعد الهداية؛ لأن زيغ القلوب في مقابلة الهداية، ومقابل الهداية الإضلال، وصحة نسبة ذلك إلى الله تعالى مذهب أهل السنة في أفعال العباد الظاهرة.
ومذهب أهل السنة: أن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر فهي الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع والرين والقسوة والوقر والكنان، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن.
وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي التوفيق، والرشاد، والهداية، والتسديد، والتثبيت، والعصمة، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن الكريم.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء، قال: كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني قال: اجلس بنا نؤمن ساعة. فيجلس نتذكر الله تعالى على ما يشاء، ثم قال: يا عويمر هذه مجالس الإيمان، إن مثل الإيمان ومثلك كمثل قميصك، بينا أنت قد نزعته إذ لبسته، وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته، يا عويمر للقلب أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانًا 86.
والإزاغة عقوبة ربانية لكل من اجترأ على الله عز وجل. يقول القرطبي: «هذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران» 87.
ومن عدله سبحانه وإحسانه أن رتب عقابه بالإزاغة على إجرام العبد في حق نفسه بالزيغ ابتداءً. قال الله تعالى: (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ لْفَاسِقِينَ) [الصف:5] .
أي: فلما أصروا على الزيغ والانحراف عن الحق الذي جاء به عليه الصلاة والسلام واستمروا عليه (أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أي: صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب لصرف اختيارهم نحو العمى والضلال 88.
فهم أولًا مالوا عن الحق فكان المترتب عليه إمالة الله لقلوبهم عن الهدى.
وقيل: فلما تركوا ما أمروا به من احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة الرب خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم على فعلهم 89.