أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (غلو) تدل على ارتفاعٍ ومجاوزة قدرٍ. يقال: غلا السعر يغلو غلاءً، وذلك ارتفاعه. وغلا الرجل في الأمر غلوًا، إذا جاوز حده 1.
ويقال: «غلا في الأمر والقول والدين غلوًا: جاوز القدر» 2.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو في الدين) 3، أي: التشدد فيه ومجاوزة الحد، والحديث الآخر: (إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق) 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه بعض العلماء بأنه: «مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء، في حمده أو ذمه على ما يستحق» 5.
وعرفه الحافظ ابن حجر بأنه: «المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد» 6.
وردت مادة (غلو) في القرآن الكريم مرتين فقط 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 2 ... {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء:171]
وجاء الغلو في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو الإفراط ومجاوزة الحد 8.
ومنه قوله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة:77] أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق 9.
الطغيان:
الطغيان لغة:
كل شيء يجاوز القدر فقد طغى، مثل ما طغى الماء على قوم نوحٍ، وكما طغت الصيحة على ثمود. والطاغية: الجبار العنيد 10.
الطغيان اصطلاحًا:
تجاوز الحد في العصيان 11.
الصلة بين الطغيان والغلو:
ومن خلال النصوص السابقة نتبين أن الطغيان هو مجاوزة القدر والحد الواجب؛ وهو بهذا لا يكاد يفترق عن الغلو إلا بما يصاحبه - غالبًا - من الاستعلاء والتكبر والتجبر كتكبر وطغيان فرعون. أما الغلو فلا يلزم معه تكبر أو استعلاء، فكثيرًا ما يغالي في دين الله تعالى قوم ضعاف من الفقراء أو العامة ونحوهم.
البغي:
البغي لغة:
هو الظلم وقصد الفساد، ومنه قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} [البقرة:173] .
«أي غير باغ على المسلمين، مفارق لجماعتهم، ولا عاد عليهم بسيفه. ويقال: غير عاد في الأكل حتى يشبع ويتزود» 12.
البغي اصطلاحًا:
البغي: طلب الاستعلاء بغير حق 13.
الصلة بين البغي والغلو:
البغي هو قصد الفساد بإجماع أهل اللغة كما ذكر الزجاج، وكأن الذي يفرقه عن الاعتداء أن الاعتداء فيه قصد المجاوزة وإن لم يبغ فسادا، أما البغي فهو قصد الفساد ابتداء.
الوسطية:
الوسطية لغة:
ما بين طرفي الشيء أو هو النصف، يقال: جلس فلان وسط القوم، أي صار في وسطهم. وشيء بين الجيد والرديء، والشجاعة وسط بين التهور والجبن، والاعتدال في النفقة: وسط بين الإسراف والتقتير أو البخل، والتوسط بين الناس: الوساطة 14.
الوسطية اصطلاحا:
الوسطية تعني الاعتدال والتوازن، ويعنى بها التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين بدون إفراط أو تفريط بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه، وهذه الوسطية هي العدل والطريق الأوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة 15.
الصلة بين الوسطية والغلو:
الوسطية تعني الاعتدال بين الغلو والتساهل، والغلو تمسك بالطرف المتشدد.
للغلو في الدين أضرار كثيرة بينها القرآن الكريم وهذه الأضرار يعود أثرها على الخلق، كما تعود على الدين نفسه بالتشويه والنقص، وهي على نوعين:
أولًا: أضرار دينية:
الغلو ضلال عن الحق، وقول على الله بغير علم، وابتداع في الدين، وتشويه لصورته، وتنفير للناس منه.
قال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء:171] .
وقال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } [المائدة:77] .
فبين سبحانه في هذه الآية أن هذا الغلو من أهل الكتاب إنما هو ضلال وقول بغير الحق وابتداع لا ينطلق من شرع الله؛ وإنما ينطلق من اتباع الهوى والتقليد بغير بينة، وتكرار مادة الضلال فيه ثلاث مرات يؤكد أن الغلو إمعان في الضلال.
قال الطبري: « {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ، يقول: لا تفرطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح، فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل» 16.
فتبين بذلك أن الغلو تجاوز الحق إلى الباطل، وصدق الله تعالى حيث قال: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [يونس:32] .
فالمغالي متزيد على الله تعالى، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه يستحسن شرعا لم يأت به الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فكأنه يعتقد نقصان الشرع فراح يستدرك عليه، أو يعتقد تمامه وكماله فيلزمه اعتقاد تقصير محمد صلى الله عليه وسلم في التبليغ أو كتمانه ما أمر بتبليغه؛ ومن ثم «قال ابن الماجشون سمعت مالكًا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة، لأن الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] .
فما لم يكن يومئذٍ دينا لا يكون اليوم دينا. وقال الشافعي رحمه الله: من استحسن -يعني: بدعة- فقد شرع. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة» 17.
«وتدلنا هذه الآية أيضًا أن ضلالهم هذا كان آتيًا من غلوهم في الدين. وها نحن نرى بعد ذلك كيف يفصل القرآن هذا الإجمال:
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30] .
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة:72] .
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ} {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة:73 - 116] .
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) } [آل عمران:79 - 80] » 18.
ثانيًا: أضرار على الخلق:
للغلو أضرار كثيرة على العباد؛ وهو من ضروب الفساد التي نهى الله تعالى عنها في كتابه الكريم.
قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205] .
وقال سبحانه: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77] .
وهذه الأضرار؛ منها أضرار مجتمعية تعود على المجتمع بالخراب والدمار ويصطلي الناس بنارها، ومنها أضرار عالمية تعود على الناس كافة بصدهم عن سبيل الله تعالى، ومنعم من الدخول في رحمة الله وفضله بصدهم عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله تعالى رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } [الأنبياء:107] .
ومن ثم يمكننا أن نقسم هذه الأضرار التي تعود على البشر من جراء الغلو إلى:
فمن هذه الأضرار المجتمعية المحلية:
-تفريق الأمة، وإضعاف قوتها.
ذم القرآن التفرق ونهى عنه وبين سوء عاقبته؛ قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ? وَاصْبِرُوا ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال:46] .
ومما لا شك فيه أن اعتقاد طائفة من الناس أنهم قد اختصوا بفهم زائد في الدين فوق ما عليه السواد الأعظم من أهل العلم وأولي الأمر منهم ممن تجب طاعتهم على عامة الأمة فإن ذلك سيؤدي بلا شك إلى تفريق الأمة وتمزيقها بين من يتبع هؤلاء الخارجين على أهل العلم وأولي الأمر، وبين من يتمسك بما عليه سواد الأمة، وهذا التفرق والتشرذم مما يضعف قوة الأمة ويذهب قوتها؛ كما هو واضح من نص الآية السابقة.
فبين الله تعالى أن عاقبة التفرق والتنازع الفشل وذهاب الريح وضعف القوى؛ «فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم،، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك. فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم.
(وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي: قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال» 19.
-إيقاع الناس في الحرج.
يحدث هذا عندما يدعي طائفة من الناس - هم المغالون في الدين - أن ما هم عليه من الغلو هو الدين الحق، وهو - بلا شك - ليس في استطاعة كل واحد من الناس - هذا على فرض كونه في أصله من الحق - فما بالكم إذا كان ذلك فهما مغلوطا في أغلبه يلبس فيه الحق بالباطل لموافقة الأهواء المريضة؛ فحينئذ قد يشعر غير القادرين على متابعة هؤلاء الغلاة - وهم جمهور الأمة وسوادها الأعظم - بالحرج ظنا منهم أنهم واقعون في التقصير، والحق أن الغلاة هم الخارجون على الشرع، وهم أولى بالحرج وأحق به ولا حرج على من سلك سبيل القصد والتوسط والاعتدال.
وهؤلاء المغالون يزعمون أنهم على الحق ويدعون الناس لاتباع ما هم عليه من الغلو والابتداع، كما حكى الله تعالى عن اليهود والنصارى؛ حيث لم يكتفوا بتحريف ملة إبراهيم بل يزعمون أنهم هم وحدهم على الهدى ويدعون الناس للدخول في ملتهم حتى يحصلوا الهدى على زعمهم.
قال تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى? تَهْتَدُوا ? قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ? وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ? فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ ? وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ? وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى? ? قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ? وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة:135 - 140] .
استحلال الدماء والأموال، وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار:
يترتب على الغلو آثار عديدة منها استحلال دماء الناس وأموالهم بناء على اعتقاد كفرهم ممن يغالي بتكفير المسلمين بالمعاصي كما هي عقيدة فرق الخوارج والمكفرة قديمًا وحديثًا.
وإذا كان الخوارج المعاصرون يغالون فيعتقدون أنهم أفضل وأعلم وأفهم من أهل العلم في زمانهم - فيسارعون بتخطئتهم بل وتكفيرهم في إنكارهم عليهم اعتقادهم الباطل بتكفير عصاة المسلمين مما ينتج عنه استحلال دمائهم وأموالهم - فلقد سبق أسلافهم فخطئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهموه بالعصيان وأمروه بتقوى الله.
فعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه، قال: (بعث عليٌ رضي الله عنه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبةٍ فقسمها بين الأربعة الأقرع بن حابسٍ الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدرٍ الفزاري، وزيدٍ الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلابٍ، فغضبت قريشٌ، والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجدٍ ويدعنا، قال:(إنما أتألفهم) . فأقبل رجلٌ غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوقٌ، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: (من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني) فسأله رجلٌ قتله، - أحسبه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى قال: (إن من ضئضئ هذا، أو: في عقب هذا قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ) 20.
-عدم التوقير والطاعة لمن تلزم طاعتهم.
فأمثال هؤلاء الغلاة الذين لا يوقرون كبيرا، ولا يطيعون إماما هم الذين (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويشيعون الفوضى والفساد في الأرض، لا يرجعون إلى إمام عدل، ولا يوقرون عالمًا ولا أحدًا من أولي الأمر.
وماذا يرجا من انصياعهم لإمام أو توقير لعالم وقد انتقصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجابهوه بما يؤذيه وما لا يليق {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة:61] .
تتخطى أضرار الغلو وآفاته الصعيد المحلي إلى الصعيد العالمي؛ فصاحب الغلو لا يقتصر غلوه على بني وطنه؛ بل يتعداه بالفساد إلى الناس جميعا؛ لأجل ذلك تراه يعيث في الأرض فسادًا، {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) } [البقرة:205] .
حيث الكراهية الشديدة للآخر المخالف في العقيدة كراهية تخرج عن حد الكراهية لأجل الكفر؛ بل تتعدى ذلك إلى كراهية الخلق والرغبة في التعجيل بهم إلى النار عن طريق القتل وإزهاق الأرواح، دون تأن بهم لهدايتهم أو لإتاحة الفرصة لهم لرؤية سماحة الإسلام وصورته الغراء التي تغري باعتناقه والدخول فيه أو حسن الظن بأهله.
كل ذلك يشوه صورة الإسلام عند من لا يعرفه من الآخرين، ويصدهم عن الإيمان به، ويحرمهم من الدخول في رحمة الله: الرحمة المهداة للعالمين؛ وذلك بسبب ما يقوم به ذلك المغالي في بلاد غير المسلمين من تخريب أو تدمير بسبب كفرهم ظنا منه أن الحرب إنما شرعت لأجل قتل الناس لا لأجل دعوتهم وهدايتهم بصد صناديد الكفر الذين يصدون الناس عن دين الله تعالى، ويمنعون وصول الدعوة والهداية إليهم.
الغلو في الدين يأخذ أشكالا متعددة فهناك الغلو في الاعتقاد، والغلو في العبادة، والغلو في السلوك، والاعتقادي منه الكلي والجزئي.
أولًا: الغلو الاعتقادي:
فالمراد بالغلو الاعتقادي الكلي ما يتعلق بكليات الشريعة وأصولها كالغلو في الأولياء الصالحين بما يصل إلى الكفر كاعتقاد معرفتهم الغيب، أو قدرتهم على ما لا يقدر عليه غير الله كإغاثة المضطر وقضاء الحوائج، ونحو ذلك مما يعتقده الجهلة والمبتدعة، والغلو في عقيدة الولاء والبراء بالبراءة من العاصين، والغلو بتكفير العصاة، و وهذا النوع هو أشد أنواع الغلو.
وقد ذكر الله ما كان من المشركين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من غلو في الأولياء والأنبياء والصالحين - شابههم فيه بعض أهل الغلو في زماننا؛ فقال سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) } [يونس:18] .
فقول هؤلاء المشركين كقول غيرهم من غلاة أهل زماننا «فيمن يتخذونهم وسطاء بينهم وبين الخالق: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} » 21.
أما الاعتقادي فهو ما يخشى فيه من فساد الاعتقاد كالغلو في الأولياء الصالحين بما لا يصل إلى الكفر كاعتقاد وجوب شد الرحال لزيارتهم مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم 22، ونحو ذلك.
ومن الغلو العقدي: ما حكاه القرآن الكريم من غلو اليهود والنصارى، وسبقت الإشارة إليه في شواهد الغلو في مواضع عديدة.
ثانيًا: الغلو التعبدي:
وهو الغلو بأحكام الشريعة العملية مثل العبادات بمختلف أشكالها القولية والفعلية، ولا شك أن هذا النوع أقل خطرًا، لكنه مدخلٌ بعد ذلك للنوع الأول «ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثيرٍ من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضةً أيضًا» 23.
فمن ذلك ما كان يفعله أهل الجاهلية من طوافهم بالبيت عراة، وإدخال الصفير والتصفيق في طوافهم بالبيت، ونحو ذلك.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف:33] .
وفي تفسيرها يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: قل، يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من ثيابهم للطواف بالبيت، ويحرمون أكل طيبات ما أحل الله لهم من رزقه: أيها القوم، إن الله لم يحرم ما تحرمونه، بل أحل ذلك لعباده المؤمنين وطيبه لهم، وإنما حرم ربي القبائح من الأشياء وهي {الْفَوَاحِشَ} {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، فكان علانية {وَمَا بَطَنَ} ، منها فكان سرًا في خفاء» 24.
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال:35] .
قال ابن عباسٍ والحسن: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. قال ابن عباسٍ: كانت قريشٌ تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون» 25.
ثالثًا: الغلو السلوكي:
فمن ذلك الغلو بالتشدد في معاملة الناس؛ بحيث لا يصبر على أخطائهم وزلاتهم، ولا يقبل أعذارهم، ولا يقيل عثراتهم، ولا يرضى منهم إلا بمثالية واستقامة تامة لا تكون إلا في النبيين والصديقين.
والناظر في كتاب الله تعالى يجد أن الله تعالى قد أمر بالتوسط والاعتدال في كل شيء؛ وهذا هو المفهوم من إطلاق الوصف بالوسطية في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143] .
وأمر تعالى بالاعتدال في معاملة الناس فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف:199] .
«قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معناه: خذ العفو من أخلاق الناس، واترك الغلظة عليهم، وقال: أمر بذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم في المشركين» 26.
وأمر بالاعتدال في الإنفاق فقال: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) } [الإسراء:29 - 30] .
وقال في صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [الفرقان:67] .
فالاعتدال والتوسط والقيام بالحق والقسط - إن لم يكن العفو والصفح والإحسان - مطلوب في كل شيء لا سيما في معاملة المرء لإخوانه.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) } [النساء:135] .
وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) } [البقرة:109] .
وادعاء النسخ في مثل هذه الآيات لا ينافي العمل بها في سياقات مشابهة لما نزلت فيه من حيث حال الداعين والمدعوين والظروف المحيطة بالدعوة.