فالآية الأولى لم ترغب في العدل والإقساط فحسب إلى غير المسلمين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين، ولم يخرجوهم من ديارهم -أي: أولئك الذين لا حرب ولا عداوة بينهم وبين المسلمين- بل رغبت الآية في برهم والإحسان إليهم، والبر كلمة جامعة لمعاني الخير والتوسع فيه، فهو أمر فوق العدل، وهي الكلمة التي يعبر بها المسلمون عن أوجب الحقوق البشرية عليهم، وذلك هو «بر الوالدين» .
والآية تنفي ما كان عالقًا بالأذهان -وما يزال- أن المخالف في الدين لا يستحق برًّا ولا قسطًا، ولا مودة ولا حسن عشرة. فبين الله تعالى أنه لا ينهى المؤمنين عن ذلك مع كل المخالفين لهم، بل مع المحاربين لهم، العادين عليهم.
وينقسم غير المسلمين الذين يعيشون في بلاد المسلمين إلى أهل ذمة ومستأمنين:
تعريف عقد الذمة: الذمة في اللغة العهد، وهو الأمان والضمان والكفالة.
وعند الفقهاء: هو التزام تقرير الكفار في ديارنا وحمايتهم والدفاع عنهم ببذل الجزية والاستسلام من جهتهم، ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه؛ لأنها من المصالح العظمى التي تحتاج إلى نظر واجتهاد، وهذا لا يتأتى لغير الإمام أو نائبه 53.
وهؤلاء بالتعبير الحديث «مواطنون» في الدولة الإسلامية، أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلى اليوم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، إلا ما هو من شؤون الدين والعقيدة، فإن الإسلام يتركهم وما يدينون.
والمستأمن: هو الحربي الذي دخل دار الإسلام بأمان دون نية الاستيطان بها والإقامة فيها بصفة مستمرة، بل يكون قصده إقامة مدة معلومة، لا تزيد على سنة، فإن تجاوزها، وقصد الإقامة بصفة دائمة، فإنه يتحول إلى ذمي 54.
وإذا كان الإسلام لا ينهى عن البر والإقساط إلى مخالفيه من أي دين، ولو كانوا وثنين مشركين -كمشركي العرب الذين نزلت في شأنهم الآيتان السالفتان- فإن الإسلام ينظر نظرة خاصة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، سواء أكانوا في دار الإسلام أم خارجها.
فالقرآن لا يناديهم إلا بـ «يا أهل الكتاب» و «يا أيها الذين أوتوا الكتاب» يشير بهذا إلى أنهم في الأصل أهل دين سماوي، فبينهم وبين المسلمين رحم وقربى، تتمثل في أصول الدين الواحد الذي بعث الله به أنبياءه جميعا: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] .
وإذا جادل المسلمون أهل الكتاب فليتجنبوا المراء الذي يوغر الصدور، ويثير العداوات، قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) } [العنكبوت: 46] .
إن إقامة حكم الله في الأرض مطالب به كل المسلمين، وهذا يتطلب أن تقوم الخلافة لله عز وجل في الأرض، وأن يكون هناك من يرعى هذا الأمر من أمور المسلمين، وهذا الحاكم الذي يقوم بهذا الأمر له حق وعليه حق، أما الحق الذي عليه فهو أن يحكم هؤلاء الناس بحكم الله عز وجل، بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلمين أمر يقابل هذا الأمر، فعليهم الطاعة لهذا الحاكم في حدود طاعة الله تعالى، فإذا لم تكن هناك طاعة لله في طاعته، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء: 58 - 59] .
فالآية في كل أمانة فعلى كل مؤتمن على شيء أن يحفظه ويرعاه حتى يؤديه إلى صاحبه، والآية تتناول حكام المسلمين أولًا فعليهم أن يحكموا بالقسط، وهو ضد الجور ومعناه: إيصال الحقوق إلى مستحقيها من أفراد الرعايا، والله يريد من أمة الإسلام -حكامًا ومحكومين- بأداء الأمانات والحكم بالعدل وأنه شيء حسن، وهو كذلك إذ قوام الحياة الكريمة هو النهوض بأداء الأمانات والحكم بالعدل.
ثم أمر الله تعالى المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله أولًا، ثم بطاعة ولاة الأمور ثانيًا، والطاعة لأولي الأمر مقيدة بما كان معروفًا للشرع، أما في غير المعروف فلا طاعة في الاختيار لحديث: (لا طاعة في معصيةٍ، إنما الطاعة في المعروف) 55.
ثم جاء الخطاب العام للولاة والرعية، عند حصول الخلاف في أمر من أمور الدين والدنيا وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكما فيه وجب قبوله، حلوًا كان أو مرًّا، وأن الإيمان يستلزم الإذعان لقضاء الله ورسوله، وهو يفيد أن رد الأمور المتنازع فيها إلى غير الشرع قادح في إيمان المؤمن، وأن ذلك الرد والرجوع بالمسائل والقضايا المختلف فيها إلى الكتاب والسنة هو خير حالًا ومآلًا، لما فيه من قطع النزاع والسير بالأمة متحدة متحابة متعاونة 56.
ويجب العدل في الأحكام حتى ولو كان المحكوم عليهم من أقرب الناس للحاكم، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) } [النساء: 135] .
أي: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم أيها المؤمنون القيام بالعدل حين شهادتكم، ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غني، فتجوروا.
فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم -أيها الناس- من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل؛ لأنه أولى بهما وأحق منكم، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم له وعليه 57.
ولقد نفى المولى عز وجل صفة الإيمان عن الذين يرفضون حكم الله فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } [النساء: 65] .
إن الناس لا يؤمنون -ابتداء- إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ممثلًا في أحكام الرسول، وباقيًا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة، ولا يكفي أن يتحاكموا إليه -ليحسبوا مؤمنين- بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين، فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام 58.
ومن أجمل مظاهر الحكم في الإسلام هو التزام مبدأ الشورى بين المسلمين حكامًا ومحكومين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) } [الشورى: 38] .
أي: يتشاورون فيما بينهم في الأمور الخاصة والعامة، ولا ينفردون برأي في كل أمر من القضايا العامة، كتولي الحكم وشؤون تدبير الدولة والتخطيط لمصالحها، وإعلان الحرب، وتولية الولاة والحكام والقضاة وغيرهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس مشاورة لأصحابه، وسلك الصحابة طريقه ومنهجه في عظائم الأمور كتولية الخلافة، وحروب الردة، واستنباط الأحكام الشرعية للقضايا والحوادث المستجدة، وشاور عمر رضي الله عنه الهرمزان حين وفد عليه مسلمًا، ولما طعن عمر جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فاتفقوا على تقديم عثمان رضي الله عنه للخلافة الثالثة 59.
بل جاء الأمر الإلهي لنبيه بالشورى في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
أي: أمر الله نبيه بأمر ثالث، وهو أن يشاورهم، وإن المشاورة من بعد ما كان منهم دليل على عفو النبي صلى الله عليه وسلم بعد عفو الله تعالى وغفرانه؛ لأن مما أخطؤوا فيه في الماضي أن النبي صلى الله عليه وسلم شاورهم في أمر الخروج إلى لقاء المشركين في أحد، وأنه كان يميل إلى البقاء حتى يدخلوا المدينة، وشبابهم كان يريد الخروج، فنزل عليه الصلاة والسلام عند رأيهم، ثم كان ما كان منهم من أن طائفتين همتا بأن تفشلا، ثم ما كان من خروج الرماة عن مواقفهم، ولو بقوا في المدينة ما وقع هذا، ولكن الله سبحانه مع ذلك أمره بمشاورتهم للإعلان عن سماحته المطلقة، ولأن المشاورة إن أخطأت فيها النتيجة مرة، فصوابها كثير.
والشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام، قد التزمها النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر كان يمس أمور المسلمين العامة فقد استشار في غزوة بدر قبل وقوعها، واستشار في أسرى بدر، واستشار في أحد، واستشار في غزوة الأحزاب، وكان من نتائج الشورى حفر الخندق والتحصن وراءه، واستشار في القتال يوم الحديبية، والتزم أبو بكر ومن بعده عمر الشورى، وما اضطرب حبل الأمور من بعد إلا عندما منعت أمر الشورى 60.
يقصد بالتكافل الاجتماعي أن يكون أفراد المجتمع مشاركين في المحافظة على المصالح العامة والخاصة، ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية، بحيث يشعر كل فرد فيه أنه إلى جانب الحقوق التي له، وأن عليه واجبات للآخرين، وخاصة الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة، وذلك بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم 61.
والتكافل الاجتماعي جزء من عقيدة المسلم والتزامه الديني، وهو نظام أخلاقي يقوم على الحب والإيثار ويقظة الضمير ومراقبة الله عز وجل، ولا يقتصر على حفظ حقوق الإنسان المادية، بل يشمل أيضًا المعنوية؛ وغايته التوفيق بين مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد.
وقد عني القرآن بالتكافل ليكون نظامًا لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الاجتماعي، وليكون نظامًا لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها، ونظامًا للعلاقات الاجتماعية، ومن هنا فإن مدلولات البر والإحسان والصدقة تتضاءل أمام هذا المدلول الشامل للتكافل.
إن المجتمع المسلم هو الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ونظامًا وخلقًا وسلوكًا، وفقا لما جاء به الكتاب والسنة، واقتداءً بالصورة التي طبق بها الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.
وعندما يلتزم المجتمع بهذه القاعدة يجد التكافل الاجتماعي مكانه بارزًا في المجتمع بحيث تتحقق فيه جميع مضامينه، ذلك أن الإسلام قد اهتم ببناء المجتمع المتكامل وحشد في سبيل ذلك جملة من النصوص والأحكام لإخراج الصورة التي وصف بها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك المجتمع، فعن النعمان بن بشيرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) 62.
قال سيد قطب: «جعل الإسلام التكافل في محيط الأسرة هو حجر الأساس في بناء التكافل الاجتماعي العام، وجعل الإرث مظهرًا من مظاهر ذلك التكافل في محيط الأسرة، فوق ما له من وظائف أخرى في النظام الاقتصادي والاجتماعي العام، فإذا عجزت هذه الخطوة أو قصرت عن استيعاب جميع الحالات المحتاجة إلى التكافل جاءت الخطوة التالية في محيط الجماعة المحلية المتعارفة لتكملها وتقويها. فإذا عجزت هذه جاء دور الدولة المسلمة لتتولى كل من قصرت في إعالتهم وكفالتهم الكاملة، جهود الأسرة، وجهود الجماعة المحلية المحدودة، وبذلك لا يلقى العبء كله على عاتق الجهاز العام للدولة» 63.
ومن صور التكافل الاجتماعي التي تعرض لها القرآن الكريم:
أولًا: الزكاة والصدقات:
وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات، فإنها مأخوذة من الزكاة، وهو النماء والطهارة والبركة.
قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) } [التوبة: 103] 64.
والزكاة فريضة إلزامية فرضها الله على المسلم دينًا، وجعل للدولة الحق في أخذها منه قهرًا إذا هو امتنع عن أدائها.
وتظهر الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام وفريضته الاجتماعية أول صور التكافل الاجتماعي في الإسلام، وهي فريضة على كل مسلم، وهي حق مقدر بتقدير الشارع الحكيم في المال بشروط معينة، وهي تدل على معنى أخص من الصدقة التي لا تتحدد بمال معين أو قدر بذاته.
الصدقة متروكة لاختيار الأفراد في قدرها، وفي من توجه إليه من المحتاجين، وذلك على خلاف الزكاة التي فرضها الله في أنواع المال التي حددها الشارع، وبين نصاب كل نوع، ومقدار الزكاة فيه. «أين المرجع لهذا الكلام؟»
قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .
وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] .
تخاطب الآيات السابقة في وضوح لا لبس فيه أصحاب الأموال ممن أعطاهم الله شيئا سعة في الرزق، وتذكرهم بأن لهم إخوانًا من الأقارب واليتامى والمساكين والسائلين وفي الرقاب كل أولئك بحاجة ماسة إلى مد يد العون لهم ليعيشوا حياة ناعمة في ظلال الإسلام الوارفة، وتشير الآيات إلى أن أصحاب الأموال إذا فعلوا ذلك فهم يحققون دعوة الإسلام التي جاء بها لتحقيق التكافل العام بين جميع أفراد الأمة وأبناء المجتمع؛ ليعيش الجميع حياة آمنة هادئة ينعمون فيها بالأمن والرخاء والتعاون الصادق في ظل العقيدة الإسلامية السمحة 65.
ولهذا اعتبر القرآن الكريم المؤمنين أخوة ينبغي التراحم والتكافل فيما بينهم فقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات: 10] .
وبين المولى عز وجل أن هذه الأموال تؤخذ من الأغنياء ممن لديهم فضل زاد كما قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 219] .
وحدد الشارع الكريم مقادير الزكاة وشروطها والأصناف التي تنفق فيها، باعتبار الزكاة ركن من أركان الإسلام ومظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع المسلم، والذي يسوده الحب والوئام والتناصح والتكافل.
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة: 215] .
كما حذر المولى عز وجل من الإمساك عن النفقة في سبيل الله وجعل ذلك سببا في الهلاك فقال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } [البقرة: 195] .
ولقد توعد الله عز وجل الذين يكنزون الذهب والفضة ويبخلون بأموالهم ولا يؤدون حق الله فيها بالعذاب الأليم في الآخرة، فقال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } [آل عمران: 180] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .
أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله من المال والجاه والعلم وغير ذلك مما منحهم الله وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك وأمسكوه وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم، وسيجعل ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، يعذبون به، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} ) الآية 66.
فهؤلاء حسبوا أن بخلهم نافعهم ومجد عليهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارهم وسبب عقابهم؛ لأنه هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار ولا غير ذلك من المال 67.
ثانيًا: التوزيع العادل للثروات:
يؤكد القرآن الكريم أن الناس متساوون في حق الكفاية والعدل، ولكنهم ليسوا متساوين في العلم والمعرفة والقدرات التي تترتب على ذلك، وبمعنى آخر يؤكد القرآن تكافؤ الفرص لجميع أفراد المجتمع، وحق كل فرد في حد أدنى من المعيشة يتمثل في الضروريات التي لابد من توفرها له وفقًا لتطور مستويات المعيشة ونفقاتها، وكذلك حقه في أن يشكو الظلم وأن يحصل على العدالة التي تناسب شكواه.
وبالرغم من هذه الحقوق المختلفة التي يتساوى فيها الجميع، فإن الناس لا يتساوون في العلم والمعرفة والقدرات والمهارات والمواهب، وهم لذلك طبقات يجب التمييز بينها، لعل في هذا التمييز ما يحفز على التسابق في سبيل استغلال موارد الطبيعة وكشف أسرار الكون وفهم القواعد التي تحكم هذه الأسرار، وبذلك يكون التسابق طريق العلم والمعرفة والعمل الجاد والوصول بذلك إلى مجتمع الرفاهية الشاملة المتكاملة عندما تكون دعائمه الأخوة والتقوى والبر والتعاون والعدل.
ثالثًا: حقوق الضعفاء: