فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 2431

الركوع

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ر ك ع) تدل على الانحناء 1، والركوع في اللغة له معانٍ متعددة، منها:

الركوع: الانحناء، ومنه ركوع الصلاة. يقال: ركع الشيخ، أي: انحنى من الكبر 2.

وتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التّواضع والتّذلّل، إمّا في العبادة، وإمّا في غيرها 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

وعليه يمكن القول بأن الركوع في الاصطلاح: هو الانحناء لذي قدر ومكانة في نفس فاعله؛ تعظيمًا وإجلالًا؛ للدلالة على الخضوع والاستسلام والطاعة تعبدًا 4.

وردت مادة (ركع) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت (13) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 1 ... {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) } [المرسلات: 48]

فعل الأمر ... 4 ... {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [البقرة: 43]

اسم الفاعل ... 5 ... {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) } [ص: 24]

الجمع ... 3 ... {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) } [الحج: 26]

وجاء الركوع في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 6:

الأول: الصلاة: ومنه قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] أي: صلّوا مع المصلّين.

الثاني: السجود: ومنه قوله تعالى: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] يعني: ساجدًا.

الثالث: الركوع بعينه: ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] .

السجود:

السجود لغة:

سجد في اللغة: خضع، وأصله التطامن والتذلل، وسجد: طأطأ رأسه وانحنى 7.

السجود اصطلاحًا:

هو إلصاق الرأس والأطراف بالأرض على هيئة مخصوصة في الصلاة وغيرها، يقول فيها العبد ألفاظًا مخصوصة؛ تعظيمًا وإجلالًا للمعبود، وخضوعًا وانكسارًا من العبد على سبيل التعبد.

الصلة بين الركوع والسجود:

إن كلًا من الركوع والسجود يدل على الانحناء 8، غير أن السجود يكون بانحناءٍ أشد، ويجوز أن يفعل خارج الصلاة تعبدًا لله.

القنوت:

القنوت لغة:

يأتي بمعنى الطاعة، وطول القيام، والصلاة، والسكوت 9.

القنوت اصطلاحًا:

هو طول القيام في الصلاة طاعة لله، على هيئة مخصوصة، في وقت مخصوص، تعظيمًا لله وإجلالًا.

وقيل: الدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام 10.

الصلة بين الركوع والقنوت:

كلاهما من أفعال الصلاة، لكن تختلف فيهما الهيئة والأقوال، فالقنوت يكون بقراءة القرآن والدعاء، والحمد والثناء، بينما الركوع لا يجوز فيه قراءة القرآن.

الخشوع:

الخشوع لغة:

تدل مادة (خ ش ع) على التطامن. يقال: خشع، إذا تطامن وطأطأ رأسه، يخشع خشوعًا. وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن والإقرار بالاستخذاء، والخشوع في الصوت والبصر 11.

الخشوع اصطلاحًا:

إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفًا وانقيادًا، مع خضوع الجوارح والأعضاء 12.

الصلة بين الركوع والخشوع:

الركوع عمل يقوم به المرء ظاهرًا على هيئة مخصوصة، بانحناء القامة والأعضاء، بينما الخشوع يكون محله القلب، ويظهر أثره بهيئة مغايرة على أعضاء الإنسان بسكونها، وعلى الصوت فيخفت، وعلى البصر فيخضع.

لقد وردت لفظة «الركوع» ومشتقاتها في الأسلوب القرآني بأوامر ربانية في ثلاثة أساليب صريحة، تحث على الركوع، وورد أسلوب واحد بلفظ السجود مؤولًا بالركوع، وسنرى ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الأسلوب الصريح:

وقد استخدم في ذلك عدة أساليب:

نحو قوله: {وَارْكَعُوا} ، {وَارْكَعِي} .

وقد جاء ذلك في أربع آيات، منها:

قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: « {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، هذا أمر من الله تعالى لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها -أي: منافقي المدينة- بالإنابة والتوبة إليه، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين في الإسلام، والخضوع له بالطاعة، ونهيٌ منه سبحانه وتعالى لهم عن كتمان ما قد علموا من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد تظاهر حججه عليهم» 13.

قال ابن عطية رحمه الله: « {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، قال قوم: جعل الركوع -لما كان من أركان الصلاة- عبارة عن الصلاة كلّها، وقال قوم: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع» 14.

وقال أيضًا: « {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، أي: صلّوا مع المصلين، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع؛ لأن الركوع ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، وكأنه قال: صلوا صلاةً ذات ركوع، قيل: وإعادته بعد قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} لهذا، أي: صلّوا مع الذين في صلواتهم ركوع، فالأول: مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين» 15.

وقال الواحدي رحمه الله: «قال المفسرون: قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، معناه: وصلوا مع المصلين محمد وأصحابه، فعبّر بالركوع عن جميع الصلاة؛ إذ كان ركنًا من أركانها كما عبّر باليد عن عمل الجسد في قوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] .

وقيل: إنما عبّر بالركوع عن الصلاة؛ لأنه أول ما يشاهد، مما يدل على أن الإنسان يؤدي الصلاة، وإنما قال: {وَارْكَعُوا} بعد قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، وكان الركوع داخلًا في الصلاة؛ لأنه أراد الحث على إقامة الصلاة جماعة.

وقيل: لأنه لم يكن في دين اليهود ولا في صلاتهم ركوع، فذكر ما اختص بشريعة الإسلام، والآية خطاب لليهود» 16.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «وقوله: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها، وفيه أن الركوع ركن من أركان الصلاة؛ لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته لها» .

وقال أيضًا: « {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} ، فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآياته، فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة، وبين الإخلاص للمعبود والإحسان إلى عبيده، وبين العبادات القلبية والبدنية والمالية» 17.

وقال الله عزّ ثناؤه: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] .

أمر صريح من الله لمريم عليها الصلاة والسلام بالخضوع له بالطاعة، وهذا ما أشار إليه الإمام الطبري رحمه الله بقوله: «فتأويل الآية إذن: يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصًا، واخشعي لطاعته وعبادته، مع من خشع له من خلقه، شكرًا له على ما أكرمك به من الاصطفاء والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دهرك، وقد بيّنا معنى الركوع والسجود بالأدلة المؤكدة على صحته، وأنهما عين الخشوع لله، والخضوع له بالطاعة والعبودية» 18.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «في تفسير قول الله تعالى ذكره: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله اركعوا لله في صلاتكم، {وَاسْجُدُوا} له فيها {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} ، يقول: وذلّوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة لتفلحوا بذلك» 19.

وقال الله جل شأنه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] .

وعن مجاهد بن جبر رحمه الله: في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} ، قال: «إذا قيل لهم صلّوا لا يصلّون» 20.

قال الإمام الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: وإذا قيل لهؤلاء المجرمين المكذبين بوعيد الله أهل التكذيب به: اركعوا، لا يركعون» .

واختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه:

فقال بعضهم: «يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] يقول: يدعون يوم القيامة إلى السجود فلا يستطيعون السجود، من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون لله في الدنيا» .

وقال آخرون: «بل قيل ذلك لهم في الدنيا» .

وعن قتادة في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} «أي: عليكم بحسن الركوع، فإن الصلاة من الله بمكان؛ لأن المقصود بالآية عنده هو الركوع نفسه» .

وقال قتادة في آخرين: «هذه حال كفار قريش في الدنيا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم وهم لا يجيبون، وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، وهذا قول الجمهور» .

وقال قتادة عن ابن مسعود رضي الله عنه: «أنه رأى رجلًا يصلي ولا يركع، وآخر يجر إزاره، فضحك، فقيل له: ما يضحكك؟ قال: أضحكني رجلان؛ أما أحدهما فلا يقبل الله صلاته، وأما الآخر فلا ينظر الله إليه» 21.

قال الإمام القرطبي رحمه الله: «قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} أي: إذا قيل لهؤلاء المشركين: {ارْكَعُوا} ، أي: صلّوا: {لَا يَرْكَعُونَ} ، أي: لا يصلّون» .

قال مقاتل: «نزلت في ثقيف، امتنعوا من الصلاة فنزل ذلك فيهم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلموا) ، وأمرهم بالصلاة فقالوا: لا ننحني فإنها مسبةٌ علينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود) 22.

قال ابن العربي رحمه الله: «هذه الآية حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنًا في الصلاة، وقد انعقد الإجماع عليه، وظنّ قوم أن هذا إنما يكون في القيامة، وليست بدار تكليف فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويلٌ وعقابٌ، وإنما يدعون إلى السجود كشفًا لحال الناس في الدنيا، فمن كان يسجد يمكّن من السجود، ومن كان يسجد رئاءً لغيره صار ظهره طبقًا واحدًا» .

وقيل: أي: إذا قيل لهم اخضعوا للحق لا يخضعون، فهو عام في الصلاة وغيرها، وإنما ذكر الصلاة، لأنها أصل الشرائع بعد التوحيد. وقيل: الأمر بالإيمان؛ لأنها لا تصح من غير إيمان 23.

قال الواحدي رحمه الله: «إذا أمروا بالصلوات الخمس لا يصلّون مع محمد صلى الله عليه وسلم» 24.

قال ابن كثير رحمه الله: « {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] ، أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه» 25.

قال البغوي رحمه الله: « {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا} ، يعني: صلّوا، {لَا يَرْكَعُونَ} : لا يصلّون» 26.

قال ابن عطية رحمه الله في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} «هي حكاية حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس، فأرادوا السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض، وصارت فقراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وغيره» .

وقال بعض المتأولين: «عني بالركوع التواضع» كما قال الشاعر 27:

بجمعٍ تضلّ البلق في حجراته

ترى الأكم فيه سجّدًا للحوافر

ويتابع ابن عطية قائلًا: «إنّ ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة، إنما كان لأن كثيرًا من العرب كان يأنف من الركوع والسجود، ويراها هيئةً منكرةً؛ لما كان في أخلاقهم من العجرفة» 28.

وقد جاء في ثمانية مواضع، منها:

قال الله عز وجل: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] .

وقال الله تعالى: {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} [التوبة: 112] .

وقال عز وجل: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] .

وقال تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] .

وقال سبحانه: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] .

وقال تعالى: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .

وقال تبارك وتعالى: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] .

وقال وتعالى: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] .

وقد ورد في موضع واحد.

قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48] ..

وقد ورد بلفظة {سُجَّدًا} ، في ثلاثة مواضع هي:

قال الله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة: 58] .

وقال تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: 154] .

وقال تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [الأعراف: 61] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «القول في: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، فإن ابن عباس كان يتأوّل قوله تعالى: {سُجَّدًا} بمعنى: الّركّع» 29.

وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} «ركعًا من باب صغير» 30.

وعن ابن عباس من طريق آخر في قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، قال: «أمروا أن يدخلوا ركعًا» .

قال أبو جعفر: «وأصل السجود الانحناء لمن سجد له معظّمًا بذلك، فكل منحنٍ لشيء تعظيمًا له وخشوعًا فهو له ساجد» 31.

وقال الإمام الواحدي رحمه الله: «وقوله: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ركعًا، وهو شدة الانحناء، والمعنى: منحنين متواضعين» 32.

وجاء بلفظ {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} ، بموضع واحد.

قال تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «معنى ذلك: ويرى تقلّبك في صلاتك حين تقوم، ثم حين تركع، وتسجد، وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} «قيامك وركوعك وسجودك» 33.

ونقل مثل هذا التفسير عن عكرمة أيضًا، وقد رجّح الإمام الطبري هذا القول بعد ذكره للأقوال الواردة في تفسير هذه الآية.

ويمكن أن نضيف أسلوبًا غير صريح يحث على الركوع: وهو الأمر بإقامة الصلاة، فإن ذلك يتضمن الأمر بالركوع؛ حيث إن الركوع جزء من الصلاة، وما أكثر الآيات الواردة في ذلك، ولا حاجة للإطالة في ذكرها.

ثانيًا: الثناء على الراكعين:

يعتبر الركوع من أهم الصفات التي يتميز بها العبد المسلم بخضوعه لربه جل جلاله، منحنيًا بهامته لخالقه ورازقه بكل عبودية وتعظيم وإخلاص لله تعالى.

ولقد أثنى الله عز وجل على الراكعين في أكثر من آية وردت بآيات الذكر الحكيم، وبعدة أساليب، أهمها:

وقد ظهر ذلك بمدحه لمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه؛ بأنهم يركعون لله سبحانه، ولهذا أمر اليهود بأن يخضعوا لله سبحانه، وأن يتبعوا رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام ويكونوا مع أتباعه، خاضعين لله ورسوله: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] 34.

وبأمر الله لمريم عليها السلام بأن تكون راكعة مع الراكعين لله تعالى، مخلصة له بالعبادة اصطفاؤها وتفضيلها على العالمين: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43] 35.

وبجعل الركوع صفة من الصفات الممدوحة للمؤمنين المتبعين لشرع الله ورسوله، وجعل سبحانه وتعالى المكافأة على ذلك بأن الراكع وليه الله ورسوله، بل أوجب موالاتهم وحبهم بأداة الحصر (إنما) : {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] 36.

وبمدح عباد الله المؤدين للصلوات المفروضة، والمكثرين من النوافل بعدة صفات، كان الركوع الصفة الخامسة، بقوله: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] 37.

مدح الله عز وجل للمكثرين من الركوع والسجود المتجهين إلى الكعبة المشرفة في صلاتهم وركوعهم، سواء أكانوا حولها أم بعيدين عنها.

بل أمر سبحانه خليله إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام بتطهير وتهيئة بيته المحرم لهؤلاء: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] 38.

مدح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم من المكثرين في الصلاة، والركوع والسجود من أجل أركان الصلاة: {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29] 39.

دلالة على محبة الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم حال رؤيته له متقلبًا في صلاته وركوعه وسجوده بقوله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219] .

فقد جعل الله سبحانه الركوع سببًا للتوبة عن بني إسرائيل، وشكرًا لله عز وجل على أن سهّل لهم فتح بيت المقدس، فقال: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} [البقرة: 58] 40.

وقال: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ} [النساء: 154] 41.

وقال: {وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ} [الأعراف: 161] 42.

وكلها أتت كما قال ابن عباس ومن وافقه بمعنى «ركعًا منحنين خاضعين لله سائلينه أن يحطّ عنهم سيئاتهم، ولكن بني إسرائيل خالفوا أمر الله جلّ ثناؤه، فلم يدخلوا راكعين، إنما دخلوا متزحفين على أستاههم -وفي رواية على أوراكهم-، مخالفين لأمر الله فاستحقوا الرجز من رب السماء» 43.

ونرى ذلك واضحًا في قبول التوبة والفلاح بقصة داوود عليه الصلاة والسلام الواردة في قوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 24 و 25] .

أي: ألقى بنفسه نحو الأرض متطامنًا متواضعًا لله عز وجل، سائلًا ربه بأن يغفر له ذنبه، تائبًا مما وقع فيه من الخطأ. قال الحسن بن الفضيل: «سألني عبد الله بن طاهر عن قوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعًا} ، هل يقال للراكع خرّ؟ قلت: لا، ومعناه، أي: ساجدًا بعد ما كان راكعًا» 44.

فقد ذمّ الله الذين لا يركعون له في الدنيا، وهدّدهم بأن يفضحهم على رؤوس الخلائق يوم القيامة في أرض المحشر، قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} ، {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 48 - 49] .

وإذا استخدمنا مفهوم المخالفة لهذا النص اقتضى مدح من كان يركع لله في الدنيا فهو ناجٍ برحمة الله تعالى يوم القيامة من عذاب جهنم، مستحق للفوز برضوانه وجنته.

قال مقاتل رحمه الله في تفسير هذه الآية «قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلموا) ، وأمرهم بالصلاة، فقالوا: لا ننحني؛ فإنها مسبةٌ علينا فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود) » 45.

ورجح الإمام ابن عطية: «بأن ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة، إنما كان لأن كثيرًا من العرب كان يأنف من الركوع والسجود، ويراهما هيئة منكرة، لما كان في أخلاقهم من العجرفة!» 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت